كان الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حالة الاتحاد في ليلة الثلاثاء الماضي صورة عنه وليس عن أمريكا، فهو أطول خطاب يلقيه رئيس أمريكي في العصر الحديث، وقدم فيه صورة عن أمريكا التي تعكس شخصيته. ولم يجد الكثير من المراقبين لتصريحاته التي لا تنتهي عبر مؤتمراته الصحافية وتغريداته على منصته «تروث سوشيال»، حاجة لفحص دقة ما يقول، ففي ولايته الأولى، أصبحت عادة لدى الوسائل الإعلامية الأمريكية تخصيص قسم لفحص صحة ما يقول، ولعل تأكيده على أن الولايات المتحدة أنفقت 500 مليار دولار لدعم مقاومة أوكرانيا للغزو الروسي، من المبالغات مع أن الولايات المتحدة وفي ذروة الدعم أثناء جو بايدن لم تنفق هذا المبلغ المزعوم والذي يتخذه ترامب ذريعة لتجريد أوكرانيا من ثرواتها المعدنية.
إمبريالية فجة
واللافت أن ترامب كرر في خطابه حديثه عن سيطرة أمريكا على جزيرة غرينلاد، ودعا سكانها لطلب الانفصال عن الدنمارك، وتحدث عن قناة بنما وعن ضم كندا كولاية رقم 51 للولايات المتحدة الأمريكية، التي تقول صحيفة «نيويورك تايمز» (7/3/2025) إن ترامب تحدى رئيس وزراء الجارة الكندية، جاستن ترودو قائلا إنه لا يوافق على اتفاقيات المياه بين البلدين. وتنم رؤية ترامب مع جيرانه وموقفه الداعم لروسيا في حربها ضد الحليفة أوكرانيا، عن رغبة إمبريالية في السيطرة على الثروات الطبيعية، فاستعمار الدول في القرن التاسع عشر وما سبقه كان من أجل البحث عن المصادر الطبيعية الضرورية لحركة التصنيع في أوروبا، وخاصة بريطانيا، وعليه فحديث ترامب المتكرر عن المال والثروات هو حديث المستعمر الذي يريد استعباد الآخرين. ويعتقد ترامب مثل المحافظين الجدد الذين ورطوا الولايات المتحدة في حرب كارثية بأفغانستان والعراق بداية القرن الحالي، بأن أمريكا تستطيع استخدام قوتها العسكرية لـ «نشر الحرية» في الخارج. وعليه ولدت أسطورة جعل العراق بعد الإطاحة برئيسه صدام حسين «منارة» الحرية في الشرق الأوسط. وهي الأسطورة التي آمن بها جورج دبليو بوش في حينه.
دون كورليوني
ولكن رؤية ترامب لا تقوم على نشر القيم الأمريكية، والتي يقوم بتفكيكها في داخل بلاده، بل هي عن التسلط والاستغلال، كما هو واضح من موقفه في غزة المدمرة، والتي يريد تهجير سكانها إلى بلدان أخرى وبناء منتجع فيها. وهو ما أكده مبعوثه الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف هذا الأسبوع عندما كرر رؤية رئيسه، مع أن النبرة خفت ولم تعد دعوة لإجبار السكان على ترك بلدهم بل وإبعادهم عن الخطر بسبب انتشار القنابل الأمريكية الصنع التي منحت لإسرائيل كي تحول غزة أرضا يباب. وفي الحقيقة تعبر رؤية ترامب عن جشع استعماري صارخ، فهو يريد تفكيك العالم الذي ساهمت أمريكا في رسمه بعد الحرب العالمية الثانية، بطريقة تخدم مصالحه، ويستخدم في هذا أسلوب لي اليد، ويستند على طرق المافيا، ولهذا وصفته مجلة «إيكونوميست» (27/2/2025) بأنه يدير معركة على طريقة المافيا للسيطرة على النظام العالمي. ولم يفت هذا المعلق في صحيفة «الغارديان» (7/3/2025) جوناثان فريدمان قوله إن ترامب يقوم بتحويل أمريكا إلى دولة مافيا على طريقة دون كورليوني وأمثاله في فيلم «الأب الروحي» الشهير ولكن بدون مبادئ. وعلى خلاف هؤلاء فترامب ضعيف ويتراجع دائما عن تهديداته، وإن غلف التراجع بالتأجيل كما فعل مع كندا والمكسيك في قضية التعرفات الجمركية.
وأضاف فريدمان إلى هذا وصفا للطريقة التي تعمل فيها أمريكا اليوم، وهي تقديمها الهدايا لأعدائها، وخاصة روسيا دون الحصول على مقابل. وهو ما فعله ترامب في ولايته الأولى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما منحه الكثير من العطايا، لينتقده عندما سارع واعترف بفوز بايدن في انتخابات عام 2020. وكان لافتا تراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تفاخر ترامب بأنه الذي سرع في توقيعه، متجاهلا جهود إدارة بايدن على مدى الأشهر التي سبقته، مع أنها ظلت تدعم الإبادة في غزة، ولم تكن هناك حاجة لنتنياهو وجنرالاته للاستجابة لمطالب «جو الإبادي» كما أطلق عليه المحتجون ضد الحرب.
ترامب الإبادي
ورغم فتح ترامب حوارا مباشرا مع حركة حماس، وإقناعها بتسليم ما لديها من أسرى أمريكيين- إسرائيليين، إلا أنه أرفق كلامه بلغة التهديد والإبادة. واتهم ترامب فعلا بأنه يدعو إلى إبادة الفلسطينيين بعد دعوته للتطهير العرقي حيث كتب يوم الأربعاء على منصة «تروث سوشيال» قائلا لأهل غزة «انتم موتى» لو لم تفرج حماس عما تبقى لديها من أسرى. وقال: «أيضا، لأهل غزة فإن مستقبلا جميلا ينتظركم، ولكن ليس إن ظل الأسرى، ولو حصل هذا فأنتم موتى واتخذوا القرار الذكي».
واعتبرت منظمة أمنستي انترناشونال تغريدة ترامب بأنها خطاب إبادي وقارنتها مع الخطاب الإبادي الصادر عن الساسة والعسكريين الإسرائيليين. ونقلت صحيفة «إندبندنت» (6/3/2025) عن كريستيان بنديكت قوله إن «تهديد ترامب الشرير لأهل غزة يعكس الخطاب الإبادي الصادر عن القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين والذين لم يفرقوا بين المدنيين والجماعات المسلحة في غزة»، مضيفا أن سكان غزة هم مدنيون في الغالب، فهم أطفال ونساء ورجال ومسنون وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة وتحميلهم مسؤولية جرائم حرب من جماعات فلسطينية مسلحة هو مشابه للمنطق الذي استخدمته القوات الإسرائيلية وبتداعيات مدمرة». وبنفس السياق وصف موقع «ذي انترسبت» (5/3/2025)، تصريحات ترامب بالإبادية ونقل عن خالد الجندي، الأستاذ الزائر في مركز الدراسات العربية بجامعة جورج تاون قوله «لو خاطب أهل غزة بشكل جماعي وأتبع هذا بتهديد وقال: لو لم تفعلوا إي بي جيم، فهذا خطاب إبادي». وقال الجندي: «هذا هو نفس الرئيس الذي اقترح خطة تصل إلى حد التطهير العرقي، وهو منسجم في الحديث بهذا الإطار واقتراح خطة تصل إلى حد الفعل الإبادي». وعلى طريق بايدن، تعهد الرئيس الأمريكي بمواصلة إرسال «كل شيء تحتاجه إسرائيل لكي تنهي المهمة»، ففي الأسبوع الماضي صادق ترامب على صفقة أسلحة بقيمة 3 مليارات دولار بما فيها أكثر من 35.500 قنبلة من نوع ام كي-84 وبلو-117 التي تصل زنة الواحدة منها 2.000 رطل. ويتماهى ترامب في خطابه الإبادي مع الخطاب الإسرائيلي العام الذي بات يتقبل فكرة «الحل النهائي» للفلسطينيين بعد فشل الحرب القاتلة على غزة وخطة الجنرالات التي كانت تقضي بترحيل سكان شمال غزة، وفتحه أمام المستوطنين الذين عقدوا مؤتمرات وبدأوا حملة إعلانات من أجل البناء في غزة من جديد، وخاصة على شاطئها الجميل، قبل أن يختطف ترامب وصهره جاريد كوشنر الفكرة، حيث فجر الرئيس الأمريكي فكرة «ريفييرا» غزة.
وأشار الصحافي الإسرائيلي ميرون رابوبورت في مقال بموقع «ميدل إيست آي» (3/3/2025) إلى أن الإسرائيليين لم يعودوا يشعرون بالحياء أو الخجل من الحديث عن إبادة الفلسطينيين. وقال إن نفس الخطة التي قدمتها غيلا غامليل، وزيرة الاستخبارات الإسرائيلي في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2023 تدعو فيها لإخلاء السكان المدنيين من غزة. وحظيت الخطة بتغطية واسعة في جميع أنحاء العالم، واعتبرت دليلا على أن الهدف الحقيقي لإسرائيل في حربها في غزة، في ذلك الوقت كان في مرحلة القصف الجوي التي سبقت الغزو البري – لم يكن «القضاء على حماس» بل طرد الفلسطينيين من غزة. وبعد 16 شهرا أصبحت خطة غامليل وبشكل فعلي الخطة الرسمية للحكومة الإسرائيلية. ويجب أن ينسب الفضل أولا وأخيرا للرئيس دونالد ترامب، ولكن لا يمكن إنكار أن هذه العملية تعكس تطور فكرة عزيزة منذ فترة طويلة على الجمهور الإسرائيلي. ولهذا، فعلينا عدم تجاهل دعوة نائب رئيس الكنيست نيسيم فاتوري التي تقول: «يجب فصل الأطفال والنساء وقتل البالغين الذكور في غزة».
ويقول رابوبورت إن الدعوات لنكبة ثانية والتي سيطرت على اليمين المتطرف وحتى قبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ودخلت لاحقا الخطاب السائد اختفت. ولم يعد هناك حديث عن «خطة الجنرالات» للحصار والتجويع، التي تم تنفيذها بالفعل بطرد سكان شمال غزة، بل هناك مخطط للإبادة: من أجل حل نهائي لمشكلة غزة ومشكلة الفلسطينيين بشكل عام.
ويبدو الحرص على التخلص من الفلسطينيين واضحا في خطاب المستوطنين الذين استقبل أحد زعمائهم الذي ظل مستبعدا من أمريكا، أي وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الداعي لتحويل الضفة الغربية إلى مجموعة مصغرة من «غزة»، وإلى هذا أشار تقرير في صحيفة «واشنطن بوست» (6/3/2025)، وقالت إن كثافة العملية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية جعلت الفلسطينيين والمحللين الإسرائيليين يرون أنها لا تتناسب مع التهديد الحقيقي والفعلي. كما أن توقيتها والأساليب المستخدمة فيها والترويج لا تدفعها مظاهر القلق الأمني ولكن الدوافع السياسية والأيديولوجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف المتحالف معه. وقد بدأت العملية ضد مدن الضفة الغربية في 21 كانون الثاني/يناير، أي بعد أيام من توقيع وقف إطلاق النار في غزة. وفي ذلك اليوم، هنأ سموتريتش، الجيش في بيان، وأشار إلى أنه صوت لصالح وقف إطلاق النار في غزة بشرط إضافة عمليات الضفة الغربية إلى أهداف الحرب الإسرائيلية. وفي شباط/فبراير، هدد سموتريتش الفلسطينيين في الضفة الغربية من أنهم إذا نفذوا عمليات مسلحة فإن «مصيرهم سيكون مثل مصير غزة». وقال في مؤتمر صحافي إن طولكرم وجنين ومدن أخرى في الضفة الغربية ستبدو مثل البلدات ومخيمات اللاجئين في غزة التي دمرتها القوات الإسرائيلية بالكامل تقريبا. وأضاف: «ستكون هذه المدن أيضا أطلالا غير صالحة للسكن. وسيضطر سكانها إلى الهجرة والبحث عن حياة جديدة في بلدان أخرى». كما وأشاد زعماء استيطان بسياسة إسرائيل تجاه الضفة الغربية، وقال إسرائيل غانز، رئيس مجلس «يشع» للمستوطنات إنه كان يضغط على نتنياهو وسموتريتش ومنذ أكثر من عام لتطبيق نفس أساليب غزة على الضفة الغربية. وقال: «قلنا لرئيس الوزراء وسموتريتش، لقد حان الوقت الآن لنأخذ الأمور إلى أبعد من ذلك. والآن يتعين علينا القتال هنا». وكان لافتا ظهور نتنياهو في مدينة طولكرم الخاضعة حسب اتفافيات أوسلو للسلطة الوطنية، حيث توعد كعادته المسلحين، تماما كظهوره المستمر في الجولان السورية.
ابتلاع سوريا
وهو ما يعبر عن شعور انتصاري وأنه بات «سيد» المنطقة يأمر وينهى، ويتوعد الحكومة السورية الجديدة بأنه سيمنعها من الحضور العسكري في جنوب دمشق، التي يجب أن تكون منزوعة السلاح، وحمل شعار الدفاع عن الدروز، فقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» (4/3/2025) عن مساعي إسرائيل الضغط على القوى العالمية لمنع إعادة بناء سوريا موحدة تحت حكم الإدارة الجديدة في دمشق، مشيرة إلى عزمها للدفع باتجاه إنشاء نظام فيدرالي ومناطق حكم ذاتي للأقليات، مع جعل المناطق الحدودية الجنوبية لإسرائيل منزوعة السلاح، وهي فكرة رفضتها حكومة دمشق. وأشارت أن إسرائيل ستنفق أكثر من مليار دولار لمساعدة الدروز في شمال إسرائيل، في خطوة وصفها محللون بأنها محاولة لإقناع دروز سوريا برفض الحكومة الجديدة. وأضافت أن بعض قادة المجتمع الدرزي في سوريا يعبرون عن قلقهم من أن الأهداف الإقليمية طويلة المدى لإسرائيل قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في سوريا وجعلها ضعيفة ومفككة.
وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز (5/3/2025) في تقرير مماثل إلى أن إسرائيل تبتلع بهدوء مناطق سورية وتحتل قرى وتوزع الطرود الغذائية وتجري فيها إحصاء للسكان وتصدر هويات شخصية وتعرض على البعض فرص عمل زراعية في إسرائيل. وأشارت إلى أن الدبابات الإسرائيلية تذرع شوارع مدينة البعث (الشام حاليا) ودمرت مبان حكومية في قرى أخرى.
وتقوم إسرائيل بحملة عسكرية عدوانية ضد سوريا، حيث استولت على منطقة عازلة عمرها خمسة عقود «إلى أجل غير مسمى». وفي الأسبوع الماضي، زاد قادة إسرائيل من التصعيد وشجبوا قادة سوريا بأنهم «النظام الإرهابي للإسلام الراديكالي» وهددوا بحملة عسكرية واسعة لو قامت قوات الحكومة بمهاجمة المجتمع الدرزي. وتقول الصحيفة إن وراء الأفعال الإسرائيلية العدوانية، خطة جديدة، على ما يبدو لإعادة ترسيم الحدود وبناء ميزان القوة الجديد مع جيرانها. وقامت إسرائيل ببناء منطقة عازلة في داخل غزة وسيطرت على خمس مواقع في داخل لبنان وأرسلت قواتها إلى الضفة الغربية ووضعتها في مخيمات اللاجئين. كما وشن الطيران الإسرائيلي غارات جوية على المواقع العسكرية السورية، حيث ضربت مئات الأهداف بما فيها الأسلحة الثقيلة وأنظمة الدفاع الجوي والسفن البحرية، ما أدى إلى تدمير ما تبقى من جيش الأسد. وقامت القوات الإسرائيلية ببناء تحصينات ومواقع استيطانية، وتوسعت في الدفاعات التي أقامتها العام الماضي.
وحذرت مجلة «إيكونوميست» (3/3/2025) في تقرير من أن استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة محفوفة بالمخاطر، وخاصة أنها تريد تأكيد بقاء عسكري في المناطق غير الخاضعة لها. مضيفة أن حكومة نتنياهو واثقة من تحركاتها بأنها لن تجد معارضة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي لم تظهر حتى الآن أي اهتمام بسوريا. وقالت إن التوسع الإسرائيلي قد يكون مستداما وبدون رد فعل عنيف، نظرا للأوضاع في لبنان وسوريا. مع أن غزة هي مصدر القلق الأكبر. وتعلق المجلة أن توسع الوجود الإسرائيلي على هذه الجبهات سيكون باهظ الكلفة وعلى المدى البعيد. فمن جهة، يمنح استمرار الوجود الإسرائيلي حزب الله ذريعة للاحتفاظ بقدراته العسكرية على الرغم من الضغوط من جانب الحكومة اللبنانية الجديدة لنزع سلاحه. وبالنسبة لإسرائيل، فإن عبء الحفاظ على هذا الوجود الأكثر اتساعا سيكون مرتفعا، سواء من الناحية المالية أو في الحفاظ على مستويات التعبئة بين جنود الاحتياط، الذين دخل العديد منهم فترة خدمتهم الرابعة منذ بدء الحرب في غزة. كما يتوقف الأمر أيضا على الدعم المستمر من إدارة ترامب ذات السمعة السيئة بالتقلب. مع أن ترامب لا يعتبر سوريا مصدرا للصفقات المربحة، ولم تظهر إدارته أي تحرك باتجاه التعامل مع سوريا ورفع العقوبات عنها والتخلي عن الأكراد الذين فشلوا في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، كما يرى روبرت فورد بمقال نشرته «فورين أفيرز» (5/3/2025)، في وقت دعت فيه «إيكونوميست» (7/3/2025) في افتتاحية عددها الأخير إلى رفع العقوبات التي فرضتها واشنطن على نظام الأسد، وإلا وجدت أمريكا نفسها أمام دولة فاشلة.
نهاية الحرب
وفي الوقت الحالي يستمر نتنياهو بخطابه الداعي إلى النصر الشامل وتجويع الفلسطينيين في غزة وتشريدهم في الضفة الغربية، وهو مطمئن من الدعم الأمريكي له، وكان ظهور ماركو روبيو على قناة «فوكس نيوز» لافتا وقد رسم الصليب على جبهته، وهو إن كان يعبر عن مناسبة دينية «أربعاء الرماد» والصوم الكبير، إلا أنه يضفي بعدا دينيا على المواقف الأمريكية من قضايا المنطقة وخاصة غزة. فمنذ البداية تبنت إدارة ترامب، كما تقول «الغارديان» (5/3/2025) نهجا عدوانيا أحادي الجانب تجاه غزة، حيث انحازت بقوة إلى المصالح الإسرائيلية مع تجاهل المخاوف الفلسطينية. وحسب نبيل خوري، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، فإن اتفاقيات إبراهيم، مبادرة ترامب في الشرق الأوسط، تظل محورية لاستراتيجية واشنطن المتطورة، والتي تقوم على تعزيز الأراضي الإسرائيلية والهيمنة الإقليمية غير المتنازع عليها. وأشار خوري إلى أن الأولوية الفورية للولايات المتحدة هي الإزالة الكاملة للفلسطينيين من غزة، تليها، إذا سمحت الظروف، الاستيلاء التدريجي على الضفة الغربية.
وتتزامن هذه الرؤية مع زيارة الوزير اليميني المتطرف، سموتريتش، المؤيد للضم، واشنطن والذي حذر نتنياهو من انهيار الحكومة إذا انسحبت القوات الإسرائيلية من غزة بموجب هدنة.
ورفضت الولايات المتحدة وإسرائيل خطة يقودها العرب لإعادة إعمار غزة بعد الحرب، ما يسمح لسكانها البالغ عددهم مليوني نسمة بالبقاء. ولكن هذا كان بمثابة عرض مهم للقوة: تحالف عربي يقاوم الجهود الواضحة التي يبذلها نتنياهو وترامب لمحو حق تقرير المصير الفلسطيني.
وعلى النقيض من ذلك، تشير التقارير إلى أن إدارة ترامب تجري محادثات مباشرة مع حماس. وإذا كان هذا صحيحا، فسيكون ذلك انقلابا صارخا في السياسة الأمريكية. إن إشراك حماس، التي كان التعامل معها سابقا مستحيلا، في المفاوضات قد يكون واقعيا براغماتيا أو مثالا على الدبلوماسية الترامبية القائمة على المعاملات، أو كليهما. وقد قدرت الأمم المتحدة في عام 2019 أن موارد النفط والغاز الطبيعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمكن أن تولد مئات المليارات من الدولارات للتنمية. لكن التطلعات الوطنية الفلسطينية مستحيلة تحت الاحتلال.
وفي النهاية يجب أن تكون نهاية اللعبة هي وقف للنار دائم، فتدمير حماس كما تقول «واشنطن بوست» (6/3/2025)، لم يكن هدفا واقعيا من الناحية السياسية لإسرائيل ولكن تخفيف قبضة الحركة على غزة لابد وأن يكون هدفا للمفاوضات المستقبلية. وفي نهاية المطاف، لابد وأن تتحرك المحادثات نحو المرحلة الثالثة: إعادة بناء القطاع. ولكن قبل أن يحدث أي من هذا، لابد وأن يتوقف القتال.