الذين يعرفون دونالد ترامب يقولون أنه مهووس بالشهرة، إلى جانب غلبة عقلية «السمسار» على توجهاته السياسية، منذ ترشح لرئاسة الولايات المتحدة في انتخابات 2016. ويفضل الأمريكيون استخدام مصطلح «صانع الصفقات» بدلا من تعريف «السمسار» في محاولة لإضفاء قدر من الاحترام على طريقته في العمل السياسي. لذلك فإن ترامب يريد إصدار ورقة نقدية أمريكية جديدة عالية القيمة الإسمية «250 دولارا» تحمل صورته، مثلما أصدر بعد فوزه بالرئاسة هذه المرة نسخة من العملات المشفرة تحمل صورته، حقق منها أرباحا شخصية طائلة. وهو قرر أن تكون العملات المشفرة جزءا من الاحتياطي النقدي للولايات المتحدة مثل الذهب لأول مرة في التاريخ، وقد وقع أمرا رئاسيا بذلك. هذه الطموحات المالية الصاروخية لا تتوقف داخل حدود الولايات المتحدة، وإنما تتجاوزها إلى العالم، أينما تكون هناك ثروات طائلة مستدامة. فهو يريد السيطرة على قناة بنما بحجة أن الولايات المتحدة هي التي شقتها، وهي حجة مزيفة للحصول على إيراداتها أو جزء منها أو حتى السماح للسفن الأمريكية بعبورها ذهابا وإيابا مجانا من دون دفع أي رسوم. وهو يعتقد أن جزيرة غرينلاند الدنماركية، أكبر جزر العالم، مليئة بالخيرات التي لا تستحقها الدنمارك، وأنها يجب أن تكون من نصيب الولايات المتحدة طوعا أو كرها. وهو يرى أن قطاع غزة يحتل مساحة جميلة على البحر المتوسط، وبه أشياء لا يستحقها الفلسطينيون مثل الشواطئ الزرقاء والشمس الساطعة والمناخ الجميل على مدار السنة. ولذلك فإن غزة يجب أن تكون من نصيب الولايات المتحدة، وأن ينتقل الفلسطينيون قسرا أو طوعا إلى مكان آخر. ومن ثم فقد اختار سمسارا عقاريا هو ستيف ويتكوف ليكون مبعوثه السياسي إلى الشرق الأوسط! هذا هو دونالد ترامب الذي يرى العالم كله مشروعا استثماريا للولايات المتحدة وحدها. وقد وصلت الوقاحة بالسياسة الخارجية الأمريكية اللا أخلاقية إلى الدرجة التي شاهدها العالم على الهواء مباشرة خلال حفلة توبيخ رئيس أوكرانيا في البيت الأبيض في نهاية الشهر الماضي. ورغم حماقات الرئيس الأوكراني، الذي ورطته الولايات المتحدة وورطت أوروبا معه في حرب خاسرة ضد روسيا، فقد كانت تلك الواقعة وما جرى فيها مناسبة كاشفة لحقيقة سياسة ترامب الخارجية والاقتصادية. ترامب ببساطة يريد أوكرانيا بما فيها من موارد وثروات، ولا مانع لديه من عقد صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل اقتسام تلك الثروات بين أمريكا وروسيا.
المدهش والجديد في صفقات سياسة ترامب الاقتصادية «الترامبنوميكس» هو ما كشفت عنه صحيفة «فاينششال تايمز» منذ أيام عن أن هناك صفقة يجري ترتيبها بواسطة واحد من رجال بوتين لإعادة مشروع «نوردستريم-2» إلى الحياة باتفاق بين مستثمرين روس وأوروبيين وأمريكيين. هذا المشروع كان أحد الأسباب الرئيسية لحرب أوكرانيا، لأن البيت الأبيض في عهد بايدن، كان يريد قطع كافة شرايين الطاقة الممتدة بين روسيا وأوروبا، لأن التقارب بينهما كان يزعج الولايات المتحدة. ونظرا لأن أوكرانيا تمثل جغرافيا جسر الاتصال الطبيعي عبر سهول الأورال الممتدة من غرب روسيا إلى شرق أوروبا، فإن خط نقل الغاز الطبيعي الروسي «نوردستريم -1» كان يمر من خلالها، وتحصل منه على رسوم عبور تصل إلى أكثر من مليار دولار سنويا. ثم جاء مشروع «نوردستريم-2» لمد أنبوب جديد لنقل الغاز عبر من غرب روسيا عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، الأمر الذي كان من شأنه عند اكتماله وتشغيله حرمان أوكرانيا من تلك الرسوم. «فايننشال تايمز» قالت إن أحد حلفاء بوتين ويدعى ماتياس وارنيغ، كان جاسوسا سابقا، يقوم حاليا باتصالات لإعادة خط نوردستريم-2 إلى الحياة، بعد أن توقف بسبب عملية تخريب معقدة. وطبقا للمعلومات التي أوردتها الصحيفة فإن وارنيغ كان حتى عام 2023 مدير شركة غازبروم الروسية، وهي الشركة الأم التي كانت تملك الحصة القابضة في مشروع نوردستريم-2. ويقوم وارنيغ حاليا بالتواصل مع فريق ترامب في البيت الأبيض وخارجه ورجال أعمال أمريكيين وأوروبيين من أجل إنهاء حرب أوكرانيا وتعميق العلاقات الاقتصادية بين روسيا وأمريكا.
أوكرانيا قوة عظمى في ثروتها المعدنية
إذن فإن سياسة ترامبنوميكس قد كشفت المستور في أسباب الحرب الأوكرانية، حتى بدت الحقيقة عارية تماما وقبيحة تماما في تفاصيل الصفقة التي أراد أن يفرضها ترامب على زيلينسكي في واشنطن بمنطق «إما أن تقبلها وإما أن نتوقف عن مساعدتك». وكما يعرف العالم كله الآن فإن الصفقة كانت تتمثل في حق حصول الولايات المتحدة من دون شروط على الخامات المعدنية والمواد الأرضية النادرة في أوكرانيا مدى الحياة، مقابل إنهاء الحرب بينها وبين روسيا التي كان ترامب قد أعلن خلال حملته الانتخابية أنه يستطيع إنهاءها في يوم واحد. أوكرانيا غنية بالمعادن النادرة، مثل الليثيوم والتيتانيوم، وهي مواد مطلوبة بشدة لتقنيات الدفاع، وكذلك لإنتاج البطاريات الكهربائية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة. الليثيوم على وجه الخصوص يلعب دورا حاسما في إنتاج البطاريات، في حين أن التيتانيوم ضروري لتصنيع الطائرات وتطبيقات أخرى في الصناعات الدفاعية. زيلينسكي رفض توقيع اتفاق الصفقة الذي كان البيت الأبيض قد أعده مطالبا بالحصول على ضمانات أمنية. وبسبب رفضه جرت مراسم إهانته في البيت الأبيض على الهواء مباشرة، كما لم يحدث في تاريخ العالم. وتحاول دول حلف الأطلنطي بقيادة بريطانيا وفرنسا تحاول الآن إعداد صيغة جديدة لإنقاذ الموقف وإنهاء الحرب، مع إبقاء الولايات المتحدة في اللعبة.
ويصف علماء الجغرافيا الاقتصادية أوكرانيا بأنها قوة عظمى في مجال المعادن النادرة. قبل الغزو الروسي عام 2022، سجلت وجود 20 ألف نوع من الرواسب المعدنية (8700 منها مؤكدة) الحاملة للمواد الخام الصناعية، بما في ذلك 117 من الـ 120 معدنا من المعادن الأكثر استخداما على مستوى العالم. وطبقا للبيانات الرسمية الأوكرانية والدولية فإنها تتمتع بوجود كميات ضخمة من أكبر احتياطيات العالم من الفحم والغاز والحديد والمنغنيز والنيكل والخام والتيتانيوم واليورانيوم القابلة للاستخراج. قبل الحرب، كانت أوكرانيا أيضا من بين أكبر موردي الغازات النادرة مثل النيون الذي يستخدم في تصنيع الرقائق الدقيقة. كما تتمتع بوجود أهم رواسب الليثيوم والأرض النادرة المعروفة في أوروبا. توجد معظم هذه المعادن في ما يسمى «الدرع الأوكراني»، الذي يمتد من لوغانسك ودونيتسك وزابوروجي ودنيبروبيتروفسك إلى كوروفوهراد وبولتوفا وخاركوف. وجدير بالذكر أن روسيا تحتل معظم هذه المناطق.
إمبريالية اقتصادية متخلفة
خطة ترامب الاقتصادية تجاه أوكرانيا والعالم تتضمن السيطرة على الموارد الطبيعية والثروات كلما لاحت الفرصة، والإصرار على خلق الذرائع والمبررات لتحقيق ذلك، ما يعود بالبشرية إلى عصر الإمبريالية القديمة حينما كان العالم مقسوما بين القوى الاستعمارية القديمة والشعوب المغلوبة على أمرها. في الماضي كانت الدول الاستعمارية تفرض الحصول على خيرات الموارد في المستعمرات بواسطة الاحتلال والقهر العسكري. لكن ما يحاوله الآن ترامب هو ممارسة الضغوط القصوى على الدول الأخرى للحصول على خيراتها مجانا بطريق «الاتفاق» وليس بالقوة المسلحة. وتنص مسودة الاتفاق المقترحة بشأن «صفقة المعادن» إنشاء صندوق جديد لاستغلال الموارد الطبيعية الأوكرانية بما فيها الفحم والنفط والغاز واليورانيوم والليثيوم والتيتانيوم، مناصفة بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، وأن يحصل الصندوق على 50 في المئة من الأرباح الناتجة عن التشغيل بعد تحويل الموارد الطبيعية الأوكرانية المملوكة للدولة إلى سيولة نقدية في المستقبل، وبعد خصم الاستثمارات والتكاليف. كما يتضمن الاتفاق الصفقة أن تقوم أوكرانيا بسداد تكلفة الحرب منذ نشوبها حتى نهايتها، وهو ما يعني أن على الجيل الحالي والأجيال القادمة من الأوكرانيين تحمل تكاليف حرب لا يتحملون أي مسؤولية عنها. وأشار المعلقون، بما في ذلك وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، إلى أنه سيكون من العدل بدلا من ذلك الاستيلاء على الأصول الروسية المجمدة واستخدامها لتغطية تكاليف إصلاح الأضرار التي ألحقتها روسيا في جميع أنحاء أوكرانيا وسداد نفقاتها. وقد كان هذا الاقتراح هو أحد الأسس التي استند إليها قرار بريطانيا بتقديم مساعدة بقيمة 1.6 مليار جنيه استرليني يوم الأحد الماضي لتمويل صفقة صواريخ إلى أوكرانيا خصما من أرصدة روسيا المجمدة لديها.
ومع ذلك فإن الاقتراح البريطاني الذي يجد أصداء إيجابية في دول مثل ألمانيا وغيرها لا يحل المشكلة كما يراها ترامب. الرئيس الأمريكي في حقيقة الأمر لا يريد مجرد الحصول على صفقة مالية تجف في سنوات قليلة، بل يريد السيطرة على موارد طبيعية قد يمتد أثر استغلالها أكثر من قرن من الزمان، وتستطيع بواسطتها الولايات المتحدة الحصول على مزايا جيوستراتيجية في العالم، خصوصا في مجالات الطاقة والمواد الخام اللازمة للصناعات العسكرية. صحيفة «كييف إندبندنت» الأوكرانية المستقلة، حصلت على نسخة من وثيقة عقد الاتفاق بخصوص الصفقة، ونشرتها قبل أيام من زيارة زيلينسكي إلى واشنطن. وطبقا لذلك النص فإن مساهمة حكومة أوكرانيا في الصندوق بنسبة 50 في المئة تكون مقابل تحويل جميع أصول الموارد الطبيعية ذات الصلة، والتي تعرف برواسب المعادن والهيدروكربونات والنفط والغاز الطبيعي وغيرها إلى الصندوق. لكن هذا ليس كل شيء، فالاتفاق ينص أيضا على تحويل ملكية البنية الأساسية ذات الصلة بأصول الموارد الطبيعية، مثل محطات الغاز الطبيعي المسال ومحطات الكهرباء والبنية الأساسية للموانئ، إلى الصندوق أيضا. وفيما يخص الضمانات الأمنية التي يطالب بها زيلينسكي، فقد تضمنت الصيغة الأخيرة لنص الاتفاق أن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية «تدعم جهود أوكرانيا للحصول على الضمانات الأمنية اللازمة لإرساء السلام الدائم» بمعنى أنها لا تلتزم بتقديم ضمانات ولكن تؤيد أوكرانيا في طلب ضمانات من آخرين.
وطبقا لدراسة تشريحية لاتفاقية المعادن النادرة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في واشنطن في 27 من الشهر الماضي بعنوان «تحليل صفقة المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا: أسئلة حاسمة»، أعدتها جرسلين باسكاران مديرة برنامج أمن المعادن الحيوية في المركز وميريديث شوارتز الباحثة المشاركة في البرنامج، فإن الإطار الذي قامت عليه هو إطار عام فضفاض يترك العديد من التفاصيل لمفاوضات لاحقة. وتقرر الدراسة أن هذه الصفقة هي الأولى من نوعها، وأنها تفتح الباب لعقد اتفاقيات أخرى مماثلة مع دول أخرى، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تسعى إلى إبرام صفقة مماثلة.
ونظرا لأن الصفقة لا تقتصر على الموارد الطبيعية فقط وإنما تشمل أيضا البنية الأساسية في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والمرافق المرتبطة بها، فإن الدراسة التي نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تشكك أيضا في مدى كفاءة البنية الأساسية التي دمرتها الحرب، ومن ثم فإن قيمتها محدودة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة، وهو ما يفرض قيودا على التعدين نظرا لأنه من أكثر الصناعات استهلاكا للطاقة في العالم، إذ يستحوذ على ما يقرب من 38 في المئة من استخدام الطاقة الصناعية، وحوالي 15 في المئة من إجمالي استهلاك الكهرباء عالميا. هذا يعني من الناحية العملية أن أوكرانيا ستصبح بمقتضى الصفقة مستعمرة تقليدية، تلعب دور البقرة الحلوب للدولة الإمبريالية لمئات السنين، نظرا لأن أوكرانيا هي التي ستسدد في نهاية الأمر تكلفة تجديد البنية الأساسية، وأن الشركات والحكومة الأمريكية هي التي ستسترد التكلفة من العائد قبل توزيع أي أموال على الحكومة الأوكرانية.
التنافس الثلاثي
تثير الصفقة سؤالا كبيرا آخر، على ضوء ما يتردد عن صفقة أخرى عرضها بوتين على ترامب لاقتسام ثروات أوكرانيا، وهي الصفقة التي أشارت إليها صحيفة «فايننشال تايمز» على موقعها يوم الأحد الماضي، إن التركيز الروسي للسيطرة على مقاطعات دونيتسك وخيرسون ولوغانسك وزابوريزهيا الغنية بالموارد، إلى جانب شبه جزيرة القرم والبحر الأسود، يؤكد على الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للحرب. هذه المناطق البحرية والأراضي الحدودية، الغنية بالهيدروكربونات والمعادن الحيوية مثل الغرافيت والليثيوم واليورانيوم، ليست محورية لسيادة أوكرانيا فحسب، بل وأيضا لاستقلال أوروبا في مجال الطاقة والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة التكنولوجية. وإذا كان ما يتردد عن أن الصفقة لا تتضمن المناطق التي تحتلها روسيا حاليا في إقليم دونباس، فإن الأسابيع والأشهر المقبلة قد تكشف النقاب عن صفقة روسية – أمريكية تم التفاهم عليها في الخفاء، تمنح روسيا حق البقاء واستغلال ثروات الدونباس، على أن تحتكر الولايات المتحدة حقوق استغلال الثروات في بقية المناطق الأخرى الغنية بالموارد الطبيعية والمواد النادرة في الوسط والغرب.
هذا السيناريو يفترض انفراد الولايات المتحدة وروسيا بالسيطرة على أوكرانيا، من خلال صفقتين منفصلتين شكليا، واحدة بين واشنطن وكييف، وهي صفقة ترفضها كييف حتى الآن. والثانية هي صفقة غير معلنة بين واشنطن وموسكو، وهي ما تزال محل جدل بين ترامب وبوتين. دول الاتحاد الأوروبي من ناحيتها تتخذ موقفا مختلفا، أكثر تشددا ضد روسيا، وأكثر ميلا إلى زيلينسكي، مع رغبتها الأكيدة في عدم الاصطدام بالولايات المتحدة. وهي أيضا معنية بتوفير الضمانات الدولية لمنع روسيا من التقدم عسكريا في الغرب. وربما تؤدي الخلافات بين الأطراف الثلاثة، إلى طرح سيناريوهات أخرى بشأن مستقبل الموارد الطبيعية في أوكرانيا، منها تقديم ضمانات أمنية دولية تترافق مع إقامة نظام دولي لإدارة الموارد تكون أوروبا وأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة شركاء فيه.