ليس سراً أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الاوسط يناهضون، أقلُّه يعارضون، توصلها وحلفائها إلى اتفاق نووي نهائي مع إيران قبل أواخر يونيو المقبل.
تركيا والسعودية ودول الخليج و»اسرائيل» تعتقد أن من شأن الاتفاق المرتقب تعزيز قدرات إيران وتمّكينها من مدّ نفوذها وترسيخ حضورها في بلدان البرزخ الجيوسياسي الممتد من الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط إلى شواطئ باكستان وتخوم أفغانستان.
تركيا والسعودية لم تكتفيا بمناهضة مشروع «الاتفاق النهائي» سياسياً واعلامياً، بل لجأتا إلى تصعيد ميداني في سوريا واليمن، لاستنزاف حلفاء إيران المحليين. استنزاف الحلفاء ينعكس، في تقديرهما، سلباً على طهران ويؤدي إلى إضعافها سياسياً وعسكرياً.
إضعاف إيران يعزز، مبدئياً، المركز التفاوضي للولايات المتحدة وحلفائها في المحادثات الجارية لتوليف «الاتفاق النهائي». هذا الاحتمال حمل بعض المحللين والخبراء الإستراتيجيين على الشك في أن التصعيد الميداني الذي تقوم به تركيا والسعودية في سوريا واليمن، إنما جرى ويجري بعلم الولايات المتحدة ودعمها.
يقدّم هؤلاء شواهد طازجة على ارجحية ظنونهم. يشيرون إلى ما يسمونه «تفليت» (إفلات) «داعش» على العراق وسوريا في فترة متزامنة مع التصعيد الميداني الذي مكّن «داعش» من اجتياح الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، والتمدد في ارجائها وصولاً إلى معبر التنف الجنوبي، بحيث اصبحت المعابر جميعاً بين العراق وسوريا في قبضته.
سبق هذه «الفتوحات» تهديد سافر من واشنطن، قائدة «التحالف الدولي ضد الإرهاب»، إلى «الحشد الشعبي» العراقي بالامتناع عن مشاركة الجيش العراقي ودعمه في تصديه لـ»داعش» في معركة الرمادي تحت طائلة قصف وحداته المقاتلة بطائرات التحالف إن فعل!
بالتزامن مع «فتوحاته» العراقية، حرك «داعش» ارتاله المؤلّلة عبر البادية السورية لتجتاح تدمر، مدينةً وآثاراً ومواقعَ عسكرية، كما بلدات وقرى محيطة بها، بذلك أزال «داعش» الحدود بين العراق وسوريا على مدى مساحةٍ ومسافةٍ تمتدان من تركيا في الشمال إلى السعودية في الجنوب.
هذا كله تمّ من دون أن يكلّف طيران «التحالف الدولي ضد الإرهاب» نفسه عناء قصــــف ارتال «داعش» الزاحفة. الدليل؟ ألم يكشف السناتور الجمهوري المعارض جون ماكين أن 75 في المئة من طائرات «التحالف الدولي» الأمريكية تعود إلى قواعدها من دون أن تقصــف مواقع «داعش» بقنبلة واحدة؟
هل تردّ إيران وكيف؟
الواقع أن إيران أدركت أبعاد «تفليت» «داعش» على العراق وسوريا وأغراض خصومها من ورائه، فقام مرشدها السيد علي خامنئي:
اولاً، بإيفاد مستشاره السياسي علي أكبر ولايتي إلى بيروت ودمشق لتطمين قادة المقاومة وقادة سوريا إلى أن طهران مصممة على دعمهم في وجه ما سماه «مخططات تقسيم العراق وسوريا ولبنان». وكان وزير الدفاع الإيراني قد قام قبل ذلك بزيارة العراق والتفاهم مع اركان حكومته على متطلبات مواجهة «داعش»، ومنها توجّه رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى موسكو لطلب السلاح والعتاد، الامر الذي فعله العبادي لتوّه وحظي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باستجابة سريعة.
ثانياً، أعلن بنبرة عالية رفض إيران تفتيش مواقعها ومنشآتها العسكرية، أو استجواب علمائها النوويين بمقتضى أي ترتيبات لتسوية النزاع مع مجموعة دول 5+1 بشأن برنامجها النووي.
هذا الموقف الاخير الصارم لخامنئي يشـــي بأمرين خطيرين، أولهما، أن تكون الولايات المتحدة قد طرحت خلال المحادثات الجارية بينها وبين إيران لصوغ الاتفاق النهائي شرطيّ تفتيش المواقع العسكرية واستجواب العلماء النوويين.
ثانيهما، أن تكون القيادة الإيرانية قد وضعت في الحسبان احتمال فشل محادثات «الاتفاق النهائي»، الأمر الذي يعني عودة الولايات المتحدة وحلفائها إلى سياسة فرض الحصار والعقوبات الاقتصادية والمصرفية على ايران. هذا الاحتمال تعزّز بقيام الرئيس اوباما بتوقيع تشريع يولي الكونغرس حق مراجعة أو إلغاء أي اتفاق نووي تعقده واشنطن مع طهران.
هنا ينهض سؤال: هل في مقدور ايران، في حال عادت دول الغرب الاطلسي إلى محاصرتها وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، أن تستمر في دعم حلفائها في محور الممانعة والوفاء بمتطلباتهم، ولا سيما مواجهة «داعش» ومخططات التقسيم البازغة؟
يبدو أن إيران وضعت في حسبانها احتمال اجهاض «الاتفاق النووي النهائي» وبالتالي عودة الولايات المتحدة وحلفائها إلى سياسة الحصار والعقوبات، فقررت مواجهة مخاطرها وتداعياتها عليها وعلى حلفائها. لو لم تكن إيران واثقة من أن في مقدورها مواجهة هذه المخاطر والتداعيات لكانت اتخذت موقفاً ليناً من مسألة تفتيش مواقعهاومنشآتها العسكرية واستجواب علمائها النوويين وذلك تفادياً لعودة الحصار والعقوبات.
إلى اين من هنا؟
يبدو أن الجميع مضطرون إلى انتظار ردود فعل الولايات المتحدة (و»داعش») على كل ما جرى ويجري من الآن ولغاية اواخر الشهر القادم.
وفي هذه الاثناء، ستجري مياه كثيرة تحت جسور المنطقة ومعها فيضانات عنف وارهاب شديدين وتطورات عسكرية وسياسية يُراد لها أن تكون صالحة (او غير صالحة) للتوظيف في اجتراح تسويات مقبولة للنزاعات الإقليمية، أو بالعكس، لصب مزيد من الزيت على نيران الصراعات المحتدمة من الخليج إلى المحيط.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان