تشهد منطقة الشرق الاوسط اليوم نشوب العديد من الصراعات والنزاعات، وشد وجذب داخل الدول وخارجها.
ويتبادر إلى اذهاننا تساؤل مهم لماذا تعاني هذه المنطقة من العالم من الصراعات وانعدام الاستقرار السياسي والامني.. وما هي الوسائل اللازمة للحيلولة دون وقوعها، وللإجابة على هذا التساؤل لابد لنا من أن نحلل بيئة الشرق الاوسط استراتيجياً، فالمنطقة اليوم تعاني من انعدام توازن استراتيجي حقيقي، وفي هذه الحالة تسود حالة من اللاتوازن بين الاقطاب الاقليمية، وبالتالي فان هذه الاقطاب قد انجرت إلى الاصطدام الاستراتيجي في ما بينها، فالقطب القوي يحاول التوسع على حساب الاخرين والحفاظ على مكانته، بينما القطب الاضعف يحاول أن يزحزح مكانة القطب الاقوى إقليميا، ولهذا فإن لحالة انعدام التوازن الاستراتيجي في الشرق الاوسط سببين استراتيجيين، يتمثل الاول في اضمحلال قوة العراق بعد الاحتلال الامريكي عام 2003، والسبب الثاني تقهقر الوجود الامريكي في المنطقة، الذي كان يمثل عامل توازن وردع استراتيجيين فيها.
ومن خلال ملاحظة خريطة الصراعات الاقليمية في المنطقة، التي بدأت بشكل غير علني في العراق ثم سوريا ولبنان واخيراً اليمن، نلاحظ أن هناك عدة محاور للصراع، الاول تمثله ايران وحلفاؤها الاقليميون والدوليون. والثاني السعودية وحلفاؤها الإقليميون والدوليون. كما تدخل تركيا دائرة الصراع لصالح الاسلام السياسي (الاخوان المسلمون) وهي اكثر تقاربا مع السعودية في بعض ملفات المنطقة، كالملف اليمني بتكتيك غير مباشر، وبالتالي لابد لنا من التطرق إلى ماهية التحالفات الاقليمية والدولية في المنطقة.
اولاً خريطة التحالفات الاقليمية والدولية:
بعد انتهاء الحرب الباردة وتلاشي الصراع بين القوى العظمى، دخلت المنطقة عهد ما يسمى (القرن الامريكي) خصوصاً بعد انتصار الولايات المتحدة على العراق في الكويت، ساد عهد التفوق والريادة للولايات المتحدة في النظام الدولي على حساب تراجع القوى الكبرى الاخرى، هذا التصاعد في القوة للولايات المتحدة جعلها تمسك المنطقة بيد من حديد، وعمدت إلى كبح جماح اي قوى تنازعها المكانة، وبعد احتلال العراق عام 2003، والتراجع الاقتصادي الذي خلفته حروب الولايات المتحدة، عمدت إلى تقليص وجودها واهتمامها استراتيجياً بشكل دراماتيكي، وهو ما ادى إلى إخلال ميزان القوى الاستراتيجي في المنطقة لصالح ايران وحلفائها الدوليين، كونها تحمل مشروعا توسعيا، كما أن دخول الدور التركي الذي يعد ثقلا استراتيجياً وعملا ديناميكيا للسياسة الاقليمية، الذي جعل المنطقة تدخل نحو المزيد من الازمات والصراعات، كل هذه المدخلات اثرت بشكل كبير على توازن القوى، انعكس سلباً على تخلخل الاوضاع الامنية والسياسة، وخلق مناخ اقليمي متوتر وغير مستقر، يسوده الصراع على المكانة الاقليمية وسباق التسلح والاطاحة بالحلفاء الاقليميين، لذلك لابد لنا أن نتطرق إلى تحليل محاور توازن القوى الإقليمية منها والدولية في المنطقة كالاتي:
1: التحالفات الإقليمية الإقليمية
أ ـ محور ايران وسوريا والاحزاب الشيعة في المنطقة: يشكل هذا التحالف محورا مهما جداً في صناعة الاحداث في المنطقة. يضم هذ المحور الدول التي تعارض السياسات الامريكية في المنطقة وحلفاء أمريكا، كما يضم احزابا وجماعات غير منظمة كبعض القوى الشيعية، فالطابع المصلحي هو الغالب على هذا التحالف. ومن اجل تعضيد قوى هذا التحالف تستخدم ايران الاحزاب الشيعية لمد يدها في بعض المناطق من اقليم الخليج وشرق المتوسط.
ب ـ محور دول مجلس التعاون وبعض الدول العربية وباكستان: شكل هذا التحالف بشكل سريع نتيجة سيطرة الحوثيين على مقاليد الدولة في اليمن، ما كان سيشكل تهديدا لإمداد النفط عبر باب المندب، الذي يعني سيطرة ايران على منفذ استراتيجي وعالمي يتحكم بتدفق نفط الخليج، حيث يمكن اعتبار هذا التحالف امنياً بامتياز، فقد شكل نقلة استراتيجية في ميزان القوى الاستراتيجي لصالح القوى الخليجية وعلى رأسها السعودية ضد ايران الصاعدة في المنطقة.
ج ـ محور تركيا وقطر (وتيارات الاخوان المسلمين): يشكل هذا التحالف نقطة جوهرية في صلب الصراع الاقليمي في المنطقة فهو يضم القوى الاسلامية (المعتدلة) التي اتسع فضاؤها نتيجة التغيرات التي عصفت بالمنطقة، فسيطرت على مقاليد السياسة في مصر وليبيا واجزاء من سوريا والعراق، الأمر الذي شكل تهديدا فعليا للأنظمة الملكية (التقليدية) في الخليج، ونتيجة للإطاحة بالإخوان المسلمين في مصر تصاعدت حدة الصراع ليشمل ليبيا وسوريا، فقطر دولة داعمة للإخوان من جهة، وعضو في تحالف الحزم في اليمن، وبالتالي ما يجمع هذه القوى هو المصالح والهاجس الامني من التهديد الايراني.
د ـ المحور التركي الخليجي: يمثل هذا المحور نقطة المواجهة الثانية في وجه التمدد الايراني في المنطقة، فتركيا رغم خلافاتها الاستراتيجية مع الامارات والسعودية، الا انها تؤيد توجهات هذه القوى لصد النفوذ الايراني في المنطقة، ولكن بأسلوب لوجستي واستخباراتي ودبلوماسي فقط، بدون خوض مواجهة مباشرة، والمثال على ذلك موقف تركيا المؤيد لعمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين في اليمن، وفي الوقت نفسه ترفض الاصطدام المباشر بأيران لاعتبارات استراتيجية واقتصادية.
2: التحالفات الإقليمية الدولية:
أ ـ محور روسيا ايران والصين وسوريا والاحزاب الشيعة في المنطقة: يمكن وصف هذا المحور بالمعارض لسياسات امريكا في العالم والمنطقة، وكانت بدايات هذا المحور ترجع لحقبة الحرب الباردة، بعد صعود الصين وروسيا كقوتين معارضتين للتفرد الدولي، اتضحت معالم هذه المحور نتيجة احتلال العراق ودخول ايران وسوريا في خط المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، فالصين تبحث عن شركاء استراتيجيين في المنطقة، اما روسيا فتحاول اعادة امجاد الاتحاد السوفييتي السابق من خلال احياء التحالفات مع سوريا وايران والقوى الاخرى الحليفة لها.
ب ـ محور الولايات المتحدة والقوى العربية الحليفة لها: يشكل هذا المحور الدائرة الاستراتيجية لتسيير شؤون المنطقة، على اعتبار وجود الولايات المتحدة التي تمثل الطرف الاقوى في هذا المحور، وتكمن اهداف هذا المحور على اساس حماية أمن الخليج بشكل مفصلي، وحماية المنشأة العسكرية الامريكية وضمان تدفق النفط ومواجهة النفوذ الروسي والصيني وكبح تمدد ايران في المنطقة وتحجيم القوى الاوروبية الطامحة للمزيد من النفوذ في الخليج.
ج ـ المحور الامريكي الاسرائيلي: يشكل هذه التحالف محورا جوهريا في الصراع العربي الاسرائيلي، حيث تمثل الولايات المتحدة الامريكية الداعم والحامي الاستراتيجي لإسرائيل، كذلك المزود الاساسي للسلاح لها، كما انها المؤيد الاقوى لوجود اسرائيل في المنطقة، حيث تشكل اسرائيل القاعدة اللوجستية والاستخباراتية للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة وهي الحليف الاوثق في نظر الولايات المتحدة الامريكية.
ثانياً: المنطقة وخيارات
إعادة التوازن الاستراتيجي
شكل الاخلال بتوازن القوى الاستراتيجي للمنطقة منعرجات كبيرة في شكل التحالفات الدولية والاقليمية واطرفها، وبطبيعة الحال يمكن القول انه لا يوجد تغير كبير على شكل خريطة التحالفات الاقليمية في المنطقة بحكم الاستقرار السياسي للنظام في ايران ودول الخليج وبعض القوى المحيطة بها، فضلاً عن الوجود الامريكي في المنطقة، الذي يمثل المهندس الاستراتيجي لشكل هذه التحالفات، واطرها، فجميع التحالفات في المنطقة تبنى على اساس هدفين استراتيجيين، اولهما الهاجس الامني المتبادل بين الحلفاء. وثانهما المصالح المشتركة بكل اشكالها، فهناك تحالفات متباينة بين قوة الدولة والنظام السياسي فيها، واخيراً يمكن القول إن اعادة التوازن الاستراتيجي لصالح الاطراف العربية يكمن في احتمالين، الاول يتمثل في اعادة الوجود القوي والمؤثر للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة، اما الخيار الثاني فيتمثل في تشكيل منظومة امنية عربية شبيه بالناتو تأخذ على عاتقها اعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
باحث مستقل ومتخصص
علي زياد