منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 والكشف عن فظائع سجن صيدنايا وضحاياه، وعن المقابر الجماعية الشاهدة على جرائم النظام السابق بحق السوريين الذين خرجوا في ثورة عام 2011 ودفعوا ثمناً باهظاً، قتلاً وتدميراً وتهجيراً، كان لافتاً غياب العمليات الانتقامية رغم الجرح الكبير. مرَّت الأشهر الثلاثة على «سوريا بلا الأسد» وهي تخطو خطواتها الأولى وتشقُّ طريقها لإعادة بناء الدولة الجديدة، وسط احتضان عربي وانتظار دولي لأداء السلطة الانتقالية ورئيسها أحمد الشرع السائر على حقل ألغام في بلد ممزّق ومؤسسات مهترئة وانهيار اقتصادي وعقوبات خانقة، وهو الآتي من ماضي جماعات إسلامية متشددة إلى رحاب مجتمع تعددي طائفياً وعرقياً، كانت فيه الغلبة لحكم الأقلية الذي مارس كل أنواع الظلم والقهر والترويع على شعبه باسم حزب «البعث العربي الاشتراكي» وشعاره «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، ولهدف «تحقيق الوحدة العربية والحرية والاشتراكية»!.
لبنان الشقيق الصغير للشقيقة الكبرى سوريا، التي لم تره يوماً سوى أنه جزء طبيعي منها وسُلخ عنها حين رُسمت خرائط المنطقة بموجب اتفاقية سايكس – بيكو، عاش ثلاثة عقود تحت سطوة نظام الأسد الذي كان يريد لـ«بلاد الأرز» أن تكون على شاكلته وليس نقيضا له، حيث السلطة مُتداوَلة والنظام الاقتصادي حر والانفتاح على الغرب طبيعي، يُشكِّل جسر تواصل بين الشرق والغرب ونموذجاً للعيش المشترك يحميه الدستور، ولتشاركية طوائفية في الحكم مكرَّسة في الميثاق الوطني المتّفق عليه عام 1943.
مع سقوط الأسد، الذي خرج جيشه من لبنان على دماء الرئيس رفيق الحريري قبل 20 عاماً، تغيَّرت المعادلة في المنطقة لكون سوريا عقدة وصل استراتيجية في مشروع «محور إيران» وخط الإمداد لـ«حزب الله» من بيروت إلى طهران، والذي مُني بهزيمة كبرى على أيدي إسرائيل بعد دخوله في «حرب الإسناد» لغزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وصل الشرع إلى الحكم في المرحلة الانتقالية بخطاب غابت عنه الأطماع في لبنان والرغبة في مد نفوذه خارج بلاده التي هي المنفذ البري الوحيد لبيروت باتجاه العمق العربي، ما دام المنفذ الآخر عبر إسرائيل مستحيلاً طالما الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي لم ينته. كثيره هي القوى السياسية الممثِلة للدروز والسُّنة وجزء من المسيحيين التي عبَّرتْ عن ارتياحها لسقوط نظام الأسد. وحدها القوى السياسية الممثِلة للشيعة، ولا سيما «حزب الله»، أصابته الخسارة، وهو الذي تدخّل دعماً للنظام في قمع الثورة السورية ولحماية حكم الأسد، وكان من الميليشيات الأقوى التابعة للحرس الثوري الإيراني الموجودة على الأراضي السورية وخصوصاً في المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية – السورية، وتحديداً البقاع الشمالي.
الحدود اللبنانية – السورية يبلغ طولها 375 كيلومتراً، متداخلة في غالبيتها، فيها روابط عائلية قوية، غالبية القرى في الشمال سنيّة مع بعض القرى العلوية في عكار، وشيعية في الهرمل وسنيّة في البقاع الأوسط ووجود درزي في البقاع الغربي وقضاء حاصبيا في الجنوب. تلك المناطق ينشط فيها تهريب البضائع في زمن السلم، والأسلحة في زمن الحرب. وفيها العديد من المعابر غير الشرعية التي يتنقل عبرها المواطنون حتى على مرأى من الأجهزة الأمنية اللبنانية – السورية.
شكَّلت المناطق الحدودية، ولا سيما في شمال وشرق لبنان، ملجأ للعائلات السورية بعد هزيمة الثورة في حمص أولاً ومناطق القلمون وكذلك حماة وحلب، حتى إنها شكَّلت ملجأ للهاربين من الرقة حين سيطر «تنظيم داعش». فاق عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان المليون ونصف المليون، ولا يزال الجزء الأكبر منه يعيش في المخيمات، وهم في غالبيتهم من سنّة سوريا.
لا يزال اللجوء السوري إلى لبنان نقطة تجاذب داخلي بتوظيف ذات أبعاد سياسية ترتفع وتيرته حيناً وتخبو حيناً آخر. لا شك في أن كلفة النزوح السوري إلى لبنان هي كلفة باهظة نظراً إلى عدم قدرة البنى التحتية على تحمّل الضغط السكاني. مع سقوط النظام، بدا أن أفق عودة اللاجئين ممكنة إذ بات هؤلاء قادرين على العودة إلى قراهم وبلداتهم بدون خوف أمني على حياتهم، بمجرد أن تتوفر سبل الحد الأدنى للعيش هناك حتى قبل بدء عملية إعمار القرى والبلدات المهدمة. مشهد العودة للمهجرين إلى لبنان منذ 2011 قد يبدأ مع انتهاء العام الدراسي في بداية الصيف، وفق ما هو متوقع، خصوصاً إذا نجح الحكم الجديد في المرحلة الانتقالية بوضع سوريا على بداية طريق الخروج من قعر الأزمات الاقتصادية – المعيشية، وتوفير شبكة أمان لمختلف المكونات السورية تحمي البلاد من انتكاسات عسكرية – أمنية كما حصل في الساحل السوري في 6 آذار/مارس الحالي.
اللعب بالنار
مَنْ حرك الساحل السوري أراد أن يُوجِّه الضربات لأحمد الشرع في شخصه وصورته المتحوِّلة التي يعمل على بنائها على أنقاض صورته القديمة في «تنظيم القاعدة» و«جبهة النصرة» وحتى أكثر تطوراً من صورته في «هيئة تحرير الشام»، بعدما بدا أن الرجل تقدَّم بخطوات ثابتة نحو مشروعية عربية، ويسعى بقوة إلى مقبولية من المجتمع الدولي. كان تحريك الساحل والبيئة العلوية الورقة الأسهل للاعبين على طريق إقلاق الحكم الجديد على مستويات عدة. والمستفيدون كثر بدءاً من روسيا وإيران وإسرائيل وصولاً إلى الميليشيات الحليفة لإيران وانتهاء بدول ترى في الإسلام السياسي مشروعاً خطراً عليها.
جاءت ردة الفعل عنيفة وتبريرية، وشكَّلت مقتلة للمدنيين الأبرياء إثر قيام مجموعات علوية يقودها ضباط النظام السابق بمهاجمة قوات الأمن العام ومحاولتها الإطباق على الساحل بإخراج أجهزة السلطة الجديدة. سادت الفوضى بعد إطلاق النفير العام، فدخلت فصائل مسلحة لمساندة عناصر وزارة الدفاع، ما أدى إلى مجازر ونزوح باتجاه قاعدة حميميم في اللاذقية للاحتماء بالقوات الروسية المتواجدة هناك، ونزوح باتجاه الشمال اللبناني. ليست هناك أرقام دقيقة عن أعداد اللاجئين الذين فرّوا من قرى وبلدات الساحل. العدد بالآلاف، وهم لجأُوا إلى أقرباء لهم في طرابلس وعكار.
يقول السياسي خلدون الشريف، ابن مدينة طرابلس، إن أحداث الساحل رفعت منسوب الخوف من أن تكون سوريا قد دخلت في دوامة العنف الطائفي الذي سيُفضي بلبنان إلى الدخول في دوامة عنف جديدة، لكن هذه المخاوف تراجعت بعد التحرُّك السريع للسلطة الجديدة وكلام الشرع عن محاسبة الفاعلين، أياً كانوا، من الفصائل المحسوبة عليه، وهو ما يُظهر أن المسألة قيد المعالجة، بدليل أن عدداً كبيراً من العلويين الموجودين في قاعدة حميميم بدأوا بالعودة إلى قراهم وبلداتهم بعدما أخذوا ضمانات من «هيئة تحرير الشام» أو من وزارة الدفاع السورية.
ويرى الشريف أن اللاجئين من الساحل إلى طرابلس قد جرى استيعابهم في المدينة، سواء في طرابلس أو عكار التي استضافت بدورها عائلات كثيرة. ويُشير إلى أن عدد العشرة آلاف قد يكون مضخماً، من دون أن يعني ذلك أنهم لن يشكلوا ضغطاً على الاقتصاد والأمن في الشمال، لكنه لا يتوقع أن يتم توظيف اللجوء العلوي في صدامات ونزاعات، إذ لم تعد هناك أجندات إقليمية لتمويل الحرب إما دعماً للأسد أو في مواجهته. وقد ظهر جلياً أن حكم الشرع يحظى بغطاء عربي، وليست هناك من مناهضة غربية له، وبالتالي ليست هناك جهات داخلية أو خارجية لتمويل حرب في غياب الأجندات الكبرى. لكن هذا لا يعني أننا قد لا نشهد إشكالات أمنية لكنها لن ترقى بالتأكيد إلى فتح جبهات كما كان يحصل سابقاً بين جبل محسن وباب التبانة، إضافة إلى بروز تحوُّل ملموس في كيفية تعاطي الأجهزة الأمنية من جيش وقوى أمن داخلي عبر وضع خطة أمنية سريعاً لضبط الوضع في طرابلس.
تلتقي قراءة الشريف مع قراءة السياسي مصطفى علوش، أبن مدينة الفيحاء أيضاً، في استبعاد اشتعال الجبهات السابقة في طرابلس، نظراً لتحرُّك الجيش اللبناني، بعد حادثة طعن مواطن علوي في جبل محسن لفتى سوري والتي وتَّرت الأجواء على خطوط التماس القديمة، حيث انتشر بسرعة في جبل محسن وباب التبانة، وضبط الوضع بسرعة، وهو مشهد لم يكن يحصل في الجولات السابقة، حيث كانت الاستخبارات اللبنانية والخارجية تلعب دوراً في إذكاء الفتنة وتمويل الحروب. لكن التحديات اللبنانية لا تنحصر في الشمال. فالبقاع الشمالي، ولا سيما الهرمل، شهد موجة نزوح كبيرة من القصير وحمص لعائلات لبنانية الأصل تقطن في الجانب السوري، فضلاً عن نزوح عائلات شيعية سورية إلى البقاع مع سقوط الأسد وخروج إيران من سوريا و«حزب الله» من حمص تحديداً، والتي حوَّلها إلى منطقة نفوذ له، ونقل إليها عائلات لبنانية وتمَّ تجنيس العديد من عائلات الميليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.
ثمة معلومات موثوقة عن أن خطوط التواصل بين «هيئة تحرير الشام» و«حزب الله» مفتوحة، وذلك في إطار خفض التصعيد على قاعدة ربط النزاع. يلفتُ المحلِّل السياسي وسيم بزي القريب من «محور إيران» إلى أن ثمة واقعية في تعامل «حزب الله» مع المشهد السوري بعد وصول أبو محمد الجولاني، وقد تكون المسألة تكتيكية، لكنها تتحلى بواقعية في ظل التبدلات التي طرأت في المنطقة. ويلفت إلى أن تعاطي قناة «المنار» التابعة لـ«حزب الله» مع أحداث الساحل، وما حصل من مجازر، كان تعاطياً ذات بُعد إنساني يختلف عن طريقة تعاطي قناة «العالم» الإيرانية. لا يرى بزي أن هناك مصلحة لـ«الحزب» أو لـ«هيئة تحرير الشام» والإدارة السورية الجديدة بفتح جبهات إضافية هما بغنى عنها. ومن هنا يستبعد أن نشهد مواجهات على ضفتي الحدود اللبنانية – السورية ولا سيما في مناطق الثقل الشيعي.
لكن ثمة مخاوف تبدو ماثلة في لبنان وسوريا معاً، وهي تتعلق بالجنوب السوري ومحاولات إسرائيل استمالة دروز سوريا في محاولة لإحياء مشروع «الدولة الدرزية» التي لا تقتصر على دروز سوريا بل تمتد إلى دروز لبنان. وتأتي المخاوف لدى مراقبين من أن إسرائيل، التي باتت تسيطر على جبل الشيخ، يمكنها بسهولة كبيرة أن تتوسَّع إلى الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية من حاصبيا والبقاع الغربي وصولاً إلى الجبل.
لا شك في أن زيارة وفد من مشايخ دروز سوريا إلى النبي شعيب في إسرائيل، ولو تحت غطاء زيارة المقامات الدينية، ليست حدثاً عابراً، ولو كانت القدرة ميسّرة لمشايخ من دروز لبنان لكان وفد منهم التحق بالوفد السوري. ليس واضحاً بعد كيف ستُرسم الخرائط ضمن سوريا نفسها، وما إذا كان هناك غطاء دولي للشرق الأوسط الجديد الذي يريده بنيامين نتنياهو، وقبول لتغيير حدود الدول التي رسمتها اتفاقية سايس – بيكو. الأكيد أن سوريا ما زالت في قلب التحولات الكبرى، والعمل جار على التوصل إلى اتفاق مع المكوِّن الدرزي على غرار الاتفاق مع المكوِّن الكردي الذي حصل بدفع كبير عربي – أمريكي، إنما ما دامت المنطقة لن تصل إلى نهائيات، فإن كل المشاريع ما زالت مفتوحة، وكل الخوف على الدروز في المرحلة المقبلة.