حين صارت صومعة «الكتبية» جزائرية… وحكومة أخنوش تعشق السردين!

في عالم الطرائف السياسية، هناك أشخاص لا يملّون من تقديم العروض المثيرة للسخرية، حتى دون أن يدركوا أنهم يفعلون ذلك. ومن بين هؤلاء، ناشط جزائري مقيم في فرنسا، لا يتوقف عن «إبهار» البعض بمغامراته العجيبة وأفكاره الغريبة التي تصلح أحيانًا لتكون سيناريو لفيلم كوميدي، أكثر من كونها مواقف سياسية جادة.
إنه رجل الأعمال رشيد نكاز، الذي ما إن كاد الناس ينسون تنقّله بين المحاكم والسجون، وينسون كذلك شطحاته بخوض الانتخابات الرئاسية في الجزائر وفي فرنسا أيضا، حتى قرر الرجل أن يقوم برحلة خاصة، فحجز غرفة في أحد فنادق مراكش، وشدّ الرحال إلى هذه «المدينة الحمراء» على متن الطائرة، وهو يُمنّي النفس بأن يكون بطلًا لسبق تاريخي مبهر. وبمجرد أن وطأت قدماه أرض المدينة، حتى استلّ هاتفه المحمول، وصوّر فيديو بجانب مسجد «الكتبية» وصومعتها التاريخية، ليعلن للعالم ـ بثقة لا يُحسد عليها ـ أن هذه المعلمة الأثرية لم يبنها المغاربة، بل شيّدها الجزائريون!
تصوّروا هذا الاكتشاف المُزلزل! بعد قرون طويلة، جاء رجل ليعيد كتابة التاريخ، بواسطة هاتفه المحمول الذي صار فجأة أداة بحث أكاديمية لا تقبل الجدل؛ «حجته» الوحيدة في ذلك أن أحد قادة دولة «الموحّدين» القديمة في المغرب، عبد المؤمن بن علي الكومي، تعود جذوره إلى قرية توجد ضواحي مدينة تلمسان، وأنه هو من أمر ببناء مسجد «الكتبية» عام 1158م، في مدينة مراكش التي اتُّخذتْ عاصمة لحُكم «الموحّدين» الذين امتدّ نفوذهم إلى المغرب الأوسط وتونس وطرابلس الغرب والأندلس.
بيد أن مغامرة رشيد نكاز لم تتوقف عند هذا الحد، لأنه لم يأتِ فقط لإعادة «تصحيح» تاريخ مراكش، وإنما ليؤكد أيضًا أن «الصحراء الغربية ليست مغربية». وهذه مسألة تحتاج إلى لحظة تأمل، لأننا أمام شخص لم يُكلّف نفسه عناء الاطلاع على الخريطة قبل أن يتحدث، إذ لو فعل، لاكتشف أن للمغرب أقاليم صحراوية متعددة، بعضها غربية وأخرى شرقية. لكن، بما أن نكاز قرر أن يكون مؤرخًا من نوع خاص، فقد تجاهل كل ذلك، وفضّل الغوص في أوهامه.
المثير في الأمر أن السلطات المغربية لم تأخذ هذه المغامرة «الدونكيشوتية» على محمل الجد، فلم تحاكم الرجل، ولم ترمه في غيابات السجن، حتى لا يصير «بطلاً» أو «ضحية» لحرية التعبير، كما كان يتمنّى؛ بل تعاملت معه بالحكمة المناسبة لمثل هذه المواقف: أمرته بكل بساطة أن يحزم حقائبه ويعود من حيث أتى، يجرّ وراءه خيباته وخرافاته، دون أن يكسب بطولة زائفة أو تعاطفًا مجانيًا.
أما المنابر الصحافية المغربية فحافظت على جديتها وصرامتها البالغة، حين علّقت على الحدث من باب المقارنة والمُفارقة، حتى إن بعضها كتب: «ماذا لو أن مغربيا وقف أمام قصر المرادية مُعلنًا أن القبايل ليست جزائرية؟» وطرح آخر فرضية أن يلتقط أحدهم «سيلفي» بجانب «مقام الشهيد»، ثم يمضي مُشكّكًا في جزائرية هذا النصب التذكاري… أي مصير ينتظره هناك؟
يبقى السؤال: وماذا بعد؟ هل سنرى نكاز قريبًا في روما معلنًا أن «الكولوسيوم» بناه الجزائريون؟ أم في باريس زاعمًا أن برج «إيفل» كان في الأصل من تصميم أجداده؟ أم سيحلّق نحو نيويورك ليزاحم الفرنسيين في أحقية استعادة «تمثال الحرية» الذي أُهدي إلى الأمريكيين عام 1886.
لا شيء مستبعدٌ في عالم يسافر فيه الوهم على متن الطائرات، ويحجز غرف الفنادق، ويقف أمام الكاميرا ليصنع «حقائق بديلة»، تصلح فقط إما لتسلية الجمهور، أو لإرضاء نزوات مُحرّك دمى سياسية يختفي خلف الستائر!

سردين مراكش وطرود رمضان!

في زمن الارتفاع الصاروخي للأسعار، حيث يتأفّف المواطن المسكين كلما اقترب من السوق، ويصبح التفاوض مع البائع مهارة لا تقلّ عن مهارات التفاوض الدبلوماسي، ظهر فجأة شاب يبيع السردين في مدينة مراكش بسعر منخفض جدًا. ربما لم يكن يدرك أن عمله المتواضع سيُحرّك موجة من الجدل، لكنه فجأة أصبح نجمًا في قلب المشهد بأبعاده الإعلامية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية!
المفاجأة الأكبر لم تكن في اصطفاف المواطنين أمام محله الصغير، ولا في شهرته التي امتدت إلى الآفاق بسرعة قياسية، بل كانت في تعليق الحكومة عبر ناطقها الرسمي، الذي رأى في عمل البائع الشاب تجسيدًا «لتوجّه» الحكومة وسياستها. يا سلام! هكذا، ومن حيث لا يدري، صار بائع السردين رمزًا للإنجازات الحكومية. ولو كان يعلم ذلك، لربما طالب بحقيبة وزارية، عوض صناديق السمك، مهمتها الوحيدة توجيه الضربات القاضية للأسعار المشتعلة! غير أن الحكومة، في غمرة حماسها، نسيت أن هذا «التوجه» نفسه يعكس أيضًا توجّه المعارضة؛ والحال أن الشاب تفوّق عليهما معًا، كما تفوّق على جمعيات المجتمع المدني، لأنه استطاع وحده أن يجمع الناس حول «سردينِة»، لا بوعود انتخابية ولا بخطابات نارية، بل فقط بأسعار معقولة، وبكلام واقعي تناقلته منصات التواصل الاجتماعي. والأجمل من ذلك، أن تأثيره امتدّ أبعد من سوق الأسماك، إذ دفع بعض الجزّارين إلى مراجعة أسعار اللحوم، خوفًا من أن يظهر فجأة «بائع لحم مناضل» في مكان ما، فيطيح بحساباتهم، كما فعل زميلهم بالسردين!
وبينما كانت مجريات قصة البائع الشاب تثير المزيد من الدهشة والتشويق، كان هناك مشهد آخر أقلّ طرافة، لكنه مثير بالقدر نفسه: طرود غذائية يتم توزيعها في منطقة جنوب المغرب بواسطة سيارة البلدية قرب منزل عضو في الحكومة، ليس بدافع الإحسان، بل بهاجس الانتخابات! نعم، في الوقت الذي كان المواطن ينتظر حلول رمضان ليجد الرحمة في الأسعار، وجدها في طرود مغلّفة بشعار سياسي، ظاهرها جمعية اسمها «جود»، وباطنها حزب معالي رئيس الحكومة! وهكذا، أصبح المشهد مكتملاً: بائع سردين يغيّر معادلات السوق دون أن يعرف، وطرود غذائية تُذكّر الناس بأن الانتخابات على مرمى حجر. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحَكَم، يراقب المشهد، ويفكّر في السؤال الأهم: مَن يستحق أن يصطفّ خلفه: البائع الذي خفّف عنه بعض العبء، أم السياسي الذي يطرق بابه بقفة رمضانية كلما اقترب موعد الاقتراع؟

ناصر محتفى به في العاصمة!

الإعلامي عبد الصمد ناصر كان نجم المكتبة الوطنية في الرباط، التي احتضنت أخيرا مؤتمرا للغة الضاد بإشراف «الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية». وجرى الاحتفاء بمذيع «الجزيرة» السابق تقديرًا لتجربته الإعلامية الثرية، وأيضا لحرصه على بلاغة اللسان العربي وفصاحته. وحين طُلب من عبد ربه كاتب هذه السطور أن يدلي بشهادة في حقّ المحتفى به، ألقى الكلمة التالية: «نجتمع اليوم لنكرّم قامة إعلامية فذّة، رجلاً حمل الميكروفون بقوة الحرف، ونطق بالحق بجرأة القلم، وأدى ثمن مواقفه بشرفٍ وكبرياء. إنه الإعلامي القدير عبد الصمد ناصر، الوجه الذي أطلّ علينا لسنوات بصوتٍ نقي، وفكرٍ ثاقب، وقلبٍ مفعم بحب الوطن والدفاع عن هويته.
لقد كان عبد الصمد ناصر أكثر من مجرد مذيعٍ ينقل الخبر، بل كان حارسًا للكلمة الصادقة، ورافعًا للواء اللغة العربية في زمنٍ أصبحت فيه الضاد غريبة في عقر دارها. كان صوته امتدادًا لروح المغرب، متشبثًا بجذوره، حريصًا على أن يبقى الإعلام صوتًا للحقيقة لا صدى للمصالح.
في مسيرته المهنية، أثبت كفاءة لا يُشقّ لها غبار، فكان أنموذجًا للإعلامي الملتزم، الحريص على الدقة والمصداقية، العابر فوق الحواجز دون أن ينحني لغير الحقيقة. ورغم التحديات، لم يساوم على مبادئه، ولم يتخلّ عن رسالته. دفع الثمن مهنيًا، لأنه رفض أن يكون إلا نفسه، لأن كرامته كانت عنده أغلى من أي منصبٍ أو امتياز. تكريم عبد الصمد ناصر اليوم ليس تقديرًا لمسيرته فحسب، بل هو رسالةٌ بأن الكلمة الحرة لا تموت، وأن الأوطان تظلّ تحفظ أسماء من خدموها بصدق. فهنيئًا لنا به، وهنيئًا له بهذا الاعتراف الذي هو أقلّ ما يمكن أن يُقدَّم لرجلٍ نذر صوته للحقيقة، وجعل من الإعلام رسالةً لا وظيفة. تحية تقدير وإجلال لعبد الصمد ناصر، الإعلامي الذي ظلّ صامدًا في وجه العاصفة، فبقي شامخًا كالأطلس».

٭ كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية