الدوحة ـ «القدس العربي»: نسفت سلطات الاحتلال الجهود التي بذلها الوسطاء واستمرت لأشهر بهدف تحقيق تهدئة دائمة في غزة، تنزع فتيل الأزمة، حيث تهاوى كل شيء مع شن الجيش الإسرائيلي عملياته الموسعة في القطاع المحاصر، معلناً التنصل من اتفاقاته السابقة، وتحديداً وقف إطلاق النار الذي رأى النور في الدوحة مطلع العام الجاري. ومع استئناف إسرائيل عدوانها على قطاع غزة منذ فجر الثلاثاء الماضي، وشن سلسلة من الغارات العنيفة، تكون سلطات الاحتلال ألقت خلفها اتفاقاً سهرت على بحثه ونقاطه اللجان التي بذلت جهوداً معتبرة لأشهر مستمرة، ونسفت كل المفاوضات والاجتماعات والاتصالات والمباحثات وكل لحظة عمل عليها الوسطاء لإنهاء الحرب. ومع تداول المعلومات عن الغارات الإسرائيلية على القطاع المحاصر، ارتفعت السحب الداكنة معلنة عن وأد المفاوضات المضنية والمتعبة.
ومع كل التعقيدات الجارية بسبب خطط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورغبته تصدير أزماته الداخلية وصبها على غزة وتدميرها، ما يزال الوسطاء يحاولون رأب الصدع في جدار المفاوضات، بالرغم من الظروف الصعبة التي يمر بها الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويعول الوسطاء على وجود نقاط يمكن الانطلاق منها لنزع فتيل الحرب المشتعلة بسبب العدوان الإسرائيلي، خصوصاً وأنه ما يزال في غزة نحو ستين محتجزاً تحفتظ بهم حركة حماس وفصائل المقاومة، من أصل 251.
وأرسل الوسطاء من قطر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر، أن الحرب الجديدة التي تشنها سلطات الاحتلال، ستعطل أي مهمة مستقبلية للتفاوض حول المحتجزين، مع احتمالات قتل طيران الاحتلال معظمهم بسبب الغارات المكثفة والعنيفة التي تشتد على مناطق القطاع. ويذكر الوسطاء بما قامت سلطات الاحتلال التي قتلت في مناسبات كثيرة عشرات المحتجزين الإسرائيليين وحاملي الجنسيات الأجنبية في عمليات عسكرية شنتها على القطاع، ولم تتمكن إلا في حالات نادرة ومحدودة من تحرير بعض المحتجزين.
ويعيش سكان قطاع غزة المحاصر ظروفاً قاسية في ظل الحرب التي تشنها عليهم سلطات الاحتلال، والتي لم تتوقف منذ أزيد من أسبوع، وتزداد كثافة يوماً بعد يوم، وتخلف المزيد من الضحايا.
ويحصي سكان غزة المحاصرين يومياً استشهاد عشرات الضحايا، ومئات الجرحى جراء كثافة القصف الإسرائيلي الذي لا يستثني أي منطقة من القطاع المحاصر.
وكشفت المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» في غزة روزاليا بولين إن أكثر من 200 طفل فلسطيني قتلوا في القطاع منذ الثلاثاء عندما استأنفت إسرائيل حربها على غزة.
ومع مواصلة جيش الاحتلال قصفه وتوغله بمناطق في غزة، تزداد مشاريع تهجير سكان القطاع بروزاً على السطح، وتأكيداً على أن ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن مجرد هفوة أو خطة حالمة بتأكيده على تحويل القطاع المهدم لريفيرا.
وتتماهى مشاريع وخطط بنيامين نتنياهو وأركان حكومته المتطرفة مع ما يتداول في العاصمة الأمريكية واشنطن، من مشاريع تهدف لتهجير سكان غزة عن أرضهم، وليس أقلها فرض خيارات عليهم.
ومؤخراً قالها مسؤول إسرائيلي رفيع، وهو وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي هدد بالاستيلاء على مزيد من أراضي القطاع وتهجير الفلسطينيين. وكل العمليات التي تحدث في القطاع من قصف وتوغل لقوات الاحتلال واحتلال للأراضي، وتقسيم لمناطق القطاع المحاصر، توضح بما لا لبس فيه، أن سلطات الاحتلال تسعى لترجمة أحلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي في نفس اللحظة أحلام المتطرفين الإسرائيليين، بخلق الظروف الطاردة لسكان القطاع المحاصر، وجعل مناطقهم غير صالحة للحياة.
وسعت بعض الأطراف لإحياء معزوفات قديمة، عن فتح المجال لسكان غزة المغادرة الطوعية والهجرة إلى الخارج، والتخلي عن أرضهم وأقلها طرد حركة حماس ورفض تواجدها على أرضهم.
وينقل الوسطاء تحديات ما يجرى على أرض الواقع في غزة إلى الجهات الضامنة وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية، للتحذير من مغبة تفاقم الوضع، خصوصاً وأن هذا التصعيد لا يهدد الأمن في غزة فحسب، بل إن امتداداته تهدد حتى استقرار إسرائيل. ومؤخراً تظاهر آلاف الإسرائيليين، وأغلقوا شوارع رئيسية في محيط مقر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالقدس احتجاجا على مساعي إقالة رئيس الشاباك، في حين اعتبر حزب «هناك مستقبل» أن نتنياهو «ينشر نظريات مؤامرة خطيرة، ويقوّض سيادة القانون، ويسيء إلى سمعة إسرائيل».
قطر تدين النهج العسكري للاحتلال
تحركت قطر بعد نسف إسرائيل جهود الوساطة وتقويض المسار الدبلوماسي الذي كان على وشك التكلل بإنهاء الحرب التي كانت تدمر القطاع المحاصر، ونددت باستئناف الاحتلال عملياته.
وعبّرت وزارة الخارجية القطرية عن إدانتها «بأشد العبارات» استئناف قوات الاحتلال الإسرائيلي غاراتها على قطاع غزة. وتشدد الدوحة في المناسبات المختلفة أن العدوان الإسرائيلي يعد «تحدياً سافراً للإرادة الدولية الداعمة للسلام». وتنطلق قطر في نهجها التفاوضي من ضرورة وقف العمليات القتالية، وظلت منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، تؤكد أن العمل الحربي لن يحقق أي هدف، لكل الأطراف، وأن الخيارات الدبلوماسية هي الأساس لحل الأزمات. وبينت الدوحة في مختلف المناسبات أن ما حققته المفاوضات كان هو العامل المحدد لأي نتيجة يمكن التوصل إليها، حيث أنه حتى الآن وبعد أزيد من سنة ونصف، كانت المفاوضات والوساطة هي مفتاح عمليات تبادل المحجتزين والأسرى.
وحذرت الدوحة من أن سياسات الاحتلال التصعيدية «ستقود في النهاية إلى إشعال المنطقة والعبث بأمنها واستقرارها». مع التأكيد إلى الحاجة الماسة إلى استئناف الحوار من أجل تنفيذ مراحل اتفاق وقف إطلاق النار وصولاً إلى إنهاء الحرب على قطاع غزة. وتلفت قطر أنظار المجتمع الدولي إلى الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة حيث تعتبر أنها بلغت درجة غير مسبوقة في التاريخ، ما يستوجب تحركاً عاجلاً لتوفير الحماية اللازمة للشعب الفلسطيني.
حماس في قلب المفاوضات
أبقت حركة المقاومة الإسلامية حماس الباب موارباً أمام العودة لمفاوضات التهدئة ولم تقطع خيط التواصل مع الوسطاء، بالرغم من نسف سلطات الاحتلال الإسرائيلي للجهود الدبلوماسية.
ومؤخراً نفت الحركة معلومات أوردتها مصادر إعلامية عبرية عن وقف الاتصالات مع الوسطاء، حيث ما تزال حماس متمسكة بخيار المفاوضات حتى تحقيق الهدف الأسمى لشعبها وهو إنهاء الحرب المدمرة التي تخوضها سلطات الاحتلال. وحسب المعلومات المتواترة من العاصمة القطرية الدوحة، فإن خطوط الاتصال بين وفد حماس وغيرهم من المشاركين في مسار المفاوضات ما تزال جارية ولم تنقطع حرارتها.
وما يزال وفد حماس مشاركاً في طاولة المفاوضات، ويتبادل مع الوسطاء ويتداول الأفكار المقترحة، في سبيل التوصل لإنجاز صفقة.
وأعلنت حركة حماس، مؤخراً أنها لا تزال تناقش مقترح المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، وأفكارا أخرى متنوعة، بهدف التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الأسرى وإنهاء الحرب في غزة وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع.
وترى حركة المقاومة الإسلامية «حماس» أن الاحتلال الإسرائيلي انقلب على اتفاق وقف إطلاق النار، وتهرب من التزاماته، ويستمر في ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني وسط صمت دولي مخزٍ.
وتشدد حماس أنها ظلت متمسكة بالاتفاق حتى آخر لحظة، وكانت حريصة على استمراره، مقابل محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو البحث عن مخرج لأزماته الداخلية وفضل إشعال الحرب من جديد. ولم تلتزم إسرائيل ببنود الاتفاق خاصة في ما يتعلق بإدخال المساعدات الإغاثية إلى القطاع.
ويطرح المراقبون تساؤلات عن مصير المفاوضات التي تستضيفها العاصمة القطرية الدوحة، وكان بصدد التوصل لتوقيع اتفاق المرحلة الثانية من حزمة المسار التفاوضي، قبل نسفه من قبل سلطات الاحتلال.
وتشعر الفرق الفنية في الدوحة بوجود عوائق تحول دون إزالة حالة التشنج التي فرضها العدوان الإسرائيلي. وتعمل قطر على توفير الحد الأدنى من الظروف المناسبة لعودة الجميع لطاولة المفاوضات واستكمال النقاش حول النقطة التي توقف عندها الجميع.
أمريكا وحافية الهاوية
تواجه الإدارة الأمريكية تحديات عميقة مع تورطها الأخير في الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وهو ما يتناقض مع إدعاءات البيت الأبيض أنه يعمل على إطفاء الحرائق والنيران التي سببتها إدارة بايدن السابقة. ويأتي التحدي مع تأكيد تل أبيب تنسيقها المسبق مع واشطن قبل شن عملياتها العسكرية على غزة.
وحسب حماس فإن إقرار الإدارة الأمريكية أنها «أُبلغت مسبقًا بالعدوان الإسرائيلي يؤكد شراكتها المباشرة في حرب الإبادة على شعبنا»، وبحسبها يكشف هذا الاعتراف مجددًا التواطؤ والانحياز الأمريكي الفاضح مع الاحتلال، ويفضح زيف ادعاءاتها حول الحرص على التهدئة». وترى بعض الأطراف أن منح إدارة دونالد ترامب نتنياهو الضوء الأخضر لشن حربه على غزة، يأتي في سياق تعزيز خيار تهجير سكان قطاع غزة عن أرضهم، وتنفيذ مخطط البيت الأبيض المرفوض من قبل أصحاب الأرض.
ويشير بعض المحللين إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحاولاته فرض واقع جديد في المنطقة، فإنه يفتح المجال أمام استفحال العديد من الأزمات في المنطقة. ويأتي ذلك عقب الإيذان بشن هجمات في اليمن، ثم منح الضوء الأخضر لإسرائيل لقصف غزة، وتصعيد الخطاب ضد طهران.
ومن شأن هذا التصعيد وفتح الجبهات المختلفة أن يكون نقطة تفجير قد تهدد الاستقرار في المنطقة بشكل عام.