إصدارات

حجم الخط
0

ناصر فرغلي: «الأعمال الناقصة»
شاء الشاعر المصري ناصر فرغلي إطلاق صفة الأعمال الناقصة على مجلد يقع في 719 صفحة من القطع الكبير، ويضمّ أعماله الشعرية كافة، التي صدرت بين 1983 و2024: «بانت سعاد واحتمالات أخرى»، «حيطان مؤقتة»، «أشياء لا تزول بالغسيل»، «المجمرة»، «العجوز والجبل»، «أشعار أرضية زاحفة»، «قصائد من المسافة صفر»، «أخبار كاذبة»، و»كراس الأغاني». وأما السبب في أنها الناقصة، وليست الكاملة على عادة ما يعنون معظم الشعراء، فيقول فرغلي: «هي أعمال (ناقصة) لأنها أولاً تصدر في حياتي. وبما أنني لا أحيا لأكتب، بل أكتب لأنني أحيا، فهي ناقصة بمقدار ما يتبقى من الحياة في أصابعي، وما يتبقى من الكتابة في الأعصاب المشتبكة مع العالم. وهي أيضاً ناقصة (نقص القادرين على التمام) بتعبير المتنبي، فالقصيدة (لا تنتهي، وإنما يُتخلى عنها، تُهجر) بتعبير بول فاليري».
ويندر لأيّ من قصائد هذه المجموعات التسع أن تتعثر في، فكيف أن تتخلى عن، إغناء موضوعات فرغلي الأثيرة المشبَعة بانحيازات، صريحة وحارّة ورافضة وكشّافة ولاذعة وساخرة، إلى هواجس وجودية وإنسانية واجتماعية وسياسية ومعيشية تخصّ شخصية مصرية متعددة الأنماط، ومعضلات صراعاتها وأطوار عيشها ومستويات انسحاقها وأنساق بقائها ومقاومتها. أمّا خارج الأًطُر المصرية، فإنّ قصيدة فرغلي لا تعدم انحيازاً مماثلاً إلى قضايا الشعوب هنا وهناك على امتداد العالم العربي عموماً، وفي فلسطين وسوريا خاصة.
ورغم انتماء فرغلي عمرياً إلى جيل الثمانينيات في مصر، فإنه تميّز على الدوام بأكثر من بصمة أسلوبية شخصية تجعله عابراً لأجيال شتى، ووفياً لأصوات أسبق في الحداثة الشعرية المصرية من طراز صلاح عبد الصبور وأمل دنقل، ولأصوات لاحقة اعتمدت قصيدة النثر أساساً، فضلاً عن صلة وطيدة لافتة مع شعراء العامية المصرية أمثال فؤاد حداد وصلاح جاهين. ذلك لأنّ أدواته في الكتابة الشعرية تنوّعت أيضاً، وتعددت، وتكاملت عقداً بعد آخر؛ فلم تبدأ من سيطرة عالية على اللغة، الفصحى والعامية معاً؛ يساندها مراس ماهر في استخدام التفعيلة تارة، وعمود الخليل صريحاً أو مستتراً تارة أخرى؛ فضلاً عن نماذج رفيعة في تجريب قصيدة النثر.
هنا فقرات من قصيدة «دَعْ سمائي»:
« دَعْ سمائي
فسمائي مُرهَقه
ولها مليون عام
تُخرج الحيّ من الموتى
تربّي البطّ والبركان
والإنسان جنب اليرقه
إنها مليون عام
كلّ عام مطرقه
حين دقّت عظم روحي
صارت الروحُ
لما تكتبه الأرضُ
سطورَ الورقه

دَعْ غنائي
فغنائي سَرقه
من عزيف الريح
لما طوّحتني
صورةً في شاشةٍ
أو ثورةً
في ملصقه

دعْ بكائي
فبكائي صَدَقه
كلّ دمع مَطْهرٌ
كلّ خيط
نهرُ تَوِباتٍ
بحيراتٌ من الشوكِ
وأشجارٌ من الملح تنامتْ
في ضفاف الحدقه

دعْ حَفائي
للطريق النزقه
ربما أُوقظُ في الورد ربيعاً
ربما يوقظني الوردُ ربيعاً
فإذا في الناس أعياد المسرّات
وفي الأرض سلامٌ
والجنى في الملعقه

دعْ دمائي
للفخاخ الدبقه
إنني بين زمانين
أواري سوأة الجرح الذي
لا المروحيات، المجانيقُ،
الصناديقُ، الغرانيقُ
أنا الجرحُ الذي
لن ترتقه».
دار الأدهم، القاهرة 2024

إنعام كجه جي: «صيف سويسري»
بعد «سواقي القلوب»، «الحفيدة الأميركية»، «طشاري»، و»النبيذة»؛ هذه هي الرواية الخامسة من الروائية والقاصة والصحافية والسينمائية التسجيلية العراقية إنعام كجه جي. وصدرت لها في القصة القصيرة مجموعة «بلاد الطاخ طاخ»، والسيرة الروائية «لورنا، سنواتها مع جواد سليم»، وبالفرنسية «كلام عراقيات» الذي احتوى مختارات من نصوص الحرب.
«صيف سويسري» لا تخرج عن موضوعات مركزية شغلت كجه جي في معظم أعمالها الروائية والقصصية، وتمحورت حول مصائر عراقيات وعراقيين في منافٍ مختلفة متباعدة، حيث يكمن العراق خلفية مركزية ناظمة تشدّ الحكايات المتقاطعة إلى مآلات اغتراب متعدد المستويات، تنفتح سياقاتها الوجودية والإنسانية على خلفيات واسعة تبدأ من الفردي والشخصي والذاتي، ولا مناص من أن تنتهي إلى الجَمْعي والشامل والعامّ.
كلمة الناشر، على الغلاف الأخير، نُلحق بعض الغبن بـ»صيف سويسري» حين تختزل تعريفها هكذا: «حكاية أربعة عراقيين يلتقون في بازل لتجربة عقار لعلاج الإدمان العقائدي. أحزابهم أعطبتهم ودمّرت بلدهم. وكانت المدينة السويسرية تقدّم لهم البونبونات وتعيد وصل حبّ مؤجّل». ذلك لأنّ الرواية، بادئ ذي بدء، لا تُشرك العراقيين الأربعة في حكاية واحدة متبادلة الأثر والوقائع، بقدر ما تزجّهم في شبكة محكمة من تبادل السرديات، حيث تتكثف سيرورات كشف الذوات وانكشافها ضمن هذه أو تلك من ألعاب تيارات الوعي، على نحو كان سيبهج الناقد الروسي ميخائيل باختين صاحب المبدأ الحواري الشهير.
وعلى امتداد 26 فصلاً، متوسط الطول أو قصيراً، تحمل عناوين مستقلة ذات وظيفة سردية وتوسيعات دلالية ومراوغة فانتازية، وتتكئ لغوياً على جملة قصيرة البنية سريعة الإيقاع جُرّدت من علامات الوقف الداخلية، تنجح كجه جي مجدداً في قطع خطوة نوعية وحاسمة على مسار روائي اختارت له أن يكون انفرادياً من حيث التكوين والتركيب، مجزياً تماماً في التماس السهل الممتنع، ولعله لم يكن بعيداً عن اقتراح طراز من السرد يُدرس بأناة وتذوّق وتثمين، ويُدرّس أيضاً.
هنا فقرات من فصل الاستهلال، بعنوان «حاتم الحاتمي»:
«نمت وتمنيت أن لا أستفيق. ما عادت آدميتي تستقيم إلا في وضعية الرقاد. أنقلب على جنبي الأيسر ضامّاً ذراعيّ إلى صدري. جنين عملاق يثني ساقيه. أغمض عينيّ فتنتشر اشرعتي. يمكن للروح التي قاست طويلاً أن تأخذ مداها بين الصحو والغياب. وللجسد أن يستريح. تعذّب وعذّب. أغيب وأرى وجهها. أصحو وأتمتم باسمها. لن تعرفني بعد كلّ تلك السنوات. وإذا استدلت على ملامحي هل ستتذكر جارها العنيف العاتي والواقعة التي كانت حديث المجالس؟ يتلفت البسطاء خوفاً وتحسباً. يستعيدون الحكاية. تتلبسهم رهبة من يبصر الشيطان أو يحضر يوم الحشر. الرفاق قضوا بأيدي الرفاق. الكلّ منافق متلوّن. كأنّ جبهة المدينة وجباههم لم تتلطخ بالدم من قبل. الجبهات والأعناق والأهداب وأظافر القدمين. تلوك أفواه الحيّ ما سمعته الآذان. تشمئز الوجوه وتختفي العيون في المحاجر. يقيس كل واحد منسوب الشرّ في داخله».
منشورات تكوين، والرافدين، بغداد 2024

«The Universe, All at Once»
Salim Barakat
Translated by Huda J. Fakhreddine
هذه قصائد اختارها بنفسه الشاعر والروائي السوري سليم بركات، وتولت ترجمتها إلى الإنكليزية الناقدة والأكاديمية اللبنانية هدى فخر الدين، وهي تضمّ منتخبات من المجموعات أو القصائد الطوال: «الشظايا الخمسمائة»، «الغزلية الكبرى»، «تنديد روحي»، و»معركة بتوقيت الماء». واختتمت فخر الدين الكتاب بحوار ممتع مع بركات، عن بُعد حيث يقيم في سكوغوس ــ السويد، بمشاركة زوجة الشاعر سندي إنغليسيس؛ تحدّث خلاله عن طفولته وصباه في القامشلي، وإقاماته في دمشق وبيروت ومدن أخرى، وقراءاته الأولى والمفضلة، وعلاقته بالتراث الأدبي الكردي، وصداقته مع محمود درويش، ثمّ أدونيس وخالدة سعيد وعصام محفوظ، وتأثره المبكر بشعر بدر شاكر السياب، ونثر هنري ميللر وتنيسي وليامز وفرجينيا وولف وإدغار ألن بو، وعلاقته الجمالية بالسينما…
بركات غنيّ عن التعريف، بالطبع، وقد أصدر عشرات الأعمال في الشعر والرواية، وتقول «نبذة مختصرة» عنه باتت تُنشر في أعماله الأخيرة: «ما من امتثال عنده لنمط أو مذهب، عنيد في نحته العبارة بلا خوف من المجازفات، وكلّ كتاب له، في الشعر والرواية، موسوعة مختصرة». ولد في القامشلي سنة 1951، ودرس في جامعة دمشق، وغادر إلى بيروت سنة 1972، ومنها إلى قبرص سنة 1982، ثمّ إلى السويد في العام 1999 حيث يقيم.
المترجمة هدى فخر الدين تعمل أستاذة الأدب العربي في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، وسبق لها (صحبة جيسون أويت) أن ترجمت مختارات أخرى من شعر بركات، خاصة قصيدته الشهيرة الأبكر «دينوكا بريفا، تعالي إلى طعنة هادئة». لها في النقد، باللغة الإنكليزية، أعمال متميزة حول «الميتا شعرية» العربية، والحداثة الراهنة، وقصيدة النثر، كما شاركت في تحرير دليل راوتلدج إلى الأدب العربي، فضلاً عن ترجمات أخرى عديدة ومتنوعة.
هنا فقرات من قصيدة بركات «الغزلية الكبرى»:
« ما أثناهنّ، من قَبْلُ، نقدُ النبات مجازفةَ الزرقة بأحكام الأخضر،
ولا توضيحَ توسّلنه من انقسام الجبل على إرث السهل،
ومن مقاضاة السحب للرعد على نقضه هدنة البرق،
ولا تلمّسنَ باعثاً على شكاة النهر من حجارة المجرى تدقيقَها في
أدب الماء.
يتفهمنَ إفراط المنخفضات في حيائها،
ورعونة المحتجب في حجابه،
ورصانة وصف المعقول بريئاً يتولاه العدمُ عن لسان التابل الأول
في مأكول الإنسان.
أحبّهنَّ أبْطَلنَ نازع القسم بالحقائق،
لأنهمّ تفهّمنَ القدسيّ في الأعذار،
والقدسيّ في بطلان الأعذار».
Seagull Books, London 2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية