بعد غيابها أكثر من اثني عشر عاماً: الموسيقى تعود للإحتفاء بالطفولة في مدينة البصرة

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: منذ سنوات طويلة، لم تشهد مدينة البصرة فعالية موسيقية كبيرة على مدى ثلاثة أيام متتالية، هذه المدينة التي لف السواد جدرانها والأحزاب الدينية التي توجد في كل زقاق من أزقتها، عاشت حياة من الصمت منذ عام 2003 وحتى الآن، غير أن أوركسترا البصرة، بقيادة عدنان ساهي، قررت أن تعيد بناء حياة المدينة الموسيقية، من خلال التفكير بالطفل وتأهيله موسيقياً لتشكيل سيمفونية الطفل في البصرة بعد خمس سنوات من الآن.
الفعاليات التي انطلقت في المركز الثقافي النفطي يوم الثلاثاء الماضي، تجولت في أكثر من مكان لتقيم نشاطاتها بين النادي النفطي وقصر الثقافة والفنون وجمعية الاقتصاديين العراقيين، قدمت توزيعاً مختلفاً، إذ مزجت الأوركسترا بين الأغاني العراقية من جهة، والآلات الغربية من جهة ثانية، فضلاً عن إدخالها لإيقاعات البصرة الخاصة، المعروفة بالخشابة والهيوا، ضمن هذه المعزوفات.
فكرة سيمفونية الطفل بدأت منذ عام 2012، حسبما قال في حديث لـ«القدس العربي» عدنان ساهي مدير المشروع، مضيفاً أنها بدأت بعد ذهابه ضمن إيفاد مدرسي التربية الموسيقية برعاية وزارة الخارجية العراقية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فجاءت الفكرة عندما شاهد كونسيرتات للأطفال، «رأيت أنه من الأفضل أن أنقل هذه التجربة للعراق. الخطة بدأت أواخر عام 2012، لكنني وجدت صعوبات كبيرة على المستوى المادي، فحاولت خلال السنوات السابقة أن نصل إلى أي شخص يمول هذا المشروع، وفي النهاية ذللت هذه الصعوبات من خلال دعم بعض الشخصيات، إضافة إلى دعم الفرقة السيمفونية العراقية التي أشارت إلى أن هذا المشروع الأول من نوعه عراقياً، لهذا أعلنا انطلاق تأسيس هذا المشروع بعد جهوزه».
وعلى الرغم من سعي أصحاب المشروع على مدى ثلاث سنين للحصول على الدعم من جهات عدَّة، غير أن الجهة التي يجب أن تهتم بالطفولة والموسيقى عراقياً لم تقدم دعماً، ولا يعتقد ساهي أن تقدمه خلال المدة المقبلة، عانياً بذلك الحكومة بشكليها، المركزي والمحلي. ساهي بيَّن أنهم سيعتمدون على المنظمات الدولية بالدرجة الأولى، وهناك الكثير من المنظمات المعنية بالطفولة مثل، اليونسيف وغيرها. أما «الدعم الحكومي فلا يوجد وإن وجد فهو لا يقدم شيئاً، خصوصاً أننا نلاحظ حالة التقشف التي يمر بها البلد بسبب الأزمة المالية، وسنعتمد أيضاً على اليونسكو ومنظمة إنقاذ الطفولة، والدعم الأكبر هو من قبل الفرقة السيمفونية العراقية التي سترسل كادراً تدريسياً متكاملاً».
اثنا عشر عاماً مرَّت على مدينة البصرة من دون فعاليات موسيقية حقيقية، سوى بعض الحفلات التي تقام في الأعراس والمناسبات الخاصة، وهذا ما يطرح تساؤلاً مهماً، وهو: هل هذه المدينة قادرة على استيعاب مشروع كهذا، وهي لا تملك مسرحا ولا قاعة موسيقى ولا دار سينما ولا أي مكان يمكن أن تقام فعاليات فنية فيه؟ غير أن ساهي يحاول أن يجيب على هذا التساؤل قائلاً، إن هذه مشكلة وطن كامل وليس البصرة فقط، مستدركاً: لكن هل هذا سيلغي حاجتنا لتأسيس سيمفونية؟ في العراق عموماً لا توجد دار أوبرا ولا مسارح بالمعنى الحقيقي للمسرح، ولا قاعات عرض، لكن هذا لا يعني أننا سنتوقف! وعلى الرغم من عدم وجود مكان محدد للبدء بمشروع سيمفونية الطفل في البصرة، إلا أن ساهي يقول إن المشروع سينطلق فعلياً بعد شهر رمضان المقبل، أي بعد شهرين تقريباً، وربما خلال هذا الزمن القصير سيتمكنون من إيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة.
ومن أجل الخروج بالنتائج التي يتمناها القائمون على هذا المشروع، قرروا أن يرسموا خطة خمسية، ويأملون أن يقطفوا ثمارها بعد خمس سنوات ابتداءً من الآن، إذ سيستقبل المشروع الأطفال بعمر 8 سنوات وحتى 16 سنة، وبيَّن ساهي أن أساس اختيار الطلبة الذين سيقبلون في الفرقة ويتأهلون للدرس سيكون فنياً، إذ ستعتمد الفرقة على استقطاب الكوادر الرئيسة في السيمفونية الوطنية، كي يدربوا الأطفال تدريباً صحيحاً، «الوضع لا يتحمل الخطأ تماماً، ولو تجاوزنا هذه المرحلة ستكون الأمور اللوجستية الأخرى ممكنة، مثل إيجاد مكان ملائم، واستقبال الأطفال واختبارهم، فضلاً عن التمويل الذي أتوقع أننا سنحصل عليه من قبل المعنيين بالطفولة حول العالم».
ربما ستكون هذه الفرقة منطلقاً لتأسيس معهد خاص لتدريس الأطفال الموسيقى، إذ يؤكد ساهي على أن هذا المشروع هو عبارة عن معهد مصغر ربما سيتطور مع الوقت، «لكننا لا نستطيع الإعلان عنه رسمياً الآن، بل بعد أن يتوفر المكان وقاعات للدرس سيكون الأمر معلناً، كما أن الأطفال سيخضعون للاختبار، من خلال صوت الطفل وفحص أذنه الموسيقية من خلال بعض الإيقاعات البسيطة، إذ نطمح أن يتقدم لنا الأطفال الموهوبون»، وحدد ساهي بعض الشروط التي يقبل على أساسها الأطفال في هذه الفرقة، وأول هذه الشروط يتمثل بالموهبة، «لا أعني بالموهبة أن يكون الطفل عازفاً أو مطرباً، بل سيتحدد الاختبار بصوت الطفل، وإحساس الطالب بالزمن ورغبته، أما بقية الأشياء فسنعلمه إياها خلال خمس سنوات هي مرحلة التأهيل». المشكلة الأكبر التي ربما تواجهها هذه الفرقة والأطفال الذي سيتقدمون إليها، هي تربية الطفل الموسيقية وبنائه، فلا يوجد في مدارسنا في الوقت الحالي درس موسيقى، لا في الابتدائية ولا المتوسطة ولا الإعدادية، ومن ثمَّ لا توجد محال لبيع الأدوات الموسيقية التي يمكن أن يتعلق الطفل بإحداها ويعشقها ويحاول التعلم عليها، حتى لو كان من باب العبث، فضلاً عن الحفلات الموسيقية التي اختفت تدريجياً منذ تسعينيات القرن الماضي، حتى لم يعد لها وجود الآن.
من جانبه أشار مايسترو الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية محمد أمين عزت إلى أنهم وجدوا أن فكرة المشروع ناضجة جداً فأيدوها، ومن ثمَّ لأنها تعنى بالطفل والموسيقى فإنها ستكون بمحصلتين غنيتين تستحقان الاهتمام.
«أعتقد أن لدى المشروع الآن الدعم المادي، لكنهم بحاجة للدعم الفني واللوجستي، لهذا فإن الفرقة السيمفونية بقدمها وعراقتها التي تمتد لسبعين عاماً وبموسيقييها وخبراتها، من الممكن أن تدعم فنيا وتدريبياً خلال ورشات العمل، فضلاً عن دعمها من خلال النوتات الموسيقية والمكتبة الكبيرة التي تمتلكها الفرقة، إضافة للمناهج التدريسية التي سيسير عليها المشروع».
وفي ما إذا كانت لدى الفرقة إمكانية تدريب الأطفال لإنتاج فنانين محترفين مستقبلاً، أكد عزت أن لدى الفرقة السيمفونية كادرا كبيرا من الأساتذة العازفين، فضلاً عن أكبر مكتبة موسيقية في المنطقة، ومناهج من المراحل الابتدائية للمتقدمة. ويتمنى عزت أن تكرر هذه التجربة في العاصمة بغداد. غير أن التساؤل الذي بادر إلى ذهننا حينها، هو لماذا لم تقدم الفرقة السيمفونية الوطنية على مثل هذه الخطوة، على الرغم من إمكانياتها المادية؛ خصوصاً أنها ممولة من قبل الحكومة العراقية وتعد الفرقة الرسمية الكبرى. عزت بيَّن أن وجود الفرقة السيمفونية وديمومتها على مدى أكثر من ستين عاماً واستقبالها للعازفين المتميزين من طلبة المعاهد الموسيقية ومدرسة الموسيقى والباليه، يتدربون لدى الفرقة خلال سنة أو سنتين، ومن ثمَّ يتأهلون كعازفين فيها، ما يسمح بتؤهل غيرهم حتى لو كانوا من الأطفال، غير أن الفرقة السيمفونية أوركسترا محترفة، «تقدم أعمالها لجمهور كبير ومتذوق، فهي غير معنية بالطفل، لكن فكرة الطفل في هذه الفرقة الجديدة ناجحة جداً لهذا نسعى لدعمها في شتى الأمور».
شارك في الفعاليات على مدى الأيام الثلاثة عدد كبير من العازفين والفرقة الموسيقية، ابتدأتها أوركسترا البصرة والفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، وشارك فيها رباعي بغداد الوتري، مجموعة العشار الموسيقية، مجموعة شط العرب للفنون الشعبية، ومجموعة شناشيل الموسيقية، إضافة إلى العازفين المفردين: علي حسن، علي عيسى وغيرهما. كما قُدّمت في الفعاليات أوراق بحثية عنيت بالطفولة وتأهيل الطفل موسيقياً واجتماعياً، قدمها كل من الباحثين: محمد أمين عزت «مواطفات القائد الموسيقي في الفرقة السيمفونية»، عبد الرزاق العزاوي «نظرات من تاريخ السيمفونية الوطنية العراقية»، صالح أحمد مهيدي «التذوق الموسيقي لدى الطفل»، سعيد جاسم الأسدي «البناء السيكولوجي لطفل المراهقة»، فراس ياسين جاسم «الموسيقى المقدمة للطفل بين الواقع والطموح»، ناصر هاشم بدن «المنظور الأخلاقي للموسيقى الخاصة بالطفل»، أحمد إبراهيم محمد «الأناشيد المدرسية ودورها في تطوير ثقافة الطفل»، ماجد عبد الرزاق العزاوي «وقائع من تاريخ أوركسترا الشباب»، وقيس عودة «أثر منهج دالكروز على مفهوم التربية الموسيقية».

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية