مع ظهور الكومبيوتر أصبح في إمكان المستعمل لهذا الجهار أن يكون فاعلا في حينه وفي مكانه، مع ما يتدفق من معلومات بالتعليق، سواء اتفاقا أو اختلافا، وفي المجال الأدبي يُسمى التعليق على النص نقدا، ولأنه يتم بواسطة الجهاز المعرف بشاشة تفاعلية، فإن النقد يأخذ صفة الجهاز فيصبح مدمغا بالصفة التفاعلية، أي ما نطلق عليه «النقد التفاعلي» بتعبير الناقد العراقي أمجد حميد التميمي، ويطلق عليه الناقد المغربي سعيد يقطين «النقد الرقمي»، فيما يتعلق بـ»النص المترابط». ولعلني أجد النص أو «النقد التفاعلي» أكثر حيوية وانطباقا على ما يحدث في العالم الافتراضي، على أساس أن الإنسان أصبح مؤثرا في حينه وبصفة مباشرة، بعدما كان تفاعله بعديا متأخرا عن حينه في العالم الواقعي، إذ الجريدة الورقية، أو البرنامج الواقعي كلاهما لا يوفران إمكانية «التفاعل المباشر» في حينه ومكانه.
لكن هناك ملاحظة مهمة في ما يتعلق بالنقد التفاعلي، ففي برامج بعينها واقعية، يكون التفاعل فيها مباشرا، لكنه يطرح إشكالات عديدة لعل أبرزها تضع مصداقية النقد برمته في الميزان، وبرنامج كـ»شاعر المليون» مثلا، الذي شارك فيه نقاد معتبرون يعيدنا إلى إشكالية النقد في حينه، أو «النقد التفاعلي» ومدى تأثير عامل الوقت في عمقه وأهميته. فإن يُلقَى النص ويتابعه الناقد في حينه، يجعل العملية النقدية التفاعلية ناقصة من حيث التركيز والوقوف على الخلفيات التداعياتية للجملة الأدبية، الحاملة لمضمرات لا يمكن أن تنكشف إلا بالعبور على النص بالقراءة الأولى والثانية، أو القراءة الاستيعابية والتذوقية. فعلى الافتراض أن البرنامج يضع النصوص المبرمجة في حوزة النقاد مسبقا، لكن أثناء سماعهم للنص مباشرة قد يتوقف الناقد على معانٍ جديدة خلاف تلك التي سجلها أثناء قراءته للنص، بعيدا عن البرنامج، وهنا تأخذ صفة التفاعلية معناها الذي ينساح على التعاطي الإلكتروني مع النصوص الأدبية.
يمكن أن نقف على شيء ما تكرر في الزمن واتضحت بعض ملامحه في خلال سياق ما، فظهرت خصائصه ومُميزاته، بمعنى إنه صار ظاهرة، وعلى هذا يمكن قراءة سياق ظاهرة «النقد الأدبي الإلكتروني»، بمعنى ذلك النقد الذي يتدفق خلال الإنترنت، مواكباً نصوصاً بعينها إلكترونية، وبالتالي، تصبح صفة «الإلكترونية» هي العنصر المُميز لهذا النوع من النقد الأدبي، أي وروده عبر قناة غير ورقية، وهو ما يضعنا ابتداءً أمام إشكال منهجي في تحديد المصطلح، لأن الكثير من الجرائد مثلاً الورقية لها مواقع إلكترونية، بحيث تُنزل المادة ورقياً أولاً، ثم تتبعها بالنسخة الإلكترونية، أو قد يتحول ما كُتب إلكترونياً إلى الوضعية الورقية، ففي هذه الحال ماذا يمكن أن نُسمي «النقد» الذي نؤكد إلكترونيته أولاً؟ يبدو أن التسرع في إطلاق المصطلحات هو من قبيل الانفتاح البدئي على المُنجز الإنساني، لتحقق الدهشة الأولى، ثم بمجرد أن تتلاشى تلك الحالة العاطفية النفسية تعود الذات الى عقلانيتها المعتادة فتتعامل مع الموضوع بمظاهره التي استقر وجودها في الوعي وتشكلت بعض ملامح معرفتها من خلال استمرارها في الزمن وثباتها فيه.
راهناً، لا يمكن تجاهل الإنترنت أو العالم الإلكتروني والتحيز ضده للورقي، لأن هذا الموقف سوف يُثير معيار المُفاضلة بين فضاءين متيحين للمعرفة ومنتِجَين لها، الفضاء الورقي والفضاء الإلكتروني، وبالتالي، سوف نضطر العقل إلى أن ينتج قسرياً معيارية نشاز تفاضل بين ما لا تفاضل فيه، لأن أساس العلاقة بين الفضاءين تكاملية مُثمرة، فالعقل في اِنجازيته يُكْمِلُ مسارات النقص في التجارب، ولذلك نقول، إن «العقل يُصحح نفسه»، فالعالم الإلكتروني «في الحقيقة لا يمكن تجاهله»، كما يرى إمبيرتو أيكو، رغم انتقاده لوسائط التواصل الاجتماعي في ما بعد. لا يمكن التغاضي عنه لأننا نعشق العالم الكلاسيكي برومانسيته، فقط لأن كل تجديد في وعينا يأتي على هدوء تلك الرومانسية.
من الطبيعي جداً أن نبدأ في الحديث عن كل جديد، ومن ذلك «النقد الأدبي الإلكتروني»، حتى تتأسس المعرفة حوله، لأنه أصبح ظاهرة، ومن هنا تتحرر الرؤية إليه على أساس واقع كرس ذاته، لكن الرؤية لا تتضح إلا بتضادها، ومن هنا تنبثق الدلالة العميقة في تكريس المصطلح، باعتباره كينونة قابلة للقبول أو الرفض، والرفض لا يكون مزاجياً، بل مؤسسا وفق ضوابط المنهج النقدي. على العموم يمكن أن نقول بـ»النقد الأدبي الإلكتروني»، لكن ليس على مصراعي القول، لأن هناك ما يمنع المفهوم من انطباقه الواسع على الظاهرة، وبالتالي، يصبح التحيين أو الآنية هي التي تتحكم في المصطلحية، فما صدر في حينه إلكترونياً فهو نقد أدبي إلكتروني، حتى إذا تحول إلى الورقي صار ورقياً، وهو ما لا يضر في شيء، لأن ما يثبت مفهوميته الهوياتية هو المقروئية، فإن اتسعت مقروئيته الإلكترونية، تتثبت تلك الهوية الجديدة ويصبح النقد الأدبي الجديد إلكترونياً بامتياز، وحسب العناصر والمعطيات المُتجددة فإن الاتجاه ليس فقط في النقد، بل في الأدب وحقول معرفية كثيرة تتجه هذا الاتجاه، فكثرة اللوحات القارئة « liseuses » واللوحات الإلكترونية والكمبيوتر المحمول والهواتف الذكية، جميعها معطيات تدل على أن العالم يتجه هذه الوجهة، لكن إذا وضعنا في حُسباننا أن العناصر المُستجدة وُجدت لإكمال نقص العقل المُنجِز، فإننا نُخفف من حدة تلك الهبة العاطفية نحو إنتاج مصطلحات قد لا تُسمن ولا تغني من جوع لأن الواقع أيضا يكشف عن مبيعات كُتُب رهيبة في معارض الكِتاب، كما أن الطلبة في بحوثهم الأكاديمية يسعون، قدر الإمكان، إلى الحصول على الكِتاب الورقي، وهذا لا يعني أيضاً عدم استعمال الكتاب الإلكتروني، وهنا نصل إلى التداخل الهوياتي بين طبائع المصطلحات، فيصبح «النقد الأدبي الإلكتروني» و»النقد الأدبي الورقي» متقاربين لعدم مقدرة الوقوف على الاستعمالات الحقيقية لكليهما.
إن ما يغيب عن العقل العربي، أن الاشتغال ضمن الفريق، أو الجماعة البحثية هو الذي يُؤسس للمفهوم، بمعنى لو كان النقد العربي مُتطوراً بالكفاية التي تجعله مؤثراً لكانت النظرية النقدية العربية مستحقة الوجود، وهي ربما كذلك، ولكن عدم اهتمام العقل العربي بالعمل ضمن الفريق، قد يكون السبب في تأخير ظهورها، وهو ما ينطبق على مفهوم «النقد الأدبي الإلكتروني»، لو تحققت الجماعة النقدية واقعاً، سواء على مستوى الاشتغال الورقي أو الإلكتروني لوسعنا أن نُبشر بهذا المصطلح وبكل سهولة، ويُسعد ذلك أي عقل باحث لأن الحقول المعرفية في اتساعها إنما تؤسس لسعة الوعي بالتلاقي المعرفي الإنساني حول القضايا المعرفية المشتركة، وهو ما لا يمكن أن نتفاداه.
إن بعض الإشكالات تقوم أمام صك مصطلح «الإلكتروني»، لأن القراءة قد تتصيد ما هو نص أدبي إلكتروني، لتتعرض له نقدياً على المستوى الورقي، كما قد تُواكبه نقدياً على المستوى الإلكتروني، وبالتالي، تُصبح القراءة النقدية الإلكترونية مُماثلة لا تختلف في شيء عن القراءة النقدية العادية، سوى أنها تدفقت أو كُتِبَت عبر القناة الإلكترونية، أي إنها تميزت بشَاشَوِيَتِها، أما إن النص الأدبي الإلكتروني يحتاج بالضرورة إلى نقد إلكتروني فهذا من قبيل الدعابة المعرفية، لأنني أفرق بين النص في نشوئه المخيالي أولاً، فهو وليد خيال ابتداء، ثم انسكابه ورقياً أو إلكترونياً، لتعود قراءته النقدية أيضا إلى طبيعتها الأولى التخييلية، قبل تسميتها إلكترونية أو ورقية.
كاتب جزائري