حذّر ترامب من أنه سيطبق المزيد من الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي وكندا إذا ما عملا معًا على التسبب في ضرر اقتصادي للولايات المتحدة عبر التحالف الذي يسعيان إليه.
يتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجموعة من القرارات خاصة في المجال العسكري والاقتصادي تبدو أنها عشوائية وتدخل ضمن الفوضى في العلاقات الدولية، غير أن الواقع يؤكد أنه يعمل وفق أجندة دقيقة تهدف إلى تفادي تحول الصين إلى القوة الأولى عالميا سنة 2050، أي في ظرف ربع قرن فقط.
ومن ضمن الأصوات الخبيرة التي تؤكد هذا المنحى مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية الأسبق آلان جويلييه في ندوة له خلال هذا الأسبوع في العاصمة باريس، حيث أكد أن ترامب ومجموعته الحالية مهووسة بكابوس تقدم الصين على الولايات المتحدة الذي قد يكون في أقصى مدة هو سنة 2050، ثم تقدم الهند على الولايات المتحدة نفسها سنة 2075. ويبرز أن جميع قرارات إدارة ترامب ترمي إلى بناء الداخل بشكل متين لتجاوز المعادلة الحضارية التي تتلخص حاليا في «تراجع الولايات المتحدة وتقدم الصين». وهذا يخضع لمنطق الدورة الحضارية التي تحدث عنها عدد من مؤرخي الحضارة الإنسانية، وبشكل جيوسياسي سامويل هنتنغتون في كتابيه «صدام الحضارات» في بداية التسعينات ثم «من نحن» في بداية العقد الأول من القرن الجاري.
ووضع ترامب وفريقه خطة استراتيجية ترمي إلى تعزيز الداخل الأمريكي، مستوحاة من تصورات كثيرة ومنها بعض مبادئ عقيدة الرئيس مونرو في بداية القرن التاسع عشر التي إضافة إلى أمريكا للأمريكيين وعدم ولوج الأوروبيين للقارة، تنص على عدم التدخل كثيرا في شؤون الآخرين والاكتفاء بضرورة الاهتمام بدول الجوار، وكل هذا لتعزيز الأمن القومي على جميع المستويات وليس فقط العسكرية.
ولعل الركيزة الأولى التي أصبح ترامب وفريقه متشددا فيها وهي ما يصطلح عليه الحرب التجارية من خلال فرض رسوم جمركية على الواردات من مختلف الدول وخاصة الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك. ومن ضمن الأمثلة حول ارتفاع الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة: سيتم اعتبارا من 2 نيسان/أبريل 2025، تطبيق تعريفة جمركية بنسبة 25 في المئة على جميع السيارات المصنعة خارج الولايات المتحدة. سيؤثر هذا الإجراء بشكل رئيسي على دول الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا والسويد وسلوفاكيا والمجر وجمهورية التشيك. وسيتم استثناء قطع غيار السيارات المصنعة في المكسيك وكندا من هذه الرسوم الجمركية.
وفي قرار آخر، تهديدات إضافية للاتحاد الأوروبي وكندا، حيث حذّر ترامب من أنه سيطبق المزيد من الرسوم الجمركية «واسعة النطاق» على الاتحاد الأوروبي وكندا إذا ما عملا معًا على التسبب في «ضرر اقتصادي» للولايات المتحدة من خلال التحالف الذي يسعيان إليه. كما يعتزم ترامب فرض ما يسميه «التعريفات الجمركية المتبادلة» على نطاق عالمي في 2 نيسان/أبريل المقبل، أي في ظرف أيام قليلة.
وتسعى إدارة ترامب إلى ثلاثة أهداف استراتيجية في محاولة لاستعادة قوتها وأن لا تجعل الصين تتجاوزها، وهي:
في المقام الأول، خلق يد عاملة مهنية ذات جودة رفيعة بعدما أصبحت اليد العاملة متخصصة فقط في القطاع الثالث بينما أهم المنتوجات التي يستهلكها الأمريكيون تأتي من الصين والاتحاد الأوروبي. ومن ضمن الأمثلة التي اعتاد ترامب الاستشهاد بها منذ ولايته الأولى أن هاتف آيفون لشركة آبل يصنع في الصين، وتستفيد الصين من الاستثمار ومن تطوير اليد العاملة بينما الأمريكي سيخدم في ماكدونالد. ترمي إدارة ترامب من خلال هذه النقطة بالضبط إلى التوفر على اليد العاملة المؤهلة جدا التي يمكن أن تنتقل لاحقا للعمل في قطاعات استراتيجية مثل صناعة الأسلحة والصناعة الفضائية بدل استيراد اليد العاملة المؤهلة من الخارج.
وفي المقام الثاني، دفع الشركات الدولية الكبرى إلى الاستثمار في الولايات المتحدة مباشرة. وهكذا أمام الشروط التي يضعها ترامب، تخطط الشركات الألمانية لصناعة السيارات بفتح مزيد من مصانع لها في الأراضي الأمريكية مثلها مثل الكورية الجنوبية واليابانية. وستصبح كل شركة متعددة الجنسيات أو كبرى ذات حضور معين في السوق الأمريكية ملزمة بفتح مصنع لها في الأراضي الأمريكية إذا أرادت تفادي الرسوم الجمركية. ويهدف هذا إلى التقليل من الواردات واستقبال الاستثمارات، مما سيسمح بتخفيض العجز المالي للبلاد بل والتوفر على فائض مالي.
في المقام الثالث، يبقى الهدف الثالث استراتيجي بامتياز، إذ بدأت إدارة ترامب بإلزام الشركات التي تعمل في المجال الرقمي والصناعة الرقمية مثل التي تنتج «المعالج الدقيق» الذي يتم استخدامه في الصناعات الدقيقة مثل الهواتف والحواسيب والذكاء الاصطناعي والسيارات، ملزمة بإنتاج نسبة كبيرة من احتياجات السوق الأمريكية في الولايات المتحدة. ومن ضمن الشركات التي جرى إجبارها على ذلك، الشركات التايوانية العاملة في مجال «المعالجات الدقيقة». وعليه، ما هي أهمية تايوان بالنسبة للمعالجات الدقيقة؟ تُنتج تايوان أكثر من 60 في المئة من أشباه الموصلات في العالم وأكثر من 90 في المئة من أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم. ويبقى المنتج الرئيسي في تايوان هو شركة تايوان لتصنيع أشباه الموصلات المحدودة «TSMC»، التي تزود شركات مثل Apple وCualcomm وNvidia وتُعد هذه الشركة رائدة عالمياً في تصنيع الرقائق المتطورة، على سبيل المثال لصناعات الطيران والدفاع. ودائما ما يطرح الخبراء المخاطر في هذه الصناعة وتتجلى في أن واشنطن تخشى من قيام الصين فجأة بحصار أو غزو تايوان، ما قد يؤثر على سلسلة توريد أشباه الموصلات. وبالتالي، ستؤدي الحرب بين الصين وتايوان إلى كارثة اقتصادية عالمية لأن الاقتصاد العالمي يقوم في جزء منه على آليات لا يمكنها الاستغناء عن المعالجات الدقيقة.
إن إدارة واشنطن الجديدة ترى أن الحفاظ على الولايات المتحدة كقوة أولى في العالم طيلة القرن الجاري لا يمر عبر شن حروب في الخارج تستنزف المال العام وتنهك الشعب، أو عبر مواجهة صينية-أمريكية لاسيما وأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لم يخوضا أي حرب مباشرة، بل تمر عبر مواجهة المنافسين اقتصاديا. ويتجلى هذا في تقليص ولوجهم إلى السوق الأمريكية من جهة، وجعل الشعب الأمريكي يصنع غالبية ما يحتاجه من استهلاك في شتى القطاعات. ولعل ما يعزز من هذه الاستراتيجية هو توفر الولايات المتحدة على الطاقة وزراعة قوية ومختلف المعادن النادرة ورأسمال بشري كبير.
لقد تمددت الولايات المتحدة بشكل كبير ما بين 1990 إلى 2015 بفضل العولمة، والآن توقع نهاية العولمة نحو عقيدة مونرو جديدة في شقها الاقتصادي بهدف الحفاظ على ريادتها للعالم حتى نهاية القرن الجاري.