تمضي الحرب في السودان إلى مرحلة جديدة في أعقاب استعادة الجيش السيطرة على العاصمة الخرطوم وعموم وسط البلاد مقابل هروب الدعم السريع غرباً نحو أقاليم كردفان ودارفور التي من المتوقع أن تتحول بعض مناطقها إلى ميادين مشتعلة للقتال الذي سيختلف طبيعته باختلاف تضاريس الجغرافيا والأهداف العملياتية.
وشهدت الخرطوم، الأربعاء، انتشاراً مكثفاً للجيش السوداني في الأحياء السكنية والمقار العسكرية والاستراتيجية التي كانت تحت قبضة الدعم السريع وذلك انطلاقاً من عدة جهات نحو شرق وجنوب المدينة فيما لجأت قوات حميدتي للفرار عن طريق جسر خزان جبل أولياء إلى أم درمان ومن ثم إلى كردفان ودارفور غربي السودان.
وفي نهار نفس اليوم، هبطت طائرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش، عبدالفتاح البرهان على مدرج مطار الخرطوم الدولي بعد عامين من اندلاع الحرب وفي إشارة واضحة إلى أن قوات الدعم السريع لم تعد موجودة في العاصمة، وفي تصريح مقتضب قال البرهان: «الخرطوم حرة، انتهى الأمر».
وقادت عملية الانتشار التي نفذها الجيش والهروب من ناحية الدعم السريع إلى السيطرة على معسكر اللواء الآلي مشاة ورئاسة الدفاع الجوي ومعهد الرياضة العسكري ومجمع اليرموك للتصنيع الحربي ومعسكر طيبة التابع للدعم السريع ومعهد الاستخبارات العسكرية وجميع جسور العاصمة إلى جانب خزان جبل أولياء من الناحية الشرقية وقاعدة النجومي الجوية أقصى جنوب الخرطوم.
الدعم تنفي خسارة المعركة
وقال مصدر ميداني لـ«القدس العربي» إن الجيش غنم في عملية الانتشار العسكري بمدينة الخرطوم مئات العربات المدرعات القتالية وعشرات المدافع ومخازن ضخمة للأسلحة والذخائر بالإضافة إلى أجهزة تشويش واتصالات عالية الدقة فضلاً عن إلقاء القبض عن مئات جنود ومرتزقة قوات حميدتي الذين كانوا في الأحياء السكنية وإطلاق سراح ضباط وجنود يتبعون له ومدنيين ومختطفين كانوا في معتقلات الدعم السريع.
ويشار أن التطورات العسكرية الحاسمة في الخرطوم جاءت بعد أقل من أسبوع على اقتحام الجيش للقصر الجمهوري ومقار حيوية ومنطقة السوق العربي في وسط الخرطوم والتي أدت إلى مقتل أكثر 700 مقاتل من عناصر الدعم السريع وتدمير عشرات العربات القتالية حسبما أفاد المصدر الميداني وأكدته مصادر عسكرية.
من جهتها، نفت الدعم السريع خسارتها معركة الخرطوم وقالت إن ما حدث هو إعادة تموضع للقوات وانفتاحها على جبهات القتال بما يضمن تحقيق أهدافها العسكرية التي تقود في النهاية إلى حسم هذه المعركة لمصلحة الشعب السوداني.
وقال مصدر محلي لـ«القدس العربي» إن قوات الدعم السريع التي عبرت خزان جبل أولياء نحو أمدرمان دخلت في اشتباكات مسلحة مع الأهالي في قرى منطقة الجموعية بعد أن حاولت بعض عناصرها مهاجمة البلدات بهدف النهب، كاشفاً عن تدخل سلاح الطيران التابع للجيش وقصف تجمعات الدعم السريع في تلك المناطق ما أدى إلى تقليل تحركاتها ووقوع انتهاكات في حق المدنيين.
بينما قالت تنسيقية لجان مقاومة حي الفتيحاب جنوب أم درمان، إن عناصر الدعم السريع الهاربة من الخرطوم اقتحمت قرى الجموعية ـ الغماراب وبركة الغربية والمقداب والغرزة الجنوبية والحاجاب ـ في الريف الجنوبي للمدينة ومارست انتهاكات واسعة بحق المواطنين.
ورغم انتشار الجيش وفرض سيطرته على مدينة الخرطوم إلا أن الدعم السريع ما زالت تحتفظ بعدة مناطق في أمدرمان ـ ثالث مدن العاصمة ـ تحديداً في حارات أمبدة ومنطقة دار السلام غربي المدينة وصالحة جنوباً فضلاً عن سيطرتها على طريق الصادرات الواصل إلى مدينة الأبيض ومن ثم غرب السودان.
تحول ميزان القوى
ضابط رفيع في الجيش السوداني قال لـ«القدس العربي» إن قواتهم والأجهزة النظامية الأخرى والمستنفرين تستعد خلال الساعات أو الأيام القادمة لبدء حملة انتشار واسعة في أحياء غرب وجنوب أمدرمان وتأمين المواقع العسكرية ومداخل المدينة وطريق الصادرات التي تحت سيطرة الدعم السريع.
وأضاف: «بالتزامن ستتحرك قوات الجيش في منطقة العرشكول بولاية النيل الأبيض لتحرير محلية أم رمته المتاخمة للخرطوم والالتقاء مع قوات الجيش التي سوف تنتشر من أمدرمان جنوباً».
وعن التحولات التي حدث في ميزان القتال لصالح الجيش بالخرطوم يقول الضابط: «الذي حدث أن الجيش امتص الصدمة عند اندلاع الحرب وظل يدافع عن مقاره العسكرية وبعض المواقع الاستراتيجية في الشهور الأولى وظل يخوض معارك استنزاف لقوات العدو قبل أن يتحول لمرحلة لاحقة متعلقة بالقيام عمليات عدائية والسيطرة على مناطق حاكمة وصولاً إلى تنفيذ خطة العزل والتطويق التي أوقعت خسائر في صفوف الدعم السريع وأجبرتها على الفرار».
ووفقاً للضابط، سيسعى الجيش إلى الانتقال مباشرة إلى استعادة مدينة بارا بولاية شمال كردفان وإحكام السيطرة على طريق الصادرات وبالتزامن الدفع بمزيد من التعزيزات العسكرية إلى بقية المناطق في كردفان ودارفور.
ورأى أن المعارك في كردفان ودارفور مختلفة عما كان عليه الحال في الخرطوم بسبب طبيعة ميدان القتال المنبسط دون عوائق جغرافية أو عمرانية مثلما كان في العاصمة ما يتيح للجيش استخدام سلاحي المدفعية والمسيرات بصورة أكثر كفاءة بالإضافة إلى الخبرات الطويلة التي يتمتع بها قبل اندلاع هذه الحرب بالقتال في بيئات مشابهة.
وأوضح أن الهدف العملياتي اختلف لدى الجيش، فقد زال مهدد وخطر ابتلاع الدولة بالكامل وتفتيتها كذلك وأصبحت المعارك أشبه بالمطاردة، بالمقابل خسر الدعم السريع قضيته «المزعومة» في إرجاء البلاد وأصبح يرفع شعارات مناطقية وهو في موقف دفاع على مستوى القتال.
وتسيطر الدعم السريع على أجزاء واسعة في ولايتي شمال وغرب كردفان كما تتواجد في بعض أجزاء ولاية جنوب كردفان، ونجح الجيش قبل أسابيع في فك الحصار عن مدينة الأبيض وإرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إليها، كما يحتفظ أيضا بقوات أخرى في مدينتي النهود وبابنوسة.
ويتوقع خبراء عسكريون أن يسعى الجيش خلال الفترة المقبلة إلى استعادة مدينة بارا والوصول إلى منطقتي الخوي والدبيبات التي تعد من النقاط المهمة قبل الربط بين قواته الموجود في النهود في غرب كردفان والدلنج في جنوبها.
وفي سياق مسرح العمليات العسكرية في كردفان يجدر الإشارة أن قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان عبدالعزيز الحلو، المتحصن بعدد من المواقع في ولاية جنوب كردفان وإقليم النيل الأزرق، وقّع مؤخراً في نيروبي اتفاقاً سياسيا ودستورياً وعسكرياً مع الدعم السريع يقضي بالانخراط المشترك في القتال وتحقيق بعض الأهداف السياسية وهو يثير مخاوف لدى البعض بتعقيد الصراع وإشعاله بصورة غير مسبوقة.
المحلل العسكري حسام الدين ذوالنون قال لـ«القدس العربي»، إن الدعم السريع تلقى هزائم متلاحقة منذ أواخر العام الماضي بدأت من منطقة جبل موية وسنار ومروراً بمدينة ود مدني ومصفاة الجيلي للبترول وأخيراً الخرطوم وهي سلسلة مترابطة من العمل الدؤوب والجهد العسكري المخطط له لتحقيق غايات عسكرية وسياسية تخدم بقاء الدولة السودانية.
وأشار إلى أن الدعم السريع الفارة من جحيم الخرطوم ليست لديها القدرة على تشكيل تهديد يدعم تأجيج الصراع بدارفور وكردفان، مبيناً أن الجيوش المهزومة من الصعب عليها إعادة تنظيم نفسها وترتيب هياكلها لتقوم بتنفيذ عمليات عسكرية مضادة ناجحة وأن كان هذا الأمر من الصعوبة بمكان تحقيقه لدى قوات نظامية محترفة فهو ضرب من المستحيل أن تحقق «ميليشيات قبلية تمتهن النهب والسرقة كدافع ومحرمات أساسية لقتالها».
ورأى أن أقصى ما يمكن أن تفعله الدعم السريع سواء في دارفور أو كردفان هو نهب كل من يرميه حظه العاثر في طريق هروبها.
وأوضح ذوالنون، أن العمليات العسكرية التي سوف يتم تنفيذها الأسابيع المقبلة في كردفان ودارفور هي عمليات ذات طبيعة مختلفة في دوافعها فما تم خلال العامين الماضيين هو إفشال المشروع الاستعماري السياسي الإقليمي بينما الحرب القادمة هي إفشال المشروع الاستيطاني الغرب أفريقي أو كما يقول ـ مؤكداً أن ميزان القوة يميل الآن بصورة كاملة لصالح الدولة السودانية.
وقال إن وجود متغيرات غير محسوبة وادراك الدعم السريع ومنظريها لسوء ميزان المعركة هو ما دفعهم للضغط وإغراء عبدالعزيز الحلو للانضمام إلى تحالف مع حميدتي وهو أكبر خطأ أرتكبه الحلو، مبيناً أن الحلو تنكر لإرث الجيش الشعبي بجبال النوبة وأدبياته السياسية والاجتماعية ومبررات استمرارهم في القتال.
وأضاف قائلاً: «تحالف الدعم السريع مع الحلو هو مُسكن لضمان تدفق الدعم السريع الإماراتي عبر جنوب السودان لكل من غرب وجنوب كردفان لكن لن يكون مصير هذا التحالف أفضل مما مضى فهما إلى زوالـ«.
الفاشر مخاوف ودعوات
أما في تطورات ومآلات العمليات العسكرية في دارفور، فقد سيطرت قوات الدعم السريع الأسبوع الماضي على محلية المالحة في شمال دارفور بعد أن حشدت لها مئات العربات القتالية المحملة بالجنود والذخائر وانخرطت في قتال عنيف مع الجيش والقوة المشتركة للحركات المسلحة.
وتعد المالحة مدينة استراتيجية وستقود سيطرة الدعم السريع عليها إلى ضمان وصول القوات من تشاد عبر معبر أدري وتدفق الأسلحة إلى محيط مدينة الفاشر إلى جانب السيطرة على مورد مالي مهم بسبب تدفق التجارة الحدودية بين السودان وليبيا.
وفي الأثناء، تواصلت المعارك في داخل الفاشر وبالرغم من تقدم الجيش وقوات الحركات المسلحة في عدد من مناطق المدينة إلا أنها لا تزال تشهد قصفا متواصلا بالمدفعية الثقيلة والمسيرات ومعاناة في الأوضاع الإنسانية.
وقالت الفرقة السادسة بالفاشر في آخر تحديث لها، إن مضادات الدفاع الجوي أسقطت 7 طائرات مسيرة استهدفت مواقع تمركز الجيش بالمدينة وبالتزامن نفذ سلاح الجو غارات دقيقة في محيطها أسفر عن تدمير ناقلة شحن محملة بعتاد حربي ودراجات نارية ومعدات طبية تتبع للدعم السريع.
وأعلنت كذلك عن تدمير 5 مركبات قتالية وجرارين أثناء محاولة الفرار من جنوب الفاشر ما أدى إلى مقتل أكثر من 20 من قوات حميدتي وإصابة آخرين.
من جانبه، قال رئيس حركة جيش تحرير السودان بقيادة مناوي في شمال دارفور، محمد آدم أحمد لـ«القدس العربي» إن الفاشر أفضل حالا مقارنة مع أوقات سابقة وإن دفاعات الجيش تقدمت في بعض المحاور مع تراجع الدعم السريع، لافتاً إلى أن فك الحصار عن المدينة «بات قاب قوسين أو أدنى» وأن القوات ستنطلق منها لتحرير بقية مناطق دارفور.
وفي إطار انتقال المعارك بكلياتها إلى دارفور وغرب السودان، تعالت أصوات بعض السياسيين من ضمنهم قيادات في قوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي ـ نادت بضرورة وصول الحركات المسلحة لاتفاق مع الدعم السريع يجنب الإقليم الدخول في حرب أهلية وعدم ما اسمتها «الإنجرار في مخططات فلول النظام البائد»، كذلك أبدت أصوات أخرى مخاوفها من حدوث إمهال من قبل المركز بعد استعادة الخرطوم للمعركة في دارفور ما يقود إلى تزايد في الضحايا والخسائر.
إلى ذلك قال رئيس حركة تحرير مناوي في الفاشر: «عند اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع قيمنا الصراع وتوصلنا أنه ليس بين قوتين متساويتين وإنما عدوان من قوى غاشمة ممثلة في الدعم السريع ضد الشعب السوداني وهي نفس القوة التي احتلت بيوت المواطنين وسيطرت على المؤسسات العامة ودمرتها وقتلت الأطفال والعجزة لذلك اخترنا طريق الحق والوقوف مع الشعب السوداني في مواجهتها».
وتابع: «الحرب وحدت الوجدان السوداني وليس لدينا أي مخاوف من المركز والمركز نفسه لدينا فيه قيادات». ولفت إلى أن الدعوة للوصول إلى صيغة خاصة مع الدعم السريع ومناصفة حكم الإقليم فكرة طرحت من قبل في انجمينا أيام الحرب الأولى لكن رفضها حاكم إقليم دارفور كذلك اعيد طرحها في منطقة شنقل طوباي وبحضور عبدالرحيم دقلو قائد ثاني الدعم السريع ورفضت أيضا من قبل قادة القوة المشتركة للحركات المسلحة».
وأردف: «أما حول ما يدور عن مؤامرة الفلول نحن نرى أن الدعم السريع هو الابن الأكبر للنظام البائد الذي تم إسقاطه عبر ثورة ديسمبر وصعود قوة وطنية». وتوقع آدم أحمد، أن تنهار الدعم السريع في دارفور كما حدث في الخرطوم بصورة مفاجئة.