الرباط ـ «القدس العربي»:
يشهد المغرب تحولات اجتماعية واقتصادية ملحوظة، تنعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة الأسر، لا سيما في ظل الجهود المبذولة لمكافحة الفقر وتعزيز «الحماية الاجتماعية». ورغم تسجيل تحسن في المؤشرات المرتبطة بالفقر المطلق والهشاشة الاقتصادية، فإن الفوارق الاجتماعية تواصل اتساعها، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة هذه التحولات وأثرها على الطبقة المتوسطة.
ويكشف تقرير حديث صادر عن «المندوبية السامية للتخطيط» (مؤسسة رسمية للإحصاءات والمسوح الاجتماعية والاقتصادية) عن تراجع معدل «الفقر المطلق» في المغرب خلال السنوات الأخيرة، خاصة في الأرياف، بفضل البرامج الاجتماعية والدعم الحكومي. إلا أن الدراسة تسلط الضوء، بالمقابل، على تزايد «الهشاشة»، لا سيما في المدن، مما يطرح تحديات جديدة أمام السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ويستعرض التقرير أبرز ملامح الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأسر المغربية، مستندًا إلى أرقام ومعطيات دقيقة حول مستويات المعيشة والفوارق الاجتماعية، مع تحليل للعوامل المؤثرة فيها، في ظل تأثيرات جائحة «كوفيد-19» والسياسات المعتمدة لمواجهة تداعياتها.
في هذا الصدد، قال عبد العزيز الرماني، الباحث في الاقتصاد الاجتماعي، إن المغرب استطاع، بفضل السياسات الاجتماعية والدعم الاقتصادي والتغطية الصحية والمساعدات المباشرة، أن يواجه الفقر المطلق بشكل ملحوظ، ما انعكس إيجابًا على مستوى معيشة الأسر الفقيرة.
وأوضح الرماني، في تصريح لـ«القدس العربي»، أن «هناك تحسنًا واضحًا في ظروف الفئات الهشة، حيث أصبحوا يمتلكون وسائل ضرورية مثل الهواتف والكهرباء والماء، كما تحسنت جودة البنيات التحتية والسكن، مما يدل على نجاح هذه البرامج في تحسين مستوى العيش للفئات الفقيرة».
لكن بالمقابل، شدد الخبير الاقتصادي على أن «الدراسة تكشف عن ضبابية كبيرة في وضعية الطبقة المتوسطة، حيث يظهر أنها تتأثر بشكل متزايد، وأن الفجوة الاجتماعية اتسعت، ما يجعل هذه الفئة أقرب إلى التراجع نحو الفقر عوض الصعود نحو مستويات معيشية أفضل».
وأشار الرماني إلى ضرورة «إجراء دراسات إضافية لفهم هذه الديناميكية الجديدة، واقتراح آليات أكثر فعالية لتوزيع الثروات والمداخيل، بما يضمن تحسين معيشة الطبقة المتوسطة، وعدم تركها عُرضة للتراجع الاقتصادي».
وفي سياق متصل، لفت الخبير نفسه إلى أن الفترة التي أجريت فيها الدراسة كانت متأثرة بجائحة «كوفيدـ19»، حيث استفاد الفقراء من دعم استثنائي، ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان هذا التحسن ظرفيًا، أم أنه تحول بنيوي وهيكلي في الاقتصاد المغربي، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث والتحليل.
وكشف «البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر»، المنجز بين آذار/مارس 2022 وآذار/مارس 2023، لدى عينة من 18.000 أسرة تمثل مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية وجميع أقاليم المغرب، أن العدد الإجمالي للفقراء في البلاد بلغ سنة 2022، نحو 1.42 مليون شخص، من بينهم 512 ألفاً في المدن و906 ألفاً في الأرياف.
وسجلت أرقام البحث الصادر عن «المندوبية السامية للتخطيط» انخفاض معدل الفقر المطلق، على العموم، بين سنتي 2014 و2022، حيث انتقل من 4.8 في المئة إلى 3.9 في المئة بعد أن سجل 1.7 في المئة سنة 2019. وشهدت الأرياف الاتجاه نفسه، حيث انخفض معدل الفقر من 9.5 في المئة سنة 2014 إلى 6.9 في المئة سنة 2022. في المقابل، عرفت المدن ارتفاعاً طفيفاً في معدل الفقر، حيث انتقل من 1.6 في المئة سنة 2014 إلى 2.2 في المئة سنة 2022.
أما على مستوى المناطق، في سنة 2022، فسجلت خمس مناطق معدلات فقر تفوق المتوسط الوطني 3.9 في المئة. وتتصدر قائمة هذه المناطق أقاليم فاس- مكناس بمعدل فقر يصل إلى 9 في المئة، تليها كلميم- واد نون 7.6 في المئة، وبني ملال-خنيفرة 6.6 في المئة، ودرعة-تافيلالت 4.9 في المئة، وجهة الشرق 4.2 في المئة.
تزايد حدة الهشاشة
وأفاد التقرير أن عدد الأشخاص الذين يعانون من «الهشاشة الاقتصادية» في سنة 2022، بلغ حوالي 4.75 مليون شخص، من بينهم 2.24 مليون في المدن و2.51 مليون في الأرياف، لافتا إلى أن «الهشاشة» أصبحت ظاهرة تتمركز بالأساس في المدن، ففي سنة 2022، جرى تسجيل أن ما يقارب نصف عدد الأفراد المصنفين في وضعية هشاشة 47.2 في المئة هم من سكان المدن، مقابل 36 في المئة سنة 2014.
ووضعية «الهشاشة» مصطلح اجتماعي واقتصادي يشير إلى الحالة التي يكون فيها الأفراد أو الأسر معرضين لخطر الوقوع في الفقر بسبب ضعف قدرتهم على مواجهة الصدمات الاقتصادية والاجتماعية. هذه الهشاشة لا تعني بالضرورة الفقر المباشر، لكنها تعكس وضعًا غير مستقر قد يؤدي إلى تدهور اقتصادي في حال غياب شبكات الأمان مثل الدعم الاجتماعي أو فرص العمل المستقرة.
وتتجلى وضعية الهشاشة في عدة عوامل، من قبيل: انخفاض الدخل بشكل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية، وغياب الاستقرار المهني أو الاعتماد على مصادر دخل غير مضمونة، بالإضافة إلى ضعف الحماية الاجتماعية، مثل التأمين الصحي أو التقاعد، وأخيرا التعرض لتغيرات اقتصادية مفاجئة مثل الأزمات الاقتصادية أو التضخم.
وفي التقارير الاقتصادية، غالبًا ما يتم قياس الهشاشة بمؤشرات مثل معدل الهشاشة الذي يعكس نسبة السكان الذين قد ينحدرون إلى الفقر إذا لم يتم دعمهم بسياسات اجتماعية مناسبة.
وهكذا، سجل معدل الهشاشة في المغرب ارتفاعاً طفيفاً، حيث انتقل من 12.5 في المئة سنة 2014 إلى 12.9 في المئة سنة 2022، بعدما بلغ 7.3 في المئة سنة 2019. أما في الأرياف، فبقي معدل الهشاشة شبه مستقر، حيث بلغ 19.2 في المئة سنة 2022 مقابل 19.4 في المئة سنة 2014، على عكس المدن، التي سجلت ارتفاعاً في مستوى الهشاشة، إذ انتقل من 7.9 في المئة سنة 2014 إلى 9.5 في المئة سنة 2022.
إلى ذلك، تحسّن المستوى المعيشي للمغاربة بشكل ملحوظ بين 2014 و2019، ثم تباطأ بين 2019 و2022، خلال فترة «جائحة كوفيد»، حيث انتقل متوسط النفقة السنوية للأسر، بين سنتي 2014 و2022، من 76317 درهم (حوالي 7600 دولار أمريكي) إلى 83713 درهم (حوالي 8300 دولار) على المستوى الوطني، وهو ما يعادل 95386 درهم (حوالي 9500 دولار) في المدن و56769 درهم (حوالي 5600 دولار) في الأرياف.
وعلى المستوى الفردي، انتقل متوسط الإنفاق السنوي للفرد من 15876 درهم (1580 دولارا) سنة 2014 إلى 20658 درهما (2060 دولارا) سنة 2022. وباعتبار الأسعار الثابتة، ارتفع الإنفاق السنوي للفرد بمعدل سنوي قدره 1.1 في المئة بين سنتي 2014 و2022، منتقلا من 3.1 في المئة بين سنتي 2014 و2019 إلى ناقص 3.1 في المئة بين سنتي 2019 و2022.
تفاقم الفوارق الاجتماعية
وسجلت المعطيات الرسمية، بين سنتي 2014 و2022، مستوى معيشة فئة 20 في المئة من الساكنة «الأقل يُسراً» ارتفاعاً سنوياً بنسبة 1.1 في المئة. ويُعزى هذا الارتفاع إلى زيادة قدرها 3.9 في المئة خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2019، وانخفاض بنسبة ناقص 4.6 في المئة بين 2019 و2022.
أما بالنسبة لفئة 20 في المئة «الأكثر يُسراً»، فقد تحسن مستوى معيشتهم سنوياً بنسبة 1.4 في المئة خلال الفترة 2014-2022، وذلك بنسبة 2.8 في المئة بين 2014 و2019، فيما عرف انخفاضا قدر بناقص 1.7 في المئة بين 2019 و2022.
وفيما يخص الفئة المتوسطة من السكان، فقد ارتفع مستوى معيشتها بنسبة 0.8 في المئة بين 2014 و2022، حيث شهد ارتفاعا بنسبة 3.3 في المئة بين 2014 و2019، وتراجعا بناقص 4.3 في المئة بين 2019 و2022.
وأفاد التقرير أن الفئات «الأكثر فقرًا» والفئات «الأكثر يُسرًا» عرفت تحسنًا عامًا في مستوى معيشتها، في حين لم تستفد «الطبقة المتوسطة» بنفس الوتيرة سواء من ثمرات النمو أو من سياسات إعادة التوزيع المعتمدة. وفي هذا السياق، تفاقمت الفوارق في مستوى المعيشة، والتي تُقاس بمؤشر «جيني» بين سنتي 2014 و2022، حيث انتقل هذا المؤشر من 39.5 في المئة إلى 40.5 في المئة، بعدما سجل انخفاضا سنة 2019 بلغ 38.5 في المئة.
أما فيما يتعلق بالفجوة بين المدن والأرياف، والتي تُقاس بنسبة متوسط مستوى المعيشة لدى سكان المدن مقارنة بنظرائهم في القرى، فقد ظلت في نفس المستوى خلال سنتي 2014 و2022 (1.9 مرة)، بعد أن تقلصت إلى 1.8 مرة سنة 2019.
تراجع الفقر في الأرياف
وأفادت معطيات البحث الرسمي، بتراجع الفقر متعدد الأبعاد بشكل كبير، حيث انخفضت نسبته من9.1 في المئة سنة 2014 إلى 5.7 في المئة سنة 2022. وقد كان هذا الانخفاض أكثر وضوحاً في الأرياف، حيث تراجع المعدل من 19.4 في المئة إلى 11.2 في المئة، في حين انتقل من 2.2 في المئة إلى 2.6 في المئة في المدن.
وعلى مستوى المناطق، سجلت أعلى معدلات الفقر متعدد الأبعاد بمعدل يفوق 10 في المئة في كل من بني ملال – خنيفرة 11.6 في المئة وفاس – مكناس 10.4 في المئة، حيث تضم المنطقتان حوالي 40.0 في المئة من إجمالي السكان الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد.
وأفادت الأرقام المسجلة أن الرواتب تُعدّ المصدر الرئيسي لدخل الأسر في المغرب، حيث تمثل35.1 في المئة من إجمالي الدخل. وتمثل هذه النسبة 36.4 في المئة في المدن و29.5 في المئة في الأرياف. كما تُشكل التحويلات العمومية والخاصة نسبة 21.3 في المئة من إجمالي الدخل، 22.8 في المئة في المدن و15.1 في المئة في الأرياف.
كما أفرز تحليل محددات تراجع الفقر أن السياسات الاجتماعية التي تستهدف فئة الفقراء مكَّنت هذه الفئة الاجتماعية من الاستفادة من ثمرات النمو. ومن جهة أخرى، فإن تفاقم مؤشر «جيني» والتطور المتواضع لمستوى معيشة «الطبقة الوسطى»، يبرز كذلك ضرورة اعتماد سياسات عمومية لإعادة التوزيع موجهة لهذه الطبقة، بهدف الحد من الفوارق الاجتماعية.
وأشار التقرير إلى أن انعطاف منحى تحسن مختلف المؤشرات ما بين سنتي 2019 و2022، وهي المرحلة التي تميزت بجائحة كوفيد، تستلزم إعادة تقييم مستوى معيشة الأسر من أجل التمييز بين ما يعود في هذا الانعطاف إلى ما هو بنيوي مقابل ما هو ظرفي.
وخلُص البحث الحديث إلى أن المستوى المعيشي للأسر المغربية تحسّن، ولكن من دون أن يصاحب هذه الدينامية تقليص في الفوارق؛ موضحًا أن السياسات الاجتماعية كان لها تأثير ملموس على تقليص الفقر، غير أن الفئات الاجتماعية غير المستهدفة من هذه السياسات ازدادت هشاشتها، مما تسبب في زيادة نسبة الأسر التي تواجه خطر السقوط في الفقر وذلك، ولأول مرة، على صعيد المدن والأرياف على حد سواء.
الحماية الاجتماعية
وشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولات مهمة في مجال الحماية الاجتماعية، حيث تم إطلاق عدة مبادرات وبرامج تهدف إلى تعزيز الولوج العادل للخدمات الاجتماعية وتقليص الفوارق الاجتماعية. وفي هذا السياق، تأتي ورشة الحماية الاجتماعية كمبادرة تسعى إلى تقييم واقع الحماية الاجتماعية في المغرب واستشراف آفاق تحسينها في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
وتهدف الورشة إلى دراسة وتقييم البرامج الحالية للحماية الاجتماعية ومناقشة الإطار القانوني والمؤسساتي للحماية الاجتماعية، واستعراض التحديات التي تواجه تطبيق سياسات الحماية الاجتماعية، واقتراح توصيات لتعزيز فعالية واستدامة الحماية الاجتماعية. ويجري تعزيز هذا التوجه من خلال توسيع التغطية الصحية، حيث يشمل ذلك نظام التأمين الصحي الإجباري، وبرامج التغطية الصحية لفئات محددة مثل برامج الدعم المباشر مثل برنامج تيسير لدعم التعليم وبرامج دعم الأرامل والأشخاص في وضعية إعاقة وأنظمة التقاعد التي تشمل القطاعين العام والخاص، مع توجه نحو توحيد الأنظمة لتوسيع نطاق التغطية وإصلاحات سوق الشغل بهدف تقنين العمل غير المنظم وتعزيز الحقوق الاجتماعية للعمال.
ورغم التقدم المحرز، لا تزال هناك تحديات تعيق تحقيق حماية اجتماعية شاملة ومستدامة، ومن أبرزها ضعف شمولية التغطية حيث لا يزال جزء من السكان خاصة في القطاع غير المنظم خارج نطاق التغطية الاجتماعية والتمويل والاستدامة، حيث تشكل مصادر تمويل البرامج تحديًا خاصة في ظل الضغوط المالية التي تواجه الدولة والتنسيق بين الفاعلين، إذ تبرز الحاجة إلى مزيد من التكامل بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني لضمان تنفيذ فعال للبرامج الاجتماعية.
وانطلاقًا من النقاشات التي شهدتها الورشة، جرى اقتراح مجموعة من التوصيات لتعزيز الحماية الاجتماعية في المغرب، منها توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الصحي الإجباري، وتحسين آليات استهداف الفئات الهشة لضمان استفادتها الفعلية من البرامج الاجتماعية، وتعزيز آليات تمويل مستدامة للحماية الاجتماعية عبر إصلاحات جبائية واستراتيجيات مبتكرة، وتقوية الإطار القانوني لضمان حقوق العمال في القطاع غير المنظم.
التأمين الإجباري عن المرض
وأصدر «المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي» (مؤسسة رسمية) تقريرًا حول الحصيلة المرحلية لتعميم «التأمين الإجباري الأساسي عن المرض» في المغرب، مبرزًا التقدم الذي تحقق في هذا المشروع الطموح، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعترض سبيله. ويأتي هذا التقرير في إطار تتبع السياسات العمومية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، بعد أن تم الإعلان عن هذه الورشة الإصلاحية في الخطاب الملكي لسنة 2020، والذي حدد هدفه في تمكين 22 مليون مواطن من الاستفادة من التأمين الصحي بحلول نهاية سنة 2022.
وأشار التقرير إلى أن عدد المسجلين في نظام التأمين الصحي بلغ 31.8 مليون شخص، ما يمثل نسبة 86.48 في المئة من مجموع السكان، وهو ما يعكس تقدمًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات الماضية. كما تم تحويل نظام «راميد» الخاص بالمساعدة الطبية إلى نظام «أمو-تضامن»، ما أتاح للمستفيدين إمكانية استرجاع جزء من مصاريف العلاج والاستشفاء عند التوجه إلى القطاع الخاص، عوض الاقتصار على المستشفيات العمومية. وشمل التعميم أيضًا فئة المهنيين والعمّال المستقلين من خلال نظام «أمو-العمال غير الأجراء». إلا أن التقرير نبّه إلى التعقيدات التي تعيق تسجيل هذه الفئات في المنظومة الجديدة.
ورغم هذا التقدم، فإن المشروع لا يزال يواجه عدة تحديات، أبرزها أن 8.54 مليون شخص لم يتم إدماجهم بعد في التأمين الصحي لأسباب مختلفة، مثل عدم التسجيل أو عدم أداء واجبات الاشتراك. كما أن نسبة 11 في المئة من المسجلين يعانون مما يسمى «الحقوق المغلقة»، أي أنهم مسجلون في النظام بدون أن يتمكنوا فعليًا من الاستفادة من خدماته.
من جهة أخرى، أظهر التقرير أن استهلاك الخدمات الصحية يتركز بشكل كبير في القطاع الخاص، حيث تستحوذ المصحات الخاصة على أكثر من 90 في المئة من نفقات التأمين الصحي، ما يطرح تحديات على مستوى ضبط التكاليف وضمان التوزيع العادل للخدمات الصحية.
ولاحظ التقرير أن تكاليف العلاج لا تزال مرتفعة بالنسبة للمواطنين، إذ أن نسبة كبيرة من المصاريف الصحية لا يتم تعويضها، وهو ما يحد من الأثر الإيجابي للإصلاحات التي تم تنفيذها حتى الآن. ولتجاوز هذه التحديات، أوصى «المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي» باتخاذ إجراءات لتعزيز فعالية نظام التأمين الصحي، من خلال تحسين الإطار التشريعي والتنظيمي لتوحيد الأنظمة التأمينية المختلفة ضمن نظام موحد وشامل. كما دعا إلى دعم القطاع الصحي العمومي وتحسين جودته لضمان ولوج أكثر عدالة للخدمات الصحية، فضلًا عن تبسيط إجراءات التسجيل وتقليل العراقيل الإدارية والمالية التي تمنع بعض الفئات من الاستفادة من التأمين الصحي.
وأكد التقرير أيضًا على ضرورة ضبط الإنفاق الصحي ومراقبة أداء أنظمة التأمين بهدف الحد من الهدر وضمان استدامة التمويل، مع التشديد على أهمية تعزيز الحوْكمة لضمان تحقيق الأهداف المرجوة من تعميم التأمين الصحي الإجباري. ورغم أن المشروع يمثل تقدمًا اجتماعيًا هامًا، فإن إنجاحه يظل رهينًا بحل الإشكالات البنيوية التي تعترض تنفيذه الفعلي على أرض الواقع.
وعمومًا، ما زال الوضع الاجتماعي في المغرب يشهد تذبذبًا بين التحديات المتفاقمة الناجمة عن تفشي البطالة، وبين المساعي الحكومية الرامية إلى إنعاش سوق العمل وتعزيز فرص التوظيف. فقد أثارت تقارير محلية ودولية حول مؤشرات البطالة والفقر والصحة في عام 2024 جدلًا واسعًا بين الحكومة من جهة، وبين مؤسسات الرقابة والمعارضة من جهة أخرى.
وفي نيسان/أبريل 2024، أبرمت الحكومة المغربية اتفاقًا مع المركزيات النقابية تضمن إجراءات رئيسية لتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعمال في القطاعين العام والخاص. وبموجب هذا الاتفاق، تقررت زيادة عامة في أجور موظفي القطاع العام والمجالس البلدية والمؤسسات العامة ممن لم تشملهم الزيادات السابقة، حيث تُصرف لهم زيادة شهرية صافية بقيمة 1000 درهم (100 دولار أمريكي)، تُوزّع على دفعتين متساويتين. أما في القطاع الخاص، فقد تم الاتفاق على رفع الحد الأدنى للأجور في الأنشطة غير الزراعية بنسبة 10 في المئة، تُطبق على مرحلتين. وبالنسبة للأنشطة الزراعية، فقد تقررت أيضًا زيادة مماثلة بنسبة 10 في المئة.
إلى جانب ذلك، شمل الاتفاق مراجعة الضريبة على الدخل اعتبارًا من كانون الثاني/يناير 2025، بهدف دعم الطبقة المتوسطة عبر رفع الحد الأدنى المعفى من الضريبة من 30 ألفا إلى 40 ألف درهم سنويًا، مما يعني إعفاء الأفراد الذين يقل دخلهم الشهري عن 6000 درهم (600 دولار) من الضريبة. كما تضمنت المراجعة إعادة هيكلة الشرائح الضريبية الأخرى لتخفيف الأعباء عن الطبقة المتوسطة، مما سيؤدي إلى خفض الضرائب بنحو 50 في المئة مقارنة بالمستويات الحالية.
وسجلت صحيفة «العمق» الإلكترونية أن حزمة المبادرات والسياسات التي أطلقتها الحكومة المغربية بهدف تحسين مستوى المعيشة وخلق فرص عمل جديدة، وتحفيز النشاط الاقتصادي، لا يزال تقييم أثرها الفعلي على حياة المواطنين موضع نقاش واسع. ورغم كل تلك الجهود، فإن الفجوة الاجتماعية آخذة في التوسع، ما يعكس الحاجة إلى سياسات أكثر شمولاً لضمان توزيع عادل للثروة وتعزيز استقرار الطبقة المتوسطة. ويبقى التحدي الأكبر تحقيق تنمية مستدامة تُوازن بين تقليص الفقر والحد من الهشاشة المتزايدة.