الإنترنت في أفريقيا: العالمية لمشغلي الهواتف تقترح خفض معايير جودة الخدمة مقابل توسيع أفقي لنطاقاتها

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: اقتراح مثير ذلك الذي تقدمت به الجمعية العالمية لمشغلي الهواتف المحمولة «GSMA» لحل مشكلة انخفاض معدل انتشار الإنترنت في أفريقيا؛ ويتأسس المقترح على تخفيف معايير جودة الخدمة «QoS» كوسيلة لتوسيع التغطية وتسريع الاستثمارات في البنية التحتية.

لكن هذا الاقتراح أثار جدلاً واسعًا عبر بلدان القارة السمراء، بين اتجاهين أحدهما يرى أنه اقتراح مفيد قد يسهم في خفض التكاليف وزيادة عدد المستخدمين، بينما يحذر الاتجاه الثاني من تأثيرات هذا الاقتراح السلبية على جودة الاتصال، حيث أنه قد يربك الاعتماد المتزايد على الإنترنت في الخدمات الرقمية والاقتصادية.
وأمام هذا الجدل يُطرح سؤال كبير: هل يشكل هذا النهج حلًا عمليًا لتعزيز التحول الرقمي في القارة، أم أنه تهديد لجودة الخدمة واستدامة النمو التكنولوجي؟
وخلال السنوات العشر الأخيرة، تعرض العديد من مشغلي الاتصالات في أفريقيا لغرامات بسبب رداءة جودة الخدمة؛ لكن في سوق يواجه تحديات اقتصادية متعددة، يعتبر مشغلو الاتصالات أن هذه العقوبات تشكل عائقًا أمام الاستثمار.
ففي حين تظل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الأدنى عالميًا من حيث معدل انتشار الإنترنت (حوالي 40 في المئة من السكان)، جاء اقتراح الجمعية العالمية لمشغلي الهواتف المحمولة في دراسة بعنوان «تعزيز التحول الرقمي لاقتصادات أفريقيا: وثيقة تحليل ومنهجية»، ليؤكد أن المعايير الصارمة المتعلقة بسرعة الشبكة وموثوقيتها تعيق الاستثمار، خصوصًا في المناطق الريفية وشبه الحضرية.
ووفقًا لهذه التحليلات، فإن مضاعفة متطلبات سرعة الإنترنت قد يؤدي إلى زيادة تكاليف الاستثمار في البنية التحتية بنسبة تتراوح بين 20 و50 في المئة.
وفي المقابل، فإن تخفيف متطلبات موثوقية شبكة الجيل الرابع (مثل خفض الالتزام بجودة الخدمة من 95 إلى 50 في المئة خلال أوقات الذروة) قد يخفض تكلفة توفير الإنترنت عالي السرعة الشامل في أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 30 في المئة. واستنادًا إلى تقديرات صندوق النقد الدولي، تشير الجمعية المذكورة إلى أن تخفيف متطلبات الموثوقية سيؤدي إلى انخفاض التكلفة الإجمالية من 91 مليار دولار إلى 64 مليار دولار.
كما ترى الجمعية أن تخفيف المعايير يمكن أن يجعل الاستثمارات أكثر استدامة، مع ضمان حماية المستهلكين عبر تقديم أسعار أقل. وحسب الدراسة فإن نهجًا أقل صرامة فيما يتعلق بجودة الخدمة قد يؤدي إلى انخفاض أسعار بيانات الهاتف المحمول بنسبة 33 في المئة بحلول عام 2028، وزيادة عدد مستخدمي الإنترنت بنسبة 23 في المئة، مقارنة بالسيناريو الحالي.
كما ستتيح هذه الاستراتيجية لمشغلي الاتصالات نشر شبكات الجيل الخامس «5G» بكفاءة أكبر، إلى جانب توسيع تغطية الجيل الرابع «4G» والحفاظ على خدمات الجيل الثالث «3G» في المناطق الأقل اتصالًا.
وتؤكد الجمعية أن مواءمة معايير جودة الخدمة مع معايير دولية أكثر مرونة قد يعزز الطلب، مما يجعل السوق أكثر جاذبية للمستثمرين.
ورغم وجاهة هذا المقترح فإنه لا يحظى بإجماع واسع، إذ يخشى بعض الخبراء أن يؤدي تراجع جودة الخدمة في النهاية إلى الإضرار بالمستخدمين، خاصة الشركات التي تعتمد على اتصال مستقر.
فمع انتشار الاستخدامات المتطلبة لسعة النطاق العريض، مثل خدمات الفيديو حسب الطلب، والألعاب الإلكترونية، والحوسبة السحابية، يصبح الاتصال الموثوق ضروريًا لضمان تجربة مثالية.
ومن جهة أخرى، يشدد بعض المراقبين على الحاجة الملحة لزيادة الاستثمارات العامة في البنية التحتية للاتصالات، نظرًا لدورها الحاسم في الأمن، والتنمية الاقتصادية، والاجتماعية؛ كما يطالبون بوضع سياسة ضريبية أكثر تحفيزًا لجذب استثمارات مشغلي الاتصالات.
وفي هذا السياق، أشارت الاتحاد الدولي للاتصالات «ITU» في تقرير تحليلي له صدر 2019 إلى أن زيادة معدل انتشار الإنترنت المحمول في أفريقيا بنسبة 10 في المئة قد تؤدي إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 2.5 في المئة.
في ظل الفقر الواسع والافتقار إلى البنية التحتية الرقمية في العديد من دول أفريقيا، يصبح توفير الإنترنت ليس مجرد رفاهية، بل ضرورة تنموية. تعاني القارة من فجوة رقمية متزايدة مقارنة ببقية العالم، حيث إن ضعف الدخل وغياب الاستثمارات الكافية يجعل الحصول على إنترنت سريع ومستقر أمرًا صعب المنال لكثير من السكان، خاصة في المناطق الريفية. في هذا السياق، يبرز مقترح تخفيف معايير جودة الخدمة كحل لخفض تكاليف التوسع وزيادة عدد المستخدمين. لكن هل يُعد هذا النهج حلاً حقيقيًا أم مجرد حل مؤقت قد يكرس تأخر أفريقيا في اللحاق بالثورة الرقمية؟
ويحتاج نقاش قضية خفض جودة الخدمة مقابل توسيع نطاق الخدمة، إلى مراعاة الأولويات الحقيقية للمجتمعات الإفريقية، حيث لا تكمن المشكلة فقط في جودة الاتصال، بل في القدرة على تحمل تكاليفه واستخدامه بفعالية.
فحتى مع انتشار الإنترنت، لا تزال الأمية الرقمية عائقًا أمام الاستفادة منه في التعليم والعمل والخدمات الصحية.
ومن ناحية أخرى، قد يؤدي خفض جودة الخدمة إلى تعميق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، إذ سيتمكن الأثرياء من الحصول على خدمات متميزة، بينما يظل الفقراء محصورين في شبكات بطيئة وغير موثوقة.
وبدلاً من خفض الجودة، تحتاج أفريقيا إلى نموذج تنموي شامل يشمل استثمارات حكومية في البنية التحتية، وتعزيز التعليم الرقمي، وإيجاد حلول تمويلية مبتكرة تمكن حتى الفئات الأكثر فقرًا من الوصول إلى الإنترنت بجودة مقبولة تواكب متطلبات العصر الرقمي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية