يصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب جديد بعنوان «عقيل آغا، سيرة حياة وأعمال عقيل آغا الحاسي» لمؤلفه المؤرخ جوني منصور. يتناول الكتاب عدّة جوانب تاريخية ترتبط بفترة زمنية مفصلية من تاريخ بلاد الشام عموما وفلسطين خصوصا. ونعني بها فترة التقلّبات السياسية التي عصفت بهذه المنطقة في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده مباشرة. وقد شهدت الدولة العثمانية سلسلة من الأزمات الإدارية والاقتصادية والعسكرية، دفعت صنّاع القرار إلى تبني سياسات إصلاحية عرفت بـ»التنظيمات»، وتركت هذه السياسات بعضا من أثر على طبيعة حياة المنطقة سياسيا. لكن كل هذا لم ينقل المنطقة إلى مرحلة أفضل وأكثر استقرارا، إذ ازداد بالمقابل التغلغل الغربي الأوروبي وأيضا الأمريكي، وإن كان أقل، فتراخت يد الدولة في بعض مناحي الحياة، ما أدى إلى ظهور زعماء محليين أخذوا على عاتقهم مسؤوليات الحفاظ على الأمن والهدوء في بعض المناطق، مقابل أتاوات كانوا يجبونها من المواطنين والتجار والسياح الوافدين إلى فلسطين – الأراضي المقدسة في الفترة المشار إليها أعلاه. وكان من بين هؤلاء عقيل آغا من عشيرة الحاسي التي يعود أصلها إلى شمالي ليبيا. وكان زعماء فيها قد انتقلوا إلى مصر ومنها إلى غزّة وبعدها في مطلع القرن الـ 19 إلى الجليل الأعلى في شمالي فلسطين وبعض مناطق الغور ما بين بيسان وإربد.
تمكن عقيل آغا من فهم الروح السياسية وكيفية إدارتها، من خلال تبنيه أساليب ماكرة في خدمة الدولة، وفي الوقت ذاته التحكُّم بالأمن. وأيضا بالتوازي مع ذلك تمكّن من بناء علاقات جيدة مع ممثلي الدول الأجنبية المقيمين في مقرّاتهم في القدس ويافا وحيفا وعكا، وغيرها من مدن فلسطين. ما أكسبه مكانة مرموقة لدى الباب العالي الذي اعتبره خادما أمينا بحذر ما، كعادة الباب العالي في تلك الفترة. وأيضا نال حُظوة لدى شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني في تلك المنطقة، خصوصا أنّه وقف سداً منيعا أمام موجات من المهاجمين للبلدات المسيحية أثناء الفتنة الأهلية التي عصفت بسوريا ولبنان في 1960، ما وفر الأمن والاستقرار للمنطقة، التي أوكلت إليه إدارتها. وبالتالي نال عددا من الأوسمة والنياشين التقديرية من حكومات أوروبية كالنمسا وفرنسا وإنكلترا.
يأتي هذا الكتاب ليغطي الفترة الزمنية المشار إليها من خلال مواكبة سيرة حياة وأعمال عقيل آغا، وكيفية معرفته لإدارة العجلة السياسية بحنكة ودراية. وفي هذا دليل واضح على أنّ حكّاما محليين، على الرغم من بطشهم في أحيان معينة، إلّا أنّهم عرفوا من أين تؤكل الكتف.
يقع الكتاب في 375 صفحة من القطع الكبير