لندن ـ “القدس العربي”:
حذرت صحيفة “وول ستريت جورنال” من عصر ترامب الجديد في الحمائية التجارية، وذلك في معرض إعلانه عن قائمة الدول التي فرض عليها تعريفات جمركية. وقالت إن تفجير التجارة العالمية لها تداعيات لا يعلن عنها ترامب.
وأشارت إلى أن الرئيس ترامب كشف يوم الأربعاء عن رسومه الجمركية الجديدة بمناسبة ما أسماه “يوم التحرير”، وكتبت: “هي خطوة كبيرة أخرى نحو عهد جديد من الحمائية التجارية، وبافتراض نجاح هذه السياسة – ونأمل ألا تنجح – فإن هذا الجهد يمثل محاولة لإعادة تشكيل الاقتصاد الأمريكي والنظام التجاري العالمي”.
قد يتدهور نظام التجارة العالمي إلى سياسات إفقار الجار كما في ثلاثينيات القرن الماضي. وستكون تكلفة فقدان النفوذ الأمريكي باهظة
وقالت الصحيفة إن كل التفاصيل ليست واضحة، ولكن رسوم ترامب الجمركية تبدو “تبادلية” بالإسم فقط. فهو يفرض أولا على كل دولة في العالم تعرفة جمركية أساسية بنسبة 10% لبيعها في السوق الأمريكية. أما بالنسبة لمن يصفها بـ”الجهات الفاعلة السيئة”، فيجمع معدل التعرفة الجمركية التي تفرضها الدولة على السلع الأمريكية، مضافا إليه تقدير عشوائي لتكلفة “تلاعبها بالعملة” والحواجز غير الجمركية. ثم يأخذ هذا الرقم الإجمالي ويطبق نصفه كتعريفات جمركية على صادرات الدولة إلى الولايات المتحدة.
وفرض على الصين تعرفة جمركية بنسبة 34%، لكن أصدقاء أمريكا اليابانيين سيدفعون نفس المبلغ تقريبا، أي 24%. وسيفرض على الاتحاد الأوروبي تعرفة بنسبة 20%، وعلى الهند تعريفة بنسبة 24%.
ووعدت الصحيفة بتقييم الأمر بمزيد من التفاصيل بمزيد في الأيام القادمة، ولكنها ركزت في افتتاحيتها على بعض العواقب التي بدأت تظهر بالفعل في عصر الحمائية الجديد هذا. وحددتها عند هذه النقاط:
أولا: الاقتصاد الجديد يؤدي إلى حالة من عدم اليقين، فالتأثير الاقتصادي الإجمالي لفرض ترامب للرسوم الجمركية غير معروف، لأسباب منها جهلنا بكيفية رد فعل الدول. وإذا حاولت الدول التفاوض مع الولايات المتحدة لخفض الرسوم الجمركية، فقد يكون الضرر أخف. أما إذا كان الرد انتقاميا وواسع النطاق، فقد تكون النتيجة انكماش التجارة العالمية وتباطؤ النمو أو ركودا أو ما هو أسوأ. وسيكون هناك بالتأكيد تكاليف أعلى على المستهلكين والشركات الأمريكية. فالرسوم الجمركية هي ضرائب، وعندما تفرض ضريبة على شيء ما، فإنك تحصل على أقل منها. وسترتفع أسعار السيارات بآلاف الدولارات، بما في ذلك تلك المصنوعة في أمريكا. ويتخذ ترامب قرارا متعمدا بنقل الثروة من المستهلكين إلى الشركات والعمال المحميين من المنافسة خلف جدران التعريفات الجمركية المرتفعة. ومع مرور الوقت، سيعني هذا تآكلا تدريجيا للقدرة التنافسية للولايات المتحدة. فالرسوم الجمركية التي تضعف المنافسة تشجع على أرباح الاحتكار، بينما تقلل من الحاجة إلى الابتكار. وهذه قصة صناعتي الصلب والسيارات الأمريكيتين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل أن تكشف المنافسة العالمية عن عيوبهما.
ثانيا: ستضر التعريفات الجمركية بالصادرات الأمريكية. ولطالما كان توسيع أسواق السلع والخدمات الأمريكية هدفا تجاريا أمريكيا راسخا. وقد سعت إدارات كلا الحزبين إلى إبرام صفقات تجارية، ثنائية ومتعددة الأطراف، لتحقيق ذلك. وتقول شركة “أبولو غلوبال مانجمنت” إن 41% من إيرادات شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تأتي من الخارج. وبالتالي فإن التعريفات الجمركية أحادية الجانب التي اتخذها ترامب، تقوض هذه الاتفاقات وتستدعي إجراءات انتقامية. وستعاني الصادرات الأمريكية بشكل مباشر من الرسوم الجمركية الانتقامية، كما ستعاني بشكل غير مباشر مع إبرام دول أخرى اتفاقيات تجارية تمنح معاملة تفضيلية للشركات غير الأمريكية. ولننظر إلى الطفرة التي حققتها البرازيل في فول الصويا بعد الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصين في ولايته الأولى.
ترامب يعتقد أن جاذبية السوق الأمريكية والقوة العسكرية الأمريكية كافية لإخضاع الدول لإرادته. لكن القوة الناعمة مهمة أيضا
ثالثا: ستؤدي قرارات ترامب إلى مستنقع واشنطن الكبير، ذلك أن الرسوم الجمركية تفرض تكاليف سترغب الشركات في تجنبها. وبالتالي، ستكون بمثابة ربح غير متوقع لجماعات الضغط في واشنطن، حيث تسعى الشركات والدول للحصول على إعفاءات من ضريبة الحدود هذه أو تلك. ويقول ترامب إنه لن تكون هناك إعفاءات جمركية. لكن انظروا إلى هذا الوعد وهو يتلاشى، حيث يرى السياسيون، بمن فيهم ترامب، في الإعفاءات وسيلةً للاستفادة من مساهمات الشركات في الحملات الانتخابية. فـ”يوم التحرير” هو يوم شراء يخت آخر للمستنقع.
رابعا: تعلم التعريفات الجمركية على نهاية للقيادة الاقتصادية الأمريكية العالمية. وقد لعبت بريطانيا هذا الدور خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الحرب أضعفتها لدرجة أنها لم تستطع الاستمرار به. ولم تتول الولايات المتحدة زمام القيادة إلا بعد فترة الكساد الاقتصادي العظيم والحرب العالمية الثانية. وقد أثمرت الزعامة الأمريكية وقرارها نشر التجارة الحرة سبعة عقود من الازدهار المتزايد في الداخل والخارج. وظلت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مستقرة عند حوالي 25% لعقود، حتى مع صعود وهبوط الصناعات.
وينتهي هذا العصر الآن، حيث يتبنى ترامب رؤية أكثر تجارية للمصلحة الذاتية الأمريكية. ومن المرجح أن تكون النتيجة أن كل دولة ستعتمد على نفسها، حيث تسعى الدول إلى تقسيم الأسواق العالمية ليس بناء على كفاءة السوق، بل على تحقيق مكاسب سياسية. وفي أسوأ الأحوال، قد يتدهور نظام التجارة العالمي إلى سياسات إفقار الجار كما في ثلاثينيات القرن الماضي. وستكون تكلفة فقدان النفوذ الأمريكي باهظة، مع أن ترامب يعتقد أن جاذبية السوق الأمريكية والقوة العسكرية الأمريكية كافية لإخضاع الدول لإرادته. لكن القوة الناعمة مهمة أيضا، وهذا يشمل القدرة على الثقة بأمريكا كحليف موثوق وشريك تجاري. ومن هنا يحطم ترامب هذه الثقة بمعاقبته الحلفاء وإلغاء اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا التي تفاوض عليها في ولايته الأولى.
تمثل الرسوم فرصة الصين الكبرى. وتكمن المفارقة الكبيرة في تعريفات ترامب الجمركية في أنه يبررها جزئيا بأنها أداة دبلوماسية ضد الصين
خامسا: تمثل الرسوم فرصة الصين الكبرى. وتكمن المفارقة الكبيرة في تعريفات ترامب الجمركية في أنه يبررها جزئيا بأنها أداة دبلوماسية ضد الصين. ومع ذلك، في ولايته الأولى، تخلى عن اتفاقية التجارة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ التي استثنت الصين. ومنذ ذلك الحين، أبرمت بيجين اتفاقيتها الخاصة مع العديد من تلك الدول. وبالتالي يمنح هجوم ترامب على التعريفات الجمركية الصين فرصة أخرى لاستخدام سوقها الكبير للتودد إلى حلفاء أمريكا. وتعتبر كوريا الجنوبية واليابان الهدفان الأوليان، لكن أوروبا مدرجة على قائمة الصين. إن توثيق العلاقات التجارية مع الصين، وسط شكوك حول الوصول إلى السوق الأمريكية، سيجعل هذه الدول أقل ميلا للانضمام إلى الولايات المتحدة لفرض ضوابط على تصدير التكنولوجيا إلى الصين أو لحظر شركة “هواوي” التالية.
وتعلق الصحيفة أن ما سبق ذكره، ليست قائمة شاملة، لكنها قدمت لتحفيز التفكير، في الوقت الذي يبني فيه ترامب عالمه الحمائي الجديد. فإن إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي له عواقب وخيمة، وقد لا ترقى جميعها إلى ما يروج إليه ترامب بأنه “عصر ذهبي” جديد.