حقول الموت في غزة: نتنياهو وجد في الاحتلال الدائم مهربا وتأخيرا ليوم الحساب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لم تغير إسرائيل استراتيجيتها الحربية في غزة والضفة وسوريا ولبنان، والقائمة على التدمير والقتل العشوائي والتشريد، وكأن إسرائيل في لعبتها الانتقامية قد أدمنت على رؤية الدم العربي مسفوحا، بدون أن يكون هناك أي هدف، سوى التشريد وإرضاء نزعات مجموعة متطرفة باتت تسيطر على القرار السياسي والعسكري فيها.
وتمضي إسرائيل في هجمتها الانتقامية وسط عالم منشغل في أزماته الكثيرة التي خلقها ساكن البيت الأبيض، دونالد ترامب الذي أعلن يوم الأربعاء عن قائمة من الدول التي فرض عليها جميعا تعرفة جمركية أساسية بنسبة 10 في المئة وزاد وخفض حسبما يريد المعاقبة والضغط، وهو ما أسماه «يوم التحرير» وأطلق عليه الخبراء الحماقة والجهل بالنظام العالمي.

التدمير

ويبدو أن إسرائيل بنيامين نتنياهو وشلته من المتطرفين وأمريكا التي تزعم أنها قائدة للنظام العالمي «الحر» متفقون على نقطة واحدة وهي التدمير. ولعل الحملة العسكرية الأمريكية في اليمن صورة عن غياب الهدف الواضح أو الرغبة في تحقيق هدف سوى إظهار القوة، فمسؤول في إدارة ترامب نصح الدول التي عاقبها بالرسوم الجمركية وطلب منها عدم الممانعة والرد، بل والتفكير وأخذ نفس عميق قبل أن ترد. لكن الصين لم تستمع للنصيحة وفرضت عقوبات ضريبية بالمثل.
يعتقد ترامب أن «الصدمة والترويع» للأصدقاء والأعداء ستجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، مع أن المعلقين يرون أنه سيجعل الصين التي كانت هدفا مستمرا للعقوبات والمنافسة «عظيمة مرة أخرى». وبنفس السياق وجد نتنياهو نفسه ضيفا على رئيس وزراء المجر، العنصري فيكتور أوربان، الزعيم الوحيد الذي فرش السجاد الأحمر، للمطلوب من العدالة الدولية، ولكنه فعل هذا بعدما قررالخروج من المحكمة الجنائية الدولية التي وجهت إلى نتنياهو اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وانتهز رئيس الوزراء الزيارة للحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما يريد، فهو يعتقد واهما أن الحرب هي الكفيلة بتحقيق أحلامه. إلا انه بدون استراتيجية واضحة وتعامل مع الأطراف في الصراع فإنه لن يتوصل إلى تحقيق أهدافه.
ويرى اليوم أن الحل الوحيد لغزة هو احتلالها من جديد. وفي بداية الحرب، قال نتنياهو إنه يريد تدمير حماس وسحقها حتى لا تكون قادرة على تهديد إسرائيل من جديد. واليوم يقول إنه يريد انتزاع أراض جديدة من غزة للضغط على حماس كي تسلم ما تبقى لها من أسرى. لكن إسرائيل احتلت كل القطاع ومارست عليه حصارا من العصور الوسطى ولم تستطع هزيمة حماس او استعادة أسراها، فكيف سيحقق نتنياهو أهدافه اليوم بقضم المزيد من أراضي غزة وتشريد سكانها في دوامة من العذاب لا تنتهي؟

تأخير يوم الحساب

وفي مقال نشرته صحيفة «الغارديان» (3/4/2025) قالت سنام وكيل الباحثة في تشاتام هاوس بلندن، إن خيار الحرب وبالضرورة احتلال غزة ما هو إلا محاولة من نتنياهو تأخير يوم المحاسبة على الفشل الإستراتيجي بمنع هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر وحرف النظر عن مشاكله القانونية. واللافت أن وزير الدفاع إسرائيل كاتس، أعلن عن احتلال المزيد من الأراضي في غزة، ضمن استراتيجية جديدة للضغط على حماس كي تسلم ما تبقى لديها من أسرى. وكانت إسرائيل قادرة على الحصول على ما تريد لو مضت في تطبيق المراحل الثلاث لاتفاقية الهدنة التي تفاخر ترامب بأنه صانعها ووالدها الشرعي. والغريب أن ترامب نسي الهدنة وزاد من شحن القنابل والمساعدات العسكرية إلى إسرائيل. وتقول وكيل إن هذا التصعيد، الذي بدأ في منتصف آذار/مارس بغارات جوية مكثفة، يهدف إلى تشجيع نزوح جماعي للسكان المحليين وأدى إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين. وتضيف أنه على الرغم من الاستنكار الدولي لسقوط أكثر من 50.000 قتيل و110.000 جريح من المدنيين ونزوح كبير للفلسطينيين، تبرر الحكومة الإسرائيلية هذه الخطوات بأنها ضرورية للأمن في مواجهة حماس التي لا تهزم.
وتعلق وكيل أن أفعال إسرائيل تهدد في نهاية المطاف، مفاوضات وقف إطلاق النار الهشة وكذا مصداقيتها الأوسع وآمالها الأوسع في عملية سياسية لإنهاء الصراع.
وفي الواقع تقول وكيل إن المفاوضات هي السبيل الوحيد القابل للتطبيق نحو الاستقرار والأمن. مضيفة أن إسرائيل وجدت أن «إكمال المهمة» لن يتم إلا من خلال الاحتلال. وبينما تصر إسرائيل على أنها لا تسعى إلى حكم دائم في غزة، فإن عملياتها تشير إلى تحول كبير نحو سيطرة طويلة الأمد على الأمن في القطاع. وتوصلت إسرائيل إلى فكرة أن الاحتلال المادي هو الطريقة الوحيدة للتأكد من عدم تجميع حماس نفسها من جديد. ولعل ما يهم في الخطط الإسرائيلية هي أنها محاولة للهروب من استحقاقات سياسية، ورفض لليوم التالي. فمستقبل غزة كما يراه نتنياهو هو الاحتلال. وكان لافتا رفضه وأمريكا الخطة العربية التي قدمت في آذار/مارس، والتي شملت تنازل حماس عن السلطة لحكومة تكنوقراط انتقالية بينما يتم إصلاح السلطة الفلسطينية.
وبرفضها الالتزام بإنهاء رسمي للصراع، علاوة عن مناقشة اليوم التالي، تعمل إسرائيل بوضوح على استخدام الضغط العسكري لفرض نهايتها غير المعروفة.

جرائم الحرب

وفي غياب الرد الدولي والإقليمي تواصل إسرائيل ارتكاب جرائم في غزة في حرب لا تريد نهايتها. وذكرت صحيفة «الغارديان» (3/4/2024) أن الإفلات من العقاب في قتل الفلسطينيين لن يقود إلا لمزيد من المجازر، مشيرة لمجزرة عمال الإنقاذ والخدمة الصحية الفلسطينية، حيث تشتد وتيرة الحرب مجددا ويقتل أو يشوه ومنذ أن استأنفت إسرائيل ضرباتها العنيفة الشهر الماضي، 100 طفل في اليوم وذلك حسب تقارير الأمم المتحدة. وقالت إن قتل إسرائيل لـ 15 مسعفا وعامل إنقاذ فلسطيني أمر مرعب جدا. ورغم وفاتهم في 23 آذار/مارس، فقد استغرق الأمر أياما حتى سمحت إسرائيل بالوصول إلى الموقع الذي عثر فيه على جثث المسعفين، حسب الأمم المتحدة. واعتبرت قتل المسعفين جريمة حرب لأن القتل جرى من مسافة صفر ولأن عمال الخدمة الصحية محميون بالمعاهدات الدولية. وكعادتها بررت إسرائيل أن من كانوا في سيارات الإسعاف، هم مقاتلون من حماس والجهاد الإسلامي، إلا أن الناجي الوحيد كذب الرواية الإسرائيلية. فما حدث هو عملية إعدام خارج القانون.

استهداف الجميع

وليس غريبا على إسرائيل أن تقوم بهذا، فمنذ بداية الحرب استهدفت النظام الصحي ودمرت معظم مستشفيات القطاع، وقتل أكثر من 1.000 مسعف في جميع أنحاء غزة، وفقا لتحقيق أجرته صحيفة «الغارديان»، وتقول منظمة الصحة العالمية إن حوالي 300 من الكوادر الطبية قد اعتقلوا. وقد وصف العديد منهم لاحقا التعذيب والضرب والتجويع والإذلال. وروى الأطباء الذين تطوعوا في غزة اعتداء ممنهجا على مؤسسات الرعاية الصحية وشخصيات المجتمع المحترمة العاملة في هذا القطاع. ولكن إسرائيل لا تهتم بهذا، فقد شجع ترامب كل من يعارض المحكمة الجنائية الدولية، وجرأ اليمين المتطرف على مواصلة حملات التطهير العرقي، عندما تحدث عن السيطرة على غزة وتحويلها إلى ريفييرا الشرق الأوسط. وفي عصر يشجع فيه زعيم أقوى دولة في العالم على التطهير العرقي ويزدهر فيه الإفلات من العقاب، ستتضاعف الجرائم. وستظل غزة وتدميرها علامة على ارتكاب كل المحرمات وتحقيق «الأوائل» في القتل والتجويع وقهر السكان وتدمير كل شيء. والغريب أن إسرائيل وبعد أكثر من عام ونصف، لم يعد لديها قائمة أهداف للضرب، وهو ما يقوله الجنرالات. وأشارت في هذا السياق دراسة أجرتها جامعة براون الأمريكية أن استهداف إسرائيل للصحافيين والعاملين في الإعلام هو الأسوأ في تاريخ الحروب، منذ الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام وحرب أوكرانيا. وكشفت دراسة جامعة براون «ثمن الحرب» إن حوالي 232 صحافيا قتلوا في الحرب على غزة. وفي لعبة المقارنة نرى أن ما قتل في الحربين العالميتين من الصحافيين لم يتجاوز الـ 69 صحافيا و 19 صحافيا في حرب أوكرانيا. وأشارت الدراسة أن الأرقام المهولة تظهر أن إسرائيل تقوم بحرب لا هوادة فيها ضد الصحافة والإعلام.

قنابل أمريكية

قدم الصحافي نيكولاس كريستوف في صحيفة «نيويورك تايمز» (2/4/2025) جردة فيما قدمته أمريكا لإسرائيل كي تواصل حربها ضد أطفال غزة وبعيدا عن رؤية الكاتب لجانبي الصراع وميله لوضع الطرفين في سلة واحدة، إلا أنه أشار لثمن الحرب، ففي غزة اليوم أعلى نسبة من الأطفال مبتوري الأطراف في العالم، وفقا للأمم المتحدة، ومع ذلك خرق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقف إطلاق النار الأولي، متحديا الرأي العام بشأن القضية الوحيدة التي يبدو أن معظم الإسرائيليين والفلسطينيين يتفقون عليها: وجوب انتهاء الحرب. وطالما بقي نتنياهو في السلطة ولم تهزم حماس فستستمر الحرب.
ونقل كريستوف عن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك قوله: «يبدو أن إسرائيل ستوسع نطاق العملية»، مضيفا أنه يشك في أنها ستحقق هدفها المفترض المتمثل في جعل حماس أكثر مرونة في المفاوضات – لكنها ستعرض الأسرى للخطر. وحذر باراك من أن إسرائيل قد ترتكب «خطأ تاريخيا فادحا» بإعادة احتلال غزة بشكل كبير والبقاء فيها على المدى الطويل. وأشار كريستوف إلى أن الولايات المتحدة توفر القنابل التي تزن 2000 رطل والتي يستخدمها نتنياهو لتحويل المباني والناس إلى غبار و«هذا يمنحنا نفوذا للضغط من أجل إنهاء هذه الحرب. نحن لا نستخدم هذا النفوذ» كما يقول.
والسؤال هو كيف تستجيب أمريكا لهذه المعاناة غير المبررة في غزة، التي وصفتها اليونيسف بأنها «أخطر مكان في العالم على الأطفال»؟ شحن الرئيس ترامب 1.800 قنبلة أخرى من هذا النوع، وزنها 2.000 رطل، إلى إسرائيل، واقترح إخلاء غزة من سكانها فيما قد يرقى إلى مستوى التطهير العرقي.
وبعد حديثه عن صدمة هجمات 7 اكتوبر على إسرائيل تساءل كريستوف عما حققه كل هذا القصف؟ لقد تدهورت قدرة حماس القتالية كثيرا، لكن إسرائيل لم تحقق أيا من هدفيها الأساسيين من الحرب: استعادة جميع الأسرى وتدمير حماس. إلا أن الحرب حققت شيئا واحدا: لقد أبقت نتنياهو في منصبه، فاستمرار الحرب يصب في مصلحته، على الرغم من أن 69 في المئة من الإسرائيليين يقولون إنهم يريدون منه إبرام صفقة لإعادة جميع الأسرى وإنهاء الحرب. ويقول كريستوف إن الأمريكيين الذين نزفت قلوبهم من أجل 1.200 إسرائيلي قتلوا في هجوم حماس غالبا ما اعتادوا على مشاهدة مقتل 50.000 فلسطيني في غزة. وأشار إلى تهديد كاتس، من أن غزة قد تواجه «أبواب جهنم»، وهو ما يبدو محقا. كما هدد بضم أجزاء من غزة إذا لم تفرج حماس عن الأسرى. فهل هذه حقا قضية ينبغي على الولايات المتحدة إمدادها بالسلاح؟

ترويع الفلسطينيين

لكن هذا لا يهم، فهو جزء من حرف العالم نظره عما يجري من فظائع في الأراضي الفلسطينيية المحتلة. وقال المحامي والباحث في القانون الدولي ودرس 40 عاما في جامعة برنستون ريتشارد فولك، إن اضطهاد إسرائيل للفلسطينيين لم يعد مغلفا بالضرورات الأمنية بقدر ما أصبح حديثا واضحا عن طردهم لتحقيق حلم إسرائيل الكبرى. وأشار في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (31/3/2025) إلى تقرير عن العنف الجنسي الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ومنذ هجمات 7 أكتوبر 2023. وقال إن الجرائم التي استخدمت فيها إسرائيل العنف الجنسي، هي جزء واحد من الإبادة الإسرائيلية في غزة.
وأشار في معرض حديثه إلى فيلم حظي بمشاهدة واسعة في امريكا بعنوان «8 أكتوبر» والذي استند على المزاعم التي قالت إن حماس ارتكبت عنفا جنسيا أثناء هجومها على إسرائيل. وأضاف أن الفيلم الذي يركز على معاداة السامية التي زادت في الأشهر التالية للهجوم في الجامعات الأمريكية ما هو إلا دعاية مكشوفة. فهو يؤيد هدف إسرائيل في إبادة حماس، بما في ذلك استخدام تكتيكات قتالية تعتبر على نطاق واسع إبادة جماعية، تستهدف جميع سكان غزة المدنيين.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الفيلم عن أحداث يوم واحد إلا أن تقرير الأمم المتحدة يتحدث عن أحداث فترة كاملة منذ بداية الحرب. ويعتمد «8 أكتوبر» على اتهامات إسرائيلية لم يتم التحقق منها، أما تقرير الأمم المتحدة فيقوم على دراسة متمعنة للأدلة والتي تجاهلها الغرب بشكل عام. ولا يتم الوصول للأدلة عن جرائم إسرائيل في الغرب بسبب الرقابة الذاتية المنهجية، والتي لا شك أنها ناجمة ــ على الأقل بشكل غير مباشر ــ عن الولاءات الواسعة النطاق المؤيدة لإسرائيل في الحكومات الغربية، كما يقول. وفي الوقت الذي عرض فيه فيلم «8 أكتوبر» في 100 دار عرض أمريكية، لم يجد فيلم «لا أرض أخرى» الحائز على أوسكار من يوزعه.
ويمتد التحيز إلى التلفزيون والمنصات المطبوعة، ولهذا السبب لم تعر وسائل الإعلام اهتماما كبيرا للرواية الموثقة التي أوردتها الأمم المتحدة عن الاعتداء الجنسي المنهجي على المعتقلين الفلسطينيين، في حين أعطت الأولوية للروايات غير المؤكدة عن سوء معاملة الأسرى الإسرائيليين. وفي الغالب ما يغذي القادة السياسيون الغربيون هذه المعايير المزدوجة في الخطاب العام، مقلدين دعاية إسرائيل، ويفرضون قيودا صارمة على التعبير والاحتجاج المؤيد للفلسطينيين. ويساعدنا هذا الجو المتحيز على فهم سبب وجود هذه الفجوة المعرفية وفي الوعي فيما يتعلق بالإجرام الإسرائيلي.

تصيد الناشطين

ولعل ما يجري في الأوساط الجامعية الأمريكية وما نسمعه كل يوم عن اعتقال وملاحقة طلاب وأساتذة واستخدام إدارة ترامب معاداة السامية من أجل السيطرة على الجامعات الأمريكية، يعطي صورة عن محاولة إسرائيل السيطرة على الخطاب العام المتعلق بفلسطين. فرسالة عيد وجهها عمدة لندن المسلم، صادق خان، تعرضت للنقد، لأنه فشل، حسب السفارة الإسرائيلية، في شجب حماس بل وتبنى دعايتها عندما تحدث عن مقتل أكثر من 50.000 فلسطيني وعشرات الألاف في السودان. وكان خان يتحدث عن فرحة العيد المنقوصة بسبب ما يجري في فلسطين والسودان. لكن إسرائيل والمؤيدين لها، حاولوا التأكيد على سطوتهم وأنهم يتحكمون بالرواية. والغريب لجوء إسرائيل القوية التي تقاتل كما يزعم نتنياهو على سبع جبهات ولديها أقوى جيش في منطقة الشرق الأوسط وتحظى بدعم غير مشروط من أمريكا والغرب بعامة، إلى الدفاع عن روايتها وتظهر حساسية من أي شيء ناقد لها، وتشعر أنها بحاجة إلى جيش من اللوبيات على جانبي الاطلنطي. ولعل الجواب كامن في كتاب مهم عن اللوبيات نيابة عن إسرائيل في أمريكا وبريطانيا، أصدره العام الماضي المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه. وهو بحث يعود إلى أصول الفكرة الصهيونية والدعاية التي تعود إلى عدة قرون، كما أنها تعبير عن عدم ثقة قادة الصهيونية وإسرائيل اليوم ببراءة مشروعهم على أرض فلسطين. ولهذا تلجأ إسرائيل واللوبيات للاستعانة بأي جهة حتى المعادية للسامية من أجل تأكيد روايتها. ولعل زيارة نتنياهو إلى المجر واستقباله من زعيم معروف بمعاداته للسامية، صورة عن هذا. ففي صحيفة «واشنطن بوست» (1/4/2025) تحدث كاتب عن موقف رابطة مكافحة التشهير، وهي جماعة موالية من إسرائيل وتقدم نفسها على أنها مدافعة عن الحريات المدنية، عن اعتقالات ناشطين مثل محمد خليل وبدر خان سوري والطالبة في جامعة تافتس، روميسا أوزتير، ومع ذلك صممت على اعتقالهم وبدت مؤيدة لأفعال ترامب وإدارته، فقد كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» (1/4/2025) عن تعميم أرسله وزير الخارجية ماركو روبيو للقنصليات الأمريكية حول العالم طلب فيه البحث في حسابات المتقدمين لطلبات تأشيرات على منصات التواصل الإجتماعي والبحث أن انتقدوا أمريكا أو إسرائيل. وفي الوقت نفسه تواطأت منظمات موالية لإسرائيل في عمليات ملاحقة والتحرش والتشهير بالناشطين في الجامعات الأمريكية وجمعت معلومات عنهم قدمتها للسلطات الأمريكية، كما فعلت منظمة اسمها «بيتار» كي تقوم بترحيلهم، أو اكتفت بوضعها على موقعها في الإنترنت، كما فعل مشروع كناري، وهو ما كشفه موقع «ذي انترسبت» (2/4/2025).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية