هل تلعب تركيا دور العامل المساعد في «تصنيع» العالم العربي؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

في أحوال كثيرة تفتح الأزمات الاقتصادية فرصا جديدة. وربما كانت الأزمة الاقتصادية في تركيا، خصوصا أشد تجلياتها المتمثلة في تدهور سعر الليرة، وتفاقم معدل التضخم، واتساع نطاق البطالة، من أهم العوامل التي تفتح أمام رجال الصناعة الأتراك فرصا جديدة واعدة في جميع أنحاء العالم. ويجب أن نقول هنا إن الصناعة التركية نجحت إلى حد كبير في زيادة الصادرات بمعدلات مرتفعة، ما أسهم في تجنب آلام الأزمة إلى حد كبير، وحققت الصادرات بنهاية العام الماضي رقما قياسيا بقيمة 262 مليار دولار. كما استطاعت أن تضاعف رقم الصادرات الدفاعية، لتتجاوز 7 مليارات دولار. ونظرا لمقومات القرب الجغرافي والثقافي، والتحولات الجيوستراتيجية السريعة والعنيفة في منطقة البحر الأسود وشرق البحر المتوسط، فإن تفاعل هذه المقومات أدى إلى تنشيط العلاقات العربية – التركية بدرجة لم تشهدها منذ نهاية الإمبراطورية العثمانية عام 1920. ومع أن تركيا لم تتنازل عن حلمها الأوروبي، الذي يمثل محورا رئيسيا من محاور حياتها، فإنه أصبح عليها أيضا أن تعيد تفعيل اعتبارات التاريخ والجغرافيا والسياسة التي تربطها بالعالم العربي. وقد بلغ إجمالي التجارة المتبادلة بين تركيا والدول العربية بنهاية العام الماضي حوالي 54.5 مليار دولار مقابل 13 مليار دولار فقط في عام 2004. وهي زيادة ضخمة في تدفقات التجارة بين الطرفين، لكنها لا تزال تشكل نسبة صغيرة تقل عن 10 في المئة من تجارة كل من الطرفين مع العالم. ومع ذلك فإن التجارة العرىية – التركية، باستثناء التجارة النفطية، تميل إلى التركيز على السلع الصناعية ومستلزمات الإنتاج والسلع الغذائية.
وينظر البعض إلى العلاقات العربية التركية عموما من ثقب التاريخ العثماني في المنطقة، ويتخذ من ذلك ذريعة للشك في دورها الإقليمي، خصوصا بعد ثورات الربيع العربي، التي تمكن تيار الإسلام السياسي من ركوبها، وأمعنت إسرائيل والدول الغربية في ربط طبيعتها بهذا التيار. لكن هناك أيضا من يرى أن إعادة تفعيل مقومات الارتباط بين شعوب منطقة شرق البحر المتوسط وشعوب آسيا الصغرى يمثل ضرورة من ضرورات تخليص النظامين الإقليمي والعالمي من التشوهات التي لحقت بهما منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما تلى ذلك بعد المرحلة التي حملت إسم «التحرر الوطني». أخطر وأهم تلك التشوهات تمثلت في قطع روابط الاتصال البري بين بلدان الجزيرة العربية والرافدين والشام ووادي النيل وشمال أفريقيا بالقارة الأوروبية. كانت إسرائيل سببا جزئيا من أسباب هذا الانقطاع وليست كلها، لأن دولا عربية متصلة جغرافيا فشلت في أن تقيم فيما بينها نسقا صحيا للتعاون الاقتصادي، سواء في المشرق أو في المغرب. ومع أن تجربة مجلس التعاون الخليجي تعتبر أنجح تجارب التعاون الإقليمي الفرعي بين الدول العربية، فإنها حتى الآن وبعد أكثر من 40 عاما لم تتمكن بعد من استكمال بناء «الاتحاد الجمركي» فيما بينها.
ورغم أن البحر المتوسط لم يتوقف عن دوره في عملية التفاعل الحضاري بين دول جنوبه وشماله وشرقه، فإن ضعف الاتصال البري، كان ولا يزال عاملا من عوامل انخفاض مستوى العلاقات الاقتصادية العربية التركية لعقود طويلة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وربما كانت تركيا هي البادئة بالعمل على تصحيح هذا الخلل التاريخي. لكن الأهم من ذلك هو ضرورة استمرار عملية تصحيح هذا الخلل لمصلحة شعوب المنطقة على أسس المساواة وتوازن المصالح وتبادل المنافع. الطريق الأقصر إلى تحقق ذلك هو تنشيط وتعميق التجارة والسياحة والاستثمارات الخاصة، مثل شراء المساكن. الطريق الأطول والأبعد مدى والأكثر استدامة هو إقامة شبكة مشتركة من سلاسل القيمة الصناعية والإمدادات بين الدول العربية وتركيا، سواء من خلال اتفاقيات ثنائية أو اتفاقيات متعددة الأطراف. وفي هذا السياق فإن سوريا، إلى جانب العراق، تلعب دورا رئيسيا في تسريع أو إبطاء التعاون العربي – التركي، حيث لعبت لسنوات طويلة دور المعبر البري للتجارة بين تركيا ودول الخليج العربية. ومع بدء الحرب الأهلية في سوريا استخدمت تركيا خط النقل البحري السريع (الرورو) عبر مصر إلى دول الخليج محل الطريق البري السوري الذي لم يكن آمنا لمرور الشاحنات التجارية خلال فترة الحرب الأهلية في سوريا. الخط عمل لمدة عامين تقريبا ثم توقف عام 2015 لمدة تقرب من 8 سنوات ثم عادت إليه الحياة بعد ذلك. وقد أسهم في تعزيز حركة التجارة بين تركيا ودول الخليج وكذلك مع مصر. وفي حال استقرار الأوضاع في سوريا فإن الطريق البري لنقل التجارة بين تركيا ودول الخليج ستعود الحياة إليه هو الآخر.

تنوع هيكل السلع التجارية

يظهر نمط التجارة غير النفطية بين تركيا والدول العربية درجة عالية من التنوع، واتجاها ملحوظا إلى تكريس دور التجارة في خدمة عملية التصنيع، خصوصا بين تركيا وكل من مصر والمغرب، حيث أن تركيا لا تنظر إلى أي من البلدين على أنها مجرد سوق لمنتجاتها، وإنما تعتبرهما أيضا مدخلا مهما إلى أسواق القارة الأفريقية. ونتوقع أن تصبح سوريا في السنوات المقبلة طرفا إضافيا في هذا السياق. وتمثل السلع الصناعية ما يقرب من 90 في المئة من الصادرات التركية بشكل عام. أكبر شركاء تركيا التجاريين في العالم هي ألمانيا حيث بلغت قيمة التجارة المشتركة حوالي 54 مليار دولار عام 2023، أي ما يعادل تجارتها مع كل البلدان العربية، تليها كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. ويعكس نمط التجارة بين تركيا والعالم ثلاث خصائص رئيسية هي غلبة السلع الصناعية على الهيكل السلعي إلى 90 في المئة تقريبا، وغلبة مشاركة تركيا في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، خصوصا في صناعة السيارات، وارتفاع وزن صادرات السلع الغذائية خصوصا مع الدول النامية نظرا لمواردها الكبيرة وتجارتها الواسعة مع أوكرانيا وروسيا ودول سهول الأورال.
وتتنوع تجارة تركيا مع الدول العربية حسب طبيعة اقتصاد الشركاء التجاريين. على سبيل المثال تغلب واردات تركيا من النفط والغاز على تجارتها مع العراق والسعودية، بينما ترتفع نسبة السلع الغذائية في صادراتها إلى دول مثل العراق وسوريا والسودان والصومال، وتزيد نسبة السلع المصنوعة ومكوناتها على الصادرات مع الدول العربية الآخذة بالتصنيع مثل المغرب ومصر. ومن الملاحظ وجود ترابط بين نمط الاستثمار ونمط التجارة. على سبيل المثال فإن الاستثمارات التركية في مصر تتركز في إنشاء صناعات الملابس والأحذية، والعمل على ترابط حلقات سلاسل الإمدادات في صناعات أخرى، وهو ما يعزز الروابط طويلة المدى بين الاقتصاد في الدولتين. كذلك فإن العلاقات الاقتصادية المتنامية بين تركيا والمغرب تؤكد أهمية الدور الذي تلعبه صناعة السيارات الأوروبية في تعزيز عملية التنمية الصناعية، من خلال تدوير العمليات الإنتاجية عبر سلاسل القيمة الصناعية المختلفة. وسوف تصبح الصناعات الدفاعية في السنوات المقبلة مجالا خصبا للاستثمارات المشتركة والتجارة. وتلعب عوامل السوق والتنافسية وتوفر المواد الخام والطاقة والتمويل والخبرة التنظيمية المحركات الرئيسية التي تقود تدفقات التجارة والاستثمار بين تركيا والدول العربية.

لماذا تنتقل صناعات تركية إلى مصر؟

بلغت الاستثمارات التركية في مصر حتى نهاية العام الماضي حوالي 3.5 مليار دولار. ومن المخطط ضخ استثمارات جديدة لا تقل عن 500 مليون دولار هذا العام وفي عام 2026 طبقا لبيانات مجلس رجال الأعمال المصري – التركي المشترك. وتتركز تدفقات الاستثمارات التركية في مصر في مجال التصنيع على عكس نمط تدفقات الاستثمارات الأجنبية من الدول الأخرى. وطبقا لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2019 فإن تدفقات الاستثمارات التركية إلى مصر عام 2016 لم تتجاوز نسبة 0.4 في المئة من إجمالي صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة إلى البلاد، لكن معظم الاستثمارات التركية اتجه إلى قطاع التصنيع، بينما استحوذ هذا القطاع على 3.4 في المئة فقط من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر. قطاع استخراج النفط وحده يستحوذ على أكثر من ثلثي الاستثمارات الأجنبية في مصر. وقد زاد من جاذبية الاستثمارات الصناعية أن مصر ترتبط باتفاقيات تجارية تفضيلية مع بلدان يبلغ عدد سكانها حوالي 1.3 مليار نسمة. وطبقا لمجلس الأعمال التركي- المصري المشترك فإن مصر تعتبر قاعدة توسع للصناعة التركية، تساعد على زيادة مزاياها التنافسية، والتغلب على المشاكل التي تواجهها من حيث ارتفاع تكاليف الإنتاج وعدم اليقين بشأن سلسلة الإمدادات، وبفضل قربها من أوروبا ومزاياها التجارية.
ومع أن إعادة توطين صناعة المنسوجات والملابس التركية في مصر بدأ عام 2011، فإن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في معدل إعادة التوطين، أهمها في قطاعات الأقمشة والملابس الجاهزة والجلود والصناعات الغذائية وصناعات الأجهزة الكهربائية والصناعات المعدنية. وفي قطاع المنسوجات والملابس وحده انتقل 200 مصنع إلى مصر. وكانت الأزمة الاقتصادية في تركيا هي أهم محركات الهجرة الصناعية إلى مصر، بسبب مشاكل أسعار الصرف والتضخم وزيادة الأجور. وتوضح جمعية المصدرين الأتراك أن الأزمة التي تعاني منها قطاعات المنسوجات والملابس الجاهز والجلود أدت إلى انخفاض صادرات الملابس بنسبة 6.9 في المئة في العام الماضي لتصل إلى 17.9 مليار دولار، بينما انخفضت صادرات الجلود بنسبة 17.9 في المئة لتصل إلى 1.5 مليار دولار. ويتفق رجال الصناعة والمصدرون على أن انخفاض الأجور وأسعار مستلزمات الإنتاج والتسهيلات الحكومية في مصر من شأنها أن ترفع درجة تنافسية الإنتاج والتصدير. وتقوم المصانع التركية التي يعاد توطينها بتزويد الصناعة المحلية التركية والمصرية بجزء من احتياجاتها إضافة للتصدير إلى الخارج. وفي السياق نفسه فإن صناعة الجلود والأحذية التركية تشهد حاليا عملية إعادة توطين قوية وسريعة جدا في مصر. وجرى خلال العام الماضي انتقال عدد من مصانع الأحذية التركية إلى مصر، وبدأت فعلا في الإنتاج والتصدير إلى تركيا وإلى أسواق أخرى في المنطقة كانت تعتبر بمثابة أسواق تقليدية للصناعة التركية. وأعلن اتحاد مصنعي الأحذية التركي في رسالة على انستغرام في 24 من الشهر الماضي أن ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة يدفع الشركات لنقل إنتاجها إلى مصر، حيث تكاليف الإنتاج أقل بكثير. ويأتي هذا التحول بعد قطاع الملابس الجاهزة. ما يجعل مصر وجهة صناعية جاذبة للصناعات التركية بشكل عام.
وقد بلغ إجمالي صادرات مصر من المنسوجات في عام 2024 ما قيمته 1.132 مليار دولار، بزيادة قدرها 2 في المئة مقارنة بـ 1.112 مليار دولار عام 2023. وتعتبر تركيا أحد الأسواق الرئيسية لصادرات صناعة الملابس والمنسوجات المصرية التي تتضمن استثمارات تركية كبيرة. وطبقا لإحصاءات العام الماضي، استحوذت الدول الآسيوية، بما فيها تركيا، على 47 في المئة من إجمالي صادرات مصر من الملابس بقيمة 534 مليون دولار أمريكي. وطبقا لبيانات مرصد التجارة العالمي «OEC» لعام 2023 فإن صادرات مصر إلى تركيا تضمنت خيوطا صناعية بقيمة 214.5 مليون دولار، وملابس غير محيكة بقيمة 192.7 مليون دولار، وأليافا صناعية بقيمة 92.2 مليون دولار. كما تضمنت أيضا أجهزة ومعدات كهربائية وإلكترونية بقيمة 174 مليون دولار. إضافة إلى أسلحة وذخائر وقطع غيار معدات عسكرية بقيمة 12.94 مليون دولار.
أما بالنسبة لتجارة الأحذية فقد سجلت بيانات معهد الإحصاء التركي «TurkStat» أن واردات الأحذية التركية من مصر ارتفعت بنسبة 1223 في المئة في كانون الثاني/يناير من العام الحالي مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتصل إلى 794 ألف دولار أمريكي. في الوقت نفسه، استقرت صادرات الأحذية التركية إلى مصر عند 361 ألف دولار أمريكي. ومن المرجح أن تحقق صادرات مصر من الأحذية إلى تركيا في العام الحالي قفزة كبيرة نظرا لأن عددا أكبر من المصانع التركية التي انتقلت إلى مصر في العام الماضي من المقرر أن تبدأ الإنتاج. الروابط التجارية – الصناعية تمتد أيضا إلى صناعات أخرى منها الأجهزة الكهربائية المنزلية، والحديد والصلب، والصناعات المعدنية والهندسية. وشملت صادرات تركيا إلى مصر في عام 2023 معادن ومنتجات معدنية من الحديد والصلب بنسبة تتجاوز 13 في المئة من الصادرات، وأجهزة كهربائية منزلية وسيارات وإطارات مطاط وكربونات بنسبة تصل إلى 9 في المئة. أما أهم الصادرات المصرية فكانت الغاز ومنتجات بترولية مكررة وأمونيا وكربونات بنسبة 40 في تقريبا، ومواد وسيطة لصناعات الأقمشة والملابس بنسبة تصل إلى 13 في المئة. لكن عجز مصر عن تصدير الغاز إلى تركيا أدى لانخفاض قيمة الصادرات المصرية في العام الماضي، بل انها استوردت منتجات بترولية مكررة من تركيا. وتقترب قيمة المبادلات التجارية من 8 مليارات دولار، تسعى كل من مصر وتركيا إلى مضاعفتها تقريبا بنهاية العام القادم.

الروابط الصناعية التركية – المغربية

تزيد قيمة الاستثمارات التركية في المغرب على 4 مليارات دولار. وتتركز هذه الاستثمارات في صناعات السيارات والصناعات الدفاعية والملابس، إضافة إلى صناعة البناء والخدمات اللوجستية. أما على صعيد التجارة فقد بلغت قيمتها في العام الماضي أكثر من 5 مليارات دولار، منها صادرات تركية إلى المغرب بقيمة 3.4 مليار دولار وفقا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة. ويرتبط البلدان باتفاقية تجارة حرة مشتركة. وتعمل في المغرب أكثر من 160 شركة تركية في مجالات الصناعة والتجارة والإنشاءات، توفر ما يقرب من 8 آلاف فرصة عمل للمواطنين مغاربة. وتستحوذ السيارات ومكوناتها على حوالي 27 في المئة من صادرات تركيا إلى المغرب. في حين أن صادرات المغرب إلى تركيا تتنوع بين الأسلاك المعزولة بنسبة 40.4 في المئة، والسيارات بنسبة 14.2 في المئة، والأسمدة الفوسفاتية والكيميائية ومكوناتها بنسبة 25.8 في المئة. وتعتبر صناعة الطائرات المسيرة أحدث مجالات الاستثمارات التركية في المغرب. كذلك ترتبط تركيا بعلاقات تجارية – صناعية قوية مع الدول العربية الخليجية. وتبلغ الاستثمارات الخليجية في تركيا حاليا ما يتراوح بين 13 إلى 15 مليار دولار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية