إليزابيث باريت براوننغ: شاعرة الحب والحرية في العصر الفيكتوري

ترجمة وتقديم: شاكر لعيبي
حجم الخط
0

كانت إليزابيث باريت براونينغ (Elizabeth Barrett Browning)‏ (1806- 1861) من أبرز شعراء العصر الفيكتوريّ، كاتبة ملتزمة ذات ثقافة موسوعية. كانت أشعارها هي الأكثر شعبية في إنكلترا والولايات المتحدة، خلال فترة حياتها التي قامت أثناءها بنشر الكثير من أشعارها، كما قام زوجها روبرت براونينغ  الشاعر الإنكليزي (1812-1892) بنشر بقية أشعارها بعد وفاتها.
شعرها المنشور في عام 1844 جعل منها أشهر المؤلفين في عصرها، الأمر الذي حمّس روبرت براونينغ لمراسلتها ليخبرها عن تقديره لشعرها، ترتّب عنه لقاء بينهما في 1845. تلك المراسلات بينهما اعتبرت من أشهر النصوص «الغزلية». كانت أشعارها تشي بتفرّد في الأسلوب، وثراء في المخيّلة وتكشف عن تفاصيل تلهب المشاعر، ومنها حبها للشاعر روبرت براوننغ.
ولدت اليزابيث باريت في كوكسهو هول في مقاطعة درم، لأب هو أدوارد مولتون باريت صاحب مزرعة. كانت أكبر أخواتها الاثنتي عشرة. ورغم اعتلال صحتها ورهافة جسدها، فإنها كانت تتسم بذكاء يفوق مرحلتها العمرية. وكانت تقضي أيامها في المنزل تَدْرس اللغات وتقرأ الأدب والفلسفة والتاريخ وتكتب الشعر.
قرأتْ شكسبير والإلياذة والأوديسة، بترجمة ألكسندر بوب (1688ـ 1744)، وتاريخ إنكلترا واليونان وروما، وقصيدة «الفردوس المفقود» لميلتون، كل ذلك قبل سن العاشرة. عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، كتبت قصيدة ملحمية هي «معركة ماراثون Marathon»، في أبيات متناغمة. وقام والدها بنشرها في عام 1819 على نفقته الخاصة، عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وقد علّقت فيما بعد على هذا العمل الأول بالقول: «تمّت إعادة كتابة هوميروس بوب مرة أخرى، أو بالأحرى تمّ التراجع عنها».
خلال فترة مراهقتها، درست معظم المؤلفات اليونانية واللاتينية عبر نصوصها الأصلية، بالإضافة إلى كتاب الجحيم لدانتي. كما دفعها هذا التوجه الفكري إلى تعلم اللغة العبرية، لتتمكن من قراءة العهد القديم. كما أنها اهتمت بكتّاب عصر التنوير، وبالثوريّ الأمريكي توماس باين Thomas Paine وفولتير وجان جاك روسو. وقد دفعها هذا الوعي إلى الاهتمام بالمشاكل التي كانت يومها من المحرّمات في إنكلترا الفيكتورية، مثل مشاكل حقوق الإنسان، والموقف غير المعتاد تجاه المرأة، حيث ناقشته في مراسلاتها مع ماري وولستونكرافت Mary Wollstonecraft، أول كاتبة نسوية حازمة في المملكة المتحدة مؤلفة «دفاعاً عن حقوق المرأة» عام 1792.
انقلبت حياة اليزابيث باريت رأسا على عقب، عندما أصيبت في نهاية مراهقتها بالشلل، ربما بسبب مرض نفسيّ جسدي، وتفاقم الأمر بفقدان والدتها في عام 1828، وفوق كل ذلك الوفاة المأساوية لشقيقها المفضّل إدوارد في عام 1840. ثم عاشت منعزلة في غرفتها في المنزل ذي العنوان الذي حاز شهرة كبيرة، في ما بعد، وهو (50 شارع ويمبول) في لندن، مع أب كان مستبدا تجاه أطفاله، وكان ينوي فرض العزوبية عليهم.
في حوالي سن العشرين، أصبحت إليزابيث باريت صديقة لجارين عجوزين، وهما عالمان متخصّصان في اللغة اليونانية القديمة، أوفيدال برايس، من منظّري مفهوم «الطبيعة الخلابة»، وكان عمره أكثر من ثمانين عاما، وهيو ستيوارت بويد، وهو أيضا متقدّم في السن وكفيف. وحافظت على مراسلات منتظمة معهما وكان بويد هو الذي شجّعها على استئناف دراستها لليونان القديمة. وبناء على توصيته، كرّست نفسها لدراسة هوميروس وبندار وأريستوفانيس، والكتاّب التراجيديين الكبار مثل، سوفوكليس، خاصة إسخيلوس فقامت بترجمة مسرحيته «بروميثيوس مُقيّداً» التي نُشرت عام 1833. وكانت تهتم أيضا بالمؤلفين المسيحيين البيزنطيين. وبعد مرور بضع سنوات واصلت عملها وفقا لذوقها الأدبيّ والفلسفيّ. وكان افتتانها الفكري بالكلاسيكيات والميتافيزيقيا مقترنا بهوس ديني وصفته لاحقا بأنه «ليس القناعة العميقة للمسيحي المعتدل، بل [ميلاً] للرؤى الجامحة [للمؤمنين] المتحمسين». وينبع هذا الحماس من العقيدة الميثودية، التي تنغمس فيها عائلتها والتي يلعب والدها فيها دوراً بارزاً. والميثودية أو المنهجية أو المنهاجية، طائفة مسيحية بروتستانتية، ظهرت في القرن الثامن عشر في المملكة المتحدة على يد جون ويزلي، وانتشرت في بريطانيا ولاحقا من خلال الأنشطة التبشيرية في المستعمرات البريطانية حتى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت موجّهة بشكل أساسي للعمّال والفلاحين والعبيد.
أدت أعمال الشغب في جامايكا في أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر، إلى حشد المثقفين في إنكلترا والولايات المتحدة ضد نظام العبودية. ولعبت جماعات مثل الكويكرز في أمريكا الشمالية وجمعية إلغاء العبودية في بريطانيا دوراً حاسماً في رفع مستوى الوعي، من خلال الالتماسات العامة وحملات المقاطعة وتوزيع الوثائق التي تصف وتوضح أحياناً ظروف العبيد على متن سفن العبيد ومزارعهم. ألغت بريطانيا العبودية عام 1833. ومع ذلك، ورغم أن قانون إلغاء العبودية كان بمثابة نهاية لتجارة الرقيق، فإنه لم يحرّر بعد العبيد الذين كان يتم الاتجار بهم عملياً. كان هذا التحرير تدريجياً، وتم التفاوض عليه بشراسة في البرلمان البريطانيّ. وكانت أوروبا القارية متخلفة عن الركب، فلم تتبع فرنسا مثال إنكلترا إلا في عام 1848، وكانت الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن الاستعداد لتغيير نظامها.
إليزابيث باريت، التي كانت من أشدّ المعجبين بهارييت بيتشر ستو (1811-1896)، التي نُشرت روايتها «كوخ العم توم» في عام 1852، خاضت هذه المعركة بشغف ولم تتوقف قط عن الدفاع بشراسة عن قضية إلغاء العبودية بشكل كامل ونهائي، وهو ما يفسّر سبب نشرها في عام 1849 قصيدة أخرى حول هذا الموضوع «العبد الهارب في نقطة بيلغريمز»، وهي مونولوج دراميّ لعبدة مغتصَبة، تنتهي بها الحال إلى قتل طفلها الأبيض حديث الولادة.
بعد استقرار الشاعرة وأطفالها في شارع ويمبول 50 في عام 1838 نشرت ديوان «السيرافيم [الملائكة] وقصائد أخرى». وهذه أول مجموعة تحمل اسمها، وتعتبر أفضل أعمال بداية نضجها. ثم نشرت أعمالها «رواية مارغريت» و»رواية الصفحة» و»نذر الشاعر» وغيرها. وقد تراسلت مع العديد من المشاهير في عصرها، مثل والتر سافاج لاندور Walter Savage Landor (1777-1864)، وويليام ووردزورث (1770-1850). وفي لندن قابلت الناظم جون كينون John Kenyon (1784-1856) الذي جذب انتباه الشخصيات الأدبية المعروفة إلى أعمالها، وعُرف بأنه راعي وعرّاب روبرت براونينغ. ورغم أنها كانت قد نشرت أشعارا في فترة باكرة من عمرها، فإن أول عمل لها أثار اهتمام الجمهور كان ديوانها «الملائكة [السيرافيم] وقصائد أخرى» الذي كان موضع مديح كتّاب المراجعات الأدبية في المجلات الذين وصفوا كاتبته بأنها «أهمّ الشعراء الشبّان الذين نعقد عليهم آمالا كبارا». وعندما لقي أدوارد أكبر أخوتها الذكور الذي كانت تكنّ له حبا كبيرا مصرعه غرقا، كان للحادث كبير الأثر في تدهور صحتها. لكنها استمرت في كتابة الشعر طوال هذه الفترة المعتمة من حياتها. وفي عام 1844 نشرت ديوانها «قصائد» الذي حقق شهرة واسعة.
في عام 1845 شرع روبرت براوننغ، الذي كان شعره موضع إعجاب اليزابيث في مراسلتها بإيعاز من صديقهما المشترك الراعي جون كينون، وسرعان ما تم اللقاء بين اليزابيث وبراوننغ وتزوجا في عام 1846 وسافرا إلى أوروبا. وبعد أن قضى الزوجان فترة قصيرة في فرنسا، رحلا إلى إيطاليا حيث استقرا في مدينة فلورنسا. في عام 1849 رزقا بطفل ذكر.
نشرت اليزابيث الجزء الثاني من ديوان «قصائد» عام (1850) تضمّن سونيتات شعرية مترجمة من البرتغالية، كما سجّلت فيه تفاصيل العلاقة الرومانسية بينها وبين براوننغ، وحبها الناشئ والمنتصر آنذاك له. أما روايتها الضخمة ذات الروح الشعرية «أورورا لي» (1856) التي تغلب عليها نزعة عاطفية مفرطة، فقد حظيت بالمديح لما اتسمت به من عاطفة جيّاشة وحيوية ذهنية، وفيها تتناول قضايا تاريخية واجتماعية وسياسية، ولكنها تتتبع أيضا الرحلة الشخصية والفكرية والأخلاقية لفنّانة تطالب بأنوثتها واستكمال موهبتها. كتبت في «أورورا لي» إنها «تكرّس نفسها للتحليل والمواجهة والتساؤل والتعبير عن اضطراب أو نشوة قلبها». ورغم ما عرض له النقاد من مثالب كبيرة في حبكة الرواية ورسم الشخصيات والمذاق الأدبيّ، فقد كانت اليزابيث في هذه الفترة تضمّن أشعارها تمهيديات لآرائها الاجتماعية، إلا أن شعرها اتخذ منحى جديدا، وبدأ ينضح باهتمامها المتزايد بالأحوال السياسية، فأصدرت أول ديوان يتناول الأوضاع السياسية في إيطاليا، ويحمل عنوان «نوافذ منزل غويدي Casa Guidi Windows» (1851)، إلا أنه أثار انتقادات عنيفة. كان لاهتمام اليزابيث المحموم بالسياسة تأثير ضار، في ما يبدو على صحتها، فقد أزعجها كثيراً نبا وفاة كاميلو كافور، المناضل الوطنيّ الإيطاليّ في أوائل شهر يونيو/حزيران من عام 1861، وهو الشهر نفسه الذي شهد وفاتها في فلورنسا. في عام 1862، صدر ديوانها المعنون «قصائد أخيرة». ومنذ وفاتها صدرت عدة مجلدات تحتوي مراسلتها وخطاباتها التي تفيض بالحيوية الآسرة.
كامليو باولو فيلبو كونت كافور (Camillo Paolo Filippo Giulio Benso conte di Cavour)‏ أو كما هو معروف كافور (1810 – 1861)، هو رئيس وزراء مملكة سردينيا ولاحقاً رئيس وزراء مملكة إيطاليا، يعزى إليه توحيد إيطاليا.

شظايا حول فن الشعر:
«ساحرة، وعلّامة، وشاعرة، وحالمة، وبقية [أخرى]».
في الغالب تصف نفسها، في «أورورا لي» رواية إليزابيث باريت الشعرية عام 1856، القصيدة مكتوبة بالشعر المرسل blank verse.

«العبقرية المرِحة تناسِب العصر، وكل الشعراء الحقيقيين يضحكون بلا توقف مثل شكسبير والأرباب».

«ومن ثم يسألني الناس عما أعنيه بـ»الكلمات المُخرَّقة [المُمزّقة]». آمل أن تكون أنت من بين الستة الذين فهموا كلياً أو جزئيا «نذر الشاعر» الخاص بي، هذا إذا ما قرأته. توقف العم هيدلي لفترة طويلة عند الجزء الأول. لكنني كنت أقرأ أيضا «المخرّبين» مسرحية شيريدان نولز. إنها مليئة بالعاطفة والشفقة، وجعلتني أذرف الكثير من الدموع».
جيمس شيريدان نولز Sheridan Knowles (1784 – 1862) كاتب مسرحي وممثل أيرلندي، واصل تقديم مسرحيات من أنواع مختلفة، مثّل فيها بنفسه. وباعتباره من المتحمسين لشكسبير، واصل، دون أن يفتقر إلى الأصالة، تقاليد هذا المعلم العظيم.

«إن الدين المسيحي إما أن يكون صادقاً أو لا يكون، وإذا كان صادقاً فإنه يقدّم لنا أسمى وأنقى الأشياء للتأمّل. والملكة الشعرية التي تعبّر عن أسمى حالات العقل تنتقل بشكل طبيعي إلى أسمى الأشياء. من يستطيع أن يفصل بين هذه الأشياء؟ هل فعل دانتي؟ هل فعل تاسو Tasso؟ هل فعل بترارك؟ هل فعل كالديرون Calderon؟ هل فعل تشوسر Chaucer؟ هل فعل شعراء أفضل أيامنا البريطانية؟ هل امتنع أي منهم عن ذكر الأسماء الإلهية عندما حانت الفرصة؟ كان تشوسر، بكل ما يتمتع به من روح مرحة وضحكة مدوية، ينطق باسم يسوع المسيح والله على شفتيه كما ينطق الطفل باسم والده. تقولون «إن ديننا ليس حيوياً بما فيه الكفاية». سامحوني، هذا اعتراف بالخطأ، وليس حجة. وإذا كان الشاعر شاعراً، فإن عمله هو رفع وتنقية العقل العام، وليس من أجل [الترويج] لشعبيته! في حين أنه إذا لم يكن شاعراً، فإن أي تضحية بالاحترام الذاتي لن تصلح لتعويض القدرة المعيبة، وينبغي لها أن لا تصلح»

«لقد مرّ يومان فقط منذ تلقيتُ رسالة ـ ليس من متعصّب ـ تلوم شعري على عدم كونه مسيحياً بالقدر الكافي، وهذه ليست المرة الأولى ولا الثانية التي أتلقى فيها مثل هذا اللوم. أقول لك هذا لأفتح إمكانية وجود جانب آخر للمسألة، وهو ما يجعل منها مُثلّثاً، كما ترى!»

«عندما يَمنح بشرُ واقعٍ مكثّفٍ، كما يجب أن يكون جميع الشعراء الكبار، قلوبَهم ليتمّ دوسها، وربطها في المنعطف، من قبل رجال يرتدون أقنعة، سيكون هناك تعذيب إذا لم يكن تدنيس».

«حسنا، لقد أصبحتُ على تواصل أعمق مع روبرت براوننغ، الشاعر والصوفيّ، وأصبحنا أصدقاء حقيقيين للغاية.»

«لأثبت لك أنني كنت أهتم بالشعر وما أزال، وأنني مؤخراً لم أكن غير فاعلة تماما، سأرسل إليك مجلة «أثينيوم» التي تحتوي على قصيدة حول موضوع إزالة رماد نابليون. إنه موضوع يناسبك أكثر مما يناسبني. نابليون ليس قدوتي. لم أجعل منه قط «شمساً تغرب».
أثينيوم Athenaeum : مجلة أدبية وسياسية صدرت في لندن من عام 1828 إلى عام 1921، وكانت معروفة بنشر أفضل كتّاب عصرها. في عام 1921 أصبحت تُعرف باسم «الأمة والأثينيوم».

«في آخر طرد بريدي أمريكي، تلّقيتُ رسالتين، إحداهما من شاعر من ماساتشوستس، والآخر من شاعرة. الرجل هو السيد لويل، والشاعرة هي السيدة سيجورني، التي تقول إن صوت شعري يحرّك «الغابات الخضراء العميقة في العالم الجديد»، وهو ما يبدو لطيفا، أليس كذلك؟».
تقصد غالبا بالسيد لويل الشاعر جيمس روسل لويل James Russell Lowell (1819ـ 1891) وأنها تقصد بالسيدة سيجورني Mrs. Sigourney الشاعرة الأمريكية ليديا هانتلي سيغورني (1791ـ 1865)، شاعرة ومؤلفة وناشرة أمريكية.

«بالمناسبة، أتمنى أن يكون لديك بعض التعاطف مثلي والاحترام لملك فرنسا ـ ذلك الملك الملكيّ الحق، لويس فيليب. لو كان في فرنسا المزيد من الحرية، لما رفضها، وبصرف النظر عن كل الصفات الملكية الحقيقية فيه، فهو أنبل ملك في أوروبا، ووفقا لفكرتي هو الملك الأكثر ملكية في تشجيع الفن والأدب، وفي تكريم الفنانين والأدباء. لو أن كاتبا شابا غير معروف أنجز تراجيديا ناجحة، فسيجلس في اليوم التالي على طاولة الملك، ليس استعارياً، بل وجهاً لوجه. انظر إلى اختلاف الأمر في بلاطنا، حيث يُقاد الفنانون عبر سلّم الخدمة الخلفيّ، وحيث لا يستطيع أي شاعر الدخول (حتى من سلم الخدمة)، إذا لم يكن محظوظا بما يكفي ليكون مصرفيا أيضا. ما فائدة الملوك والملكات في هذه الأيام إلا تشجيع الفنون والآداب؟ حقًا لا أستطيع أن أرى [غير ذلك]».

«أما في ما يتعلق بارتداء شارة حزب ما، سواء في السياسة أو الدين، فيمكنني أن أقول إنني طيلة حياتي بعيدة عن الرغبة في مثل هذا الأمر. ثم إن الشعر يتنفس هواءً خارجيا آخر. لا توجد مجموعة سياسية من أي نوع يمكنني الموافقة عليها إذا حاولتُ».
….
«أرسل لي السيد [إدغار آلان]ٍ بو اليوم مجلدا يحتوي على قصائده وحكاياته المُجمّعة، لذا يجب أن أكتب الآن وأشكره على إهدائه. أتساءل ماذا نقول عندما يناديك إنسان «بأنك أنبل بني جنسك»؟ «سيدي، أنت الأكثر تميّزا في بني جنسكَ».

«إن قصائدي، على الرغم من كونها مليئة بالعيوب، أتقدم إلى نقّادي وأعترف لهم [بذلك]، فهي تحمل قلبي وفيها حياتي: فهي ليست قشورا فارغة.. لقد قمتُ بعملي، حتى الآن، بصفته ليس مجرد عمل يدويّ وذهنيّ بعيد عن الوجود الشخصيّ، بل باعتباره التعبير الأكثر اكتمالاً عن ذلك الوجود الذي يمكنني الوصول إليه، وكعمل أقدّمه للجمهور؛ أشعر بعيوبه أكثر من قرّائي».

عن معنى ودلالة الشعرية عند إليزابيث باريت براوننغ
كتبت الناقدة كاتلين واينن Kaitlyn Waynen الأستاذة في جامعة تكساكس، مقالة تحت عنوان « التطوّر الشعريّ لإليزابيث باريت براوننغ من «رؤيا الشعراء» إلى «أورورا لي»، نقتطف منها:
«كانت إليزابيث باريت براوننغ مهتمة بشدّة بهدف [غرض] الشاعر. ولم تدافع فقط عن أهمية الشعر بشكل عام؛ وكتبت أيضا عن معنى أن تكون شاعرة أنثى ومكرّسة للشعر الدينيّ. نُشرت رواية «أورورا لي» في عام 1856، واعتبرتها تحفتها الفنية. تقدّم أورورا لي تفصيلات عن التطور الشعريّ لشخصيتها الرئيسية وتتضمن تأملات حول أهمية الجمع بين العمل الاجتماعيّ والفن، والتواضع والحكمة، والسماء والأرض. يتتبع القارئ أورورا في رحلتها من أفكارها المثالية المتعالية والأخلاقية حول كونها شاعرة إلى إدراك الحاجة إلى التعاطف والعلاقات في الشعر. ويمكن اعتبار كتاب «رؤيا الشعراء A Vision of Poets» لإليزابيث براوننغ، والذي نُشر عام 1844، أي قبل «أورورا لي» بأكثر من عشر سنوات، انعكاسا لمواقف أورورا المبكرة المتعالية بشأن مهنة الشاعر. تدور القصيدتان حول رحلة شاعر خياليّ، وتقدّمان تأملات فلسفية حول الشاعر المثاليّ، أمران كانا يعتبران مهمّين للغاية بالنسبة لإليزابيث براوننغ في وقت نشرهما. عند مراجعة «رؤيا الشعراء» جوار «أورورا لي»، يمكننا الحصول على لمحة فريدة عن تقييم إليزابيث لذاتها ونضج أفكارها حول هدف الشاعر. ومن أجل رسم خريطة لهذا النضج، سوف نفحص موضوعات التسامي والطبيعة في كل قصيدة وكيفية تحوّلها من «رؤيا الشعراء» وصولا إلى «أورورا لي». وأخيراً، فإن اعتراف إليزابيث بعيوبها وقدرتها على تغيير فلسفاتها دون خجل عند الوقوف عند هذه العيوب يمكن أن يرشدنا عن فن القراءة بتجرّد وعن التأمّل الذاتيّ.
إن الأمر الحاسم في تحديد المراجعة الذاتية الواعية التي تقوم بها إليزابيث هو استكشاف شعرها في سياقه الأصلي. تحتفظ مكتبة أرمسترونج براوننغ في جامعة بايلور بطبعة نادرة من «رؤيا الشعراء» (من بين طبعات عديدة) تعدّ مفيدة بشكل خاص: مجموعة من مجلدين من «دراما المنفى: وقصائد أخرى» (الطبعة الأمريكية لقصائدها عام 1844)، مع «رؤيا الشعراء» كقصيدة تمهيدية للمجلد الثاني، ونسخة المطبعة من القصيدة مع تعليقات إليزابيث المكتوبة بخط اليد. يمكن العثور على هذه في مجموعة ABL النادرة. يكشف تحليل النسخ الأصلية واختيارات إليزابيث المقصودة للنشر وتعليماتها، عن شاعرة مهتمة جدا بكيفية تقديم عملها، وحذرة بشأن تمثيل أيديولوجياتها بدقة. حتى إن نظرة سريعة على المجموعة المكوّنة من مجلدين تظهر تقدير إليزابيث الكبير لكِتاب «رؤيا الشعراء». كانت إليزابيث متعمدة في موضعة كل قصيدة في سياق المجلدات المنشورة، وقد كرّست في مقدمة المجموعة المكوّنة من مجلدين، التعليق على قصيدتين فقط من المجموعة «دراما المنفى» و»رؤيا الشعراء»، القصائد التمهيدية للمجلدين الأول والثاني على التوالي. وفقاً لمقدمة المجموعة، اعتقدت إليزابيث أن «دراما المنفى» هي قصيدتها الأكثر أهمية في ذلك الوقت، لذا فلم يكن مهمّاً [بالنسبة إليها] أن تحتل «رؤيا الشعراء» مكانة ثانوية. وعلى نحو مماثل، تحتوي نسخة المطبعة من «رؤيا الشعراء» على تعليقات تشير إلى هوس إليزابيث بموضعة قصائدها. ففي الصفحة 59 أسفل النسخة، وهي الصفحة الأخيرة من القصيدة، تُضِّمن إليزابيث تعليمات للمحررين «بالطباعة الآن لـ(نذر الشعراء)»، حيث تنضم قصيدة أخرى حول مسؤوليات الشاعر إلى جانب «رؤيا الشعراء». وفي تعليق آخر، تتضح مراجعة إليزابيث المستمرّة لنفسها على نطاق ضيّق من خلال تعليماتها بإضافة حرف «e» إلى اسم «شكسبير» الذي كتبته سابقا بشكل خاطئ. تكشف تلك الملاحظات الأولية عن شاعرة جادة للغاية بشأن حرفتها. بعد التدقيق باهتمام إليزابيث بالتصحيح الذاتي وأهمية «رؤيا الشعراء» في تطورها الفلسفي، يمكننا أن نفحص كيفية تعديلها وانتقادها لفكرتها المبكرة عن «الشاعر الحقيقي» – كما تقول في مقدمة «رؤيا الشعراء» – وفي «أورورا لي». أحد الجوانب التي ضمّنتها إليزابيث في «رؤيا الشعراء» وانتقدتها في النهاية في «أورورا لي» هي صورتها للشاعر باعتباره متساميا وخارقا للطبيعة، وبعيدا عن أي اهتمام بالأمور «الأرضية [الدنيوية]». ومن أجل أن يصبح «هو» المجهول في القصيدة، شاعراً حقيقياً، يجب أن يشرب من ثلاثة أحواض رمزية مختلفة: «استخدام العالم»، و»حبّ العالم»، و»قسوة العالم».
في النسخة المطبوعة من القصيدة، طلبت إليزابيث من الناشر أن يضع خطًا مائلًا عند كل ظهور لهذه الكلمات، ما يدل على أنها تعتبر هذه الأحواض في غاية الأهمية بالنسبة لقصيدتها. تبدو تلك الأمور الثلاثة للوهلة الأولى وكأنها متجذرة ومرتبطة بأمور دنيوية. يُحتمل أن أورورا لي قد مرت بهذه التجارب الأرضية الثلاث من أجل التغلب على أنانيّتها وتعاليها. ومع ذلك، يتم التعامل مع تجارب الشاعر في «الرؤيا» باعتبارها خارقة للطبيعة وصوفية، دون التفاعل فعليًا مع الخلق. في الواقع، تتناقض مهمة الشاعر مع عمل الناس العاديين من خلال عبارة «هؤلاء الفظّين / مدح العالم»، مما يدل على أن المتحدث ليس مهتما حقا بالأشياء الأرضية، ولكن فقط باستخدامها المتسامي. في البداية، تقوم أورورا أيضا بتقييم الأرض بشكل سطحي. وتتساءل: «أليس الله معنا على الأرض؟» وتدافع باستمرار عن العالم أمام ابن عمها رومني، الذي يتطلع بنظرة ساخرة للإنسانية. ومع ذلك، فإن وصف أورورا للنساء المتزوجات بأنهن «عاديات» و»متدنّيات»، وكراهيتها العامة لـ»خمسمئة شخص لا قيمة لهم» في بداية الكتاب تقوّض اهتمامها الظاهريّ بالأرضيّ».

صورة لنسخة المطبعة من «رؤيا الشعراء» مع التوجيهات المكتوبة بخط يد الشاعرة للمحرّر لتأكيد تشديدها على «استخدام العالم» و»حب العالم» و»قسوة العالم».

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية