غراميات استثنائية فادحة: كتابة الهجرة والنزيف

في مجموعته القصصية، أو لنقل متواليته القصصية الصادرة منذ وقت قليل، يبدو الكاتب السوداني عاطف الحاج سعيد، منجذبا نحو عوالم سحرية خاصة، فيها الكثير من الفوضى، والكثير من الشجن، وأحيانا تتدخل فيها الغرابة، لتطرد الواقع، لكن يظل هاجس الهجرة من البلاد، التي تفتقر إلى أدنى حد للمعيشة، والتشرد في بلاد غربية، هي أيضا لا تقدم الكثير، وربما تمنح الأسوأ، هو المسيطر على جو الكتابة.
وقد اختار الكاتب نماذج من شخصيات بعضها جدير بالتعاطف معها، وبعضها لا يستحق التعاطف، كما أن هناك نماذج كانت بحاجة لقليل من عمل الخير، لتنجو، هناك نماذج، احتاجت للشر، واستندت إليه.
حين تقرأ العنوان: غراميات استثنائية فادحة، لا بد أن تفكر، كيف هي غراميات فادحة، والفداحة مرادفة للخسارة، والغرام مكسب للطرف المغرم حتى لو كان وحده من يمسك بطرف الحكاية، هناك ما يعرف باللذة الدافقة حين تعشق، وتتخيل المعشوق، وتعيش معه في الخيال ليال كثيرة دافئة، وحين تصوغه شعرا، هكذا، لكن الفداحة شيء آخر، إنها إذن غراميات معقدة، غير متكافئة، وربما قاتلة.
لننظر إلى السيد راستا، عازف الجيتار الذي ينصب خيمته على رابية، قريبا من مدينة كاليه الفرنسية، يطالع البحر، ويحلم بالوصول للجهة المقابلة، حيث لا بد من مكاسب، واستقرار، وحياة كريمة، هو لا أحد في هذه الغربة، وفي الوقت نفسه، متخم بالآمال، هناك حبيبة ضائعة، وحياة بائسة جدا، ولا توجد أي إضافة في صباح يشرق، أو ليل يظلم، هو ينتظر، ويبدو أنه ولد لينتظر شيئا، لا يحدث.
هناك مهاجرون كثيرون من السودان وإثيوبيا، وبلاد أخرى، يتشتتون في المكان، وينتظرون العبور إلى إنكلترا أيضا، عن طريق المهربين، هناك أحلام تعبر وأحلام تحاول العبور، وكلها مجرد أحلام.
ولأن الغرب يهتم كثيرا بمسألة المهاجرين، وربما يخاف من وجودهم وما يحملونه من آثام وأحلام ملوثة، نجد الصليب الأحمر موجودا، ومنظمات خيرية، توزع الكساء والدواء، ونساء جميلات ينخرطن في العمل التطوعي ويدخلن أحلام المهاجرين التي في الغالب ليست بريئة ولا منزهة عن الخطايا، خاصة إن عرفنا أن أولئك المهاجرين الرابضين في المكان، قريبا من غابة ما، قدموا من قرى بعيدة، وغير متحضرة في السودان وغيره.
هذا إذن معنى الفداحة، أن تظل وفيا للإنسانية إلى حد ما، لكنك تغض البصر عن النار التي تزحف في حلم أحدهم، وقد تلتهم الحطب البارز والمستفز في عالم واحدة، مواطنة وجميلة، جاءت لتخدم، بنية أن تقدم شيئا لشريحة من الناس، فرّت من الرمضاء إلى الظل، لكن ليس هناك ظل حقيقي.
أبنعوف السوداني، مهرب شرير، وخطير جدا، واستطاع صناعة عالم من الشر، ووأد الأحلام هناك، هو يتقاضى مبالغ هزيلة، نظير تهريب المهاجرين إلى بريطانيا، خلافا للمهربين الأكراد الذين يتقاضون الكثير، الكل يهاب أبنعوف، ويحترمه، وينتظر أن تتحقق أحلامه عن طريقه، وأبنعوف يعرف ذلك، ويستثمره في حياته التي ليست رغدة، بل بالعكس محاطة بالخطورة.
قصته، أو غرامه الفادح، بدأ حين جاءت العائلة الغجرية، لتنصب خيامها على الرابية، في مكان تجمع المهاجرين، رجل وامرأة، وفتاة صغيرة اسمها جوانا، وظيفتها أن تساعد في تشويه أحلام هؤلاء المهاجرين القادمين من الوعورة، وينتظرون الخلاص، جوانا لا تقدم جسدها، ولكن تقدم النزر اليسير من الفعل المغوي، وتتقاضى ماريا، أو أمها التي تنظم الدخول إليها، مبلغا من المال، ويصطف المهاجرون في طابور طويل، بشكل يومي، طوال إقامة تلك العائلة هناك، أبنعوف دخل خيمة الفتاة، كأول زبون للمتعة المؤلمة، واعتاد بعد ذلك أن يأتي يوميا، ثم في النهاية عشق الفتاة التي كانت تؤدي وظيفة مدفوعة الأجر، وليست نموذجا ينبغي عشقه.
هذه القصة تذكرني برواية «إيرنديرا الغانية» لماركيز، التي أحرقت فيها إيرنديرا الصغيرة البريئة، بيت جدتها، فوظفتها الجدة في الدعارة لحسابها، حتى تجمع ما يمكن أن يكون تعويضا عن البيت المحروق، هنا لا توجد خسارة للعائلة، ولكن يوجد استثمار لفتاة بريئة، تقدم فعلا ناقصا، لكنه يكفي المهاجر التواق إلى المتعة.
إذن أبنعوف القوي، سقط في غرام فادح، وحاول الكسب لكنه لم يستطع، ولم ينته النهاية التي كان يتصورها.
كودي القادم من منطقة جبال النوبة، في غرب السودان، ولد مفتول العضلات، وفيه ملاحة ما، لكن وجوده في الرابية، قريبا من مدينة كاليه، يعذبه، أحلامه هي أحلام المهاجرين الآخرين، أن يعبر إلى إنكلترا، وهي أيضا أحلام راكدة، أو متوقفة، وحين عشق الفتاة إيلودي، المتطوعة في الصليب الأحمر، والتي تقوم بشحن هواتف المهاجرين بكهرباء يجلبها الصليب الأحمر، عبر بطاريات معينة، كان عشقه أيضا فادحا، عشق بلا متكئ للحلم، وإنما هو مطرود من الحلم. كانت الفتاة تقدم خدمة إنسانية، وربما ثمة إضافات منها مثل الابتسامات، والخروج مع الفتى إلى الغابة، أججت ذلك العشق الفادح، لقد طاردها الفتى وتربص بها بعد أن أخبرته بعدم وجود أي مشاعر لديه، لكن بلا جدوى، كان كودي محطما، وعاشقا بقصة عشق فادحة.
نماذج أخرى موجودة في هذه القصص المكتوبة بجمال وحنكة، وفيها دراية كبيرة بموضوع مهم، ما زال يجتاح العالم، مع تعدد الحروب، وظلم الديكتاتوريات، وصعوبة الحياة، ومحاولة النجاة التي قد تقود إلى الغرق.
إنها، كما قلت، قصص مؤلمة، وشجية، لكن قراءتها ممتعة، خاصة أنها كتبت بلغة راقية، تقترب أحيانا من الشعر، إنها كتابة في النهاية تستمد معناها من اللامعنى المتجذر في الأحلام المجهضة.

 كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية