مسلسل مراهقة: الهوية والطبقة والعنف بعدسة واحدة

من المسلسلات التي نالت نسبة مشاهدة عالية من لحظة إطلاقه، المسلسل البريطاني Adolescence الذي يتناول على المستوى الظاهري جريمة قتل يرتكبها طفل أو مراهق (عمره ثلاثة عشر عاما)، إذ يتهم بقتل زميلته أو صديقته في المدرسة طعنا، غير أن هذه القضية على خلاف المتوقع لا تشغل ذهن المتلقي، بمقدار ما يكمن خلفها، ويحاذيها من سياقات، تتصل بعدد من الظواهر التي يمكن أن تشكل لنا نموذجاً عميقاً للتحليل الثقافي، الذي يُعنى بقراءة الأنظمة المنشئة للقيم المجتمعية، عبر تقنية إنتاجية وإخراجية وأدائية عالية المستوى، أو لنقل موفقة إلى حد كبير؛ انطلاقاً من تنظير أن اللغة بما في ذلك السينمائية لا تعني فصل أدواتها من كلمة وصورة وصوت، ولون وحركة، في بعدها القائم على تمثيل الواقع، وأشيائه، إنما هي تتأسس حقيقة على فعل التداخل بين تلك العناصر، في التكوين الإشاري حسب رأي جيل دولوز.

استهلال

في البدء يمكن قراءة المسلسل من تكوينه الفني، وصيغته الهيكلية، التي تنهض على التكثيف في تقديم النماذج الشعورية للشخصية، غير أنها لا تسعى إلى ذلك عبر استغراق ساذج، إنما بأسلوب جديد، بالتوازي مع تكوين الحدث المركزي الذي يشكل بؤرة لكل المدارات التي تحيط به، من خلال أربع لوحات، أو حلقات صورت في كاميرا واحدة، أو مبدأ اللقطة الواحدة، أي أن الحلقة الواحدة اتخذت تتابعاً مستمراً دون توقف (تدفقاً)؛ ما يعني أن المخرج فضّل تكثيف فعل التلقي، على الرغم من تحرك الكاميرا في تتبع الشخصيات، وتموضعها في التفاعل مع الحدث.
لقد آثر المخرج استهلالاً قوياً ينهض على الحدث والإثارة، حيث نرى أفراد الشرطة يقتحمون منزلاً لعائلة تتكون من زوج وزوجة وطفلين: هما المراهق جيمي وشقيقته الأكبر منه سناً، ومن هذه اللحظة يبدأ تشكل وعي التلقي عبر التساؤل عما يكمن خلف هذا الاقتحام العنيف لاعتقال طفل تبول على نفسه من الخوف، وماذا فعل كي يستحق هذا الاعتقال العنيف؟
1 ـ من خلال التبئير الذي يعايشه المُشاهد نتيجة تحرك الكاميرا، حيث يشعر بأنه يكمن خلفها، أو بأنه شخصية مشاركة تستغرق في تتبع الحدث، إذ يُقاد الطفل إلى مركز الشرطة، مع متابعة الإجراءات التي تتعلق باعتقاله، ومن ذلك حضور مندوب من المؤسسات الاجتماعية، وقراءة الحقوق، واصطحاب والده كي يكون حاضراً معه، بالتوازي مع الكآبة التي تظلل مركز الشرطة، نتيجة حساسية الموقف، ومنه تبرم الممرضة المعنية بفحص المراهق، وبهذا يتشكل وعي نقدي تجاه أسلوب التعامل مع هذا النوع من الجرائم، والإجراءات المعتمدة. في هذه الحلقة، ينكر الطفل جريمة قتل زميلته بحضور محاميه ووالده، غير أنه يواجه بفيديو مصور في موقف السيارات يظهر فيه، وهو يطعن زميلته، وهنا تتصاعد صدمة الأب، الذي كان يصدق ابنه، ومن هنا تتشكل مفارقة التعامل مع حدث من هذا النوع، وبصورة أو بأخرى نتفهم ما يكمن في داخل الأب من غضب تجاه ابنه، غير أنه يغالب نفسه، ويحتضن ابنه، وبهذا تبدو الحلقة الأولى جزءاً من تشكل وعي الصدمة لحدث غير طبيعي أو مألوف، وما ينتج عنه من ارتباك على مستوى الفكر، والشعور في سياق التعامل مع قضية حدث، غير أن الأهم، حقيقة تكوين جدل تجاه المنظومة القانونية والتشريعية من ناحية الإجراءات.

2 ـ في الحلقة الثانية نقع على تشكيل مغاير لاستمرار الحدث، تداعياته، فتختصره حلقة تُعني بالتحقيق في الجريمة في مدرسة المراهق، وفي هذا المستوى لا يخفى النقد للظاهرة الثقافية المنتجة لواقع المراهقين. ولعل مواجهة هذا الواقع جاءت عبر تتبع الشرطيين اللذين يقومان بالتحقيق في المدرسة، وما يرشح من تمثيلات للنظام التعليمي، فرائحة المدرسة كريهة، وثمة فوضى، وعدم انضباط، فضلاً عن انتشار ظاهرة التنمر، والمعلمون لا يعلّمون إنما يكتفون فقط بعرض أفلام فيديو، وهناك الانشغال بالهواتف أثناء الحصة، ضمن نسق نقدي ثقافي للبنية التعليمية، في حين تحضر إشارة عابرة، ولكنها تعكس توصيفاً عنصرياً، ونعني مشهد الأستاذ مالك، الذي على ما يبدو أنه ينتمي لإحدى دول شرق آسيا المسلمة (الهند أو باكستان..)، إذ نراه يدخل صفه متأخراً، يصلح من شأن ملابسه بعد أن خرج من الحمام، فيبدو مهزوزاً، وسرعان ما يصف الطلاب بالأوغاد عند حواره مع المحقق.
تقدم هذه الحلقة خلاصات لواقع التعليم في بريطانيا من ناحية نقد البنى العميقة، بالتوازي مع مناقشة مرجعيات، أو عوامل الجريمة ثقافياً واجتماعياً، حيث نعلم أن الضحية كانت تتنمر على الفتى المراهق، بالتوازي مع إثارة قضايا جنسية بين المراهقين، لنخلص إلى أن ثمة عوامل كامنة قادت إلى خلل بنيوي وعميق في تكوين عوالم المراهقين، ومن أهمها المدرسة، أو نظام التعليم.
3 ـ في الحلقة الثالثة ننتقل إلى مستوى عميق يتعلق بالبنية النفسية ضمن التقنية عينها المستخدمة: التصوير على مرحلة واحدة، وهكذا يتحدد إطار الحلقة، بمركز احتجاز الطفل، وينهض على جلسة حوارية بين الطفل وطبيبة لتقييم الطفل نفسياً، حيث تتمكن الطبيبة بذكاء من اكتناه عوالم المراهق، وسبر أغواره، على الرغم من محاولاته، وذكائه لتقويض سعيها، وفي مستوى معين من الحوار تتكشف شخصية جيمي، وتداعيات تكوينه، ومن ذلك شخصيته الحادة بفعل التكوين الجيني، كما سنرى لاحقاً، ولكن ذلك لا يمنع من آثار تتعلق بالبيئة الاجتماعية، كون الطفل ينتمي إلى عائلة متوسطة الحال، فالده يعمل مقاولاً لأعمال السباكة، بالتوازي مع نواتج التنمر الجنسي من قبل الفتاة القتيلة، التي كانت تنتقص من حضور رجولة زميلها، وتصنيفه على أنه من الرجال أو الذكور غير الجذابين، من منطلق نظرية تقول إن 80% من الفتيات ينجذبن فقط إلى 20% من الفتيان، غير أن هذا يتكشف من خلال مستويين: حوار المحللة مع المراهق التي تتمكن من تحليل مرجعيات تكوين الطفل، ومن ذلك عنفه وعصبيته ورغبته السلطوية، حيث يطالب المراهق الطبيبة أن تعلن عن إعجابها به (تجسيد السلطة الذكورية)، والثاني يتصل بفهم العلامات، وتحليلها من ناحية سيمولوجية تتصل بخطاب المراهقين على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها الانستغرام، فهذه العلامات أو اللغة، تقتصر فقط على مجتمع المراهقين، ولكن الأهم قدرة هذه العلامات: بمفرداتها الرمزية، والرسومات أو الإيموجي في تكوين واقع المراهقين، وتشكيل مشاعرهم نتيجة واقع افتراضي شديد الخطورة، لتخلص هذه الحلقة إلى نواتج صادمة تجاه المراهقين، من خلال التعمّق في المناطق المظلمة، أو المخبوءة نفسياً، وكيف يمكن أن تتشكل رؤيتهم للعالم من خلال زاوية ضيقة تشكلها كل من التقنيات الافتراضية، بما في ذلك الهاتف، أضف إلى ذلك المدرسة، والزملاء، بالتوازي مع البنية الأسرية، وقيم التمايز الطبقي في إطار المجتمع الإنكليزي في لحظة زمنية معنية بالحاضر.

4 ـ في الحلقة الرابعة تنتقل الكاميرا إلى حيّز منزل الطفل، كي نواجه تداعي الحدث على الأسرة، ومحاولتها تجاوز الحدث، عبر التظاهر، والانشغال بوقائع الحياة اليومية، غير أنّ هذا لا يُنجز بسهولة ضمن مُحيط معادٍ من خلال تطفل الجيران، ومن ذلك الكتابة على شاحنة الأب التي يستخدمها كلمة « متحرش جنسي»، غير أن اللافت موقف الأب، الذي يسعى إلى الجمع بين محاولة التماسك، على الرغم من عميق الغضب، بالتوازي مع عالمه الذي يتداعى، بالتضافر مع رواسب طفولة صعبة نتيجة فقره، وقسوة والده الذي كان يضربه، ومن هنا يمكن تفهم تعهّده ألا يجعل أولاده يختبرون هذا العنف الأسري، ناهيك عن محاولة توفير كل ما يحتاجونه من متطلبات: هواتف، وإنترنت، وكماليات كما يتضح من حواره مع زوجته في محاولتهما للبحث عن مكمن الخلل في تنشئة طفلهم.
في تحول لافت يتصل الطفل بالأب، لإعلامه أنه سيغير اعترافه، دون أن يتضح معنى ذلك، ولاسيما إذا علمنا أن الطفل منذ وقوع الجريمة كان ينكر حدوث الجريمة، ينتج عن ذلك تحول في شخصية الأب، الذي يثور، فيهاجم بعض المراهقين المتنمرين، والجيران، كما المتطفلين في حي يبدو عدائياً تجاه الأسرة التي تنحدر من منطقة فقيرة، وبذلك فنحن إزاء تمثيل لطبقة معينة في المجتمع البريطاني الذي ينهض على تراتبية معينة، ومن ذلك التنمر على الفقراء، أو أصحاب البشرة الملونة، أو التنمر ذي الطابع الجندري، أو الجنسي.
تكوينات
بالعودة إلى تحليل الوقائع المتداخلة بين التكوينات الطبقية، والنفسية والمجتمعية، التي تعلي من شأن أثر الفعل، وهكذا نستعيد محاولة الوالدين لفهم مسلكيات ابنهم، ودوافع الجريمة، فهل هو نتيجة خلل في التكوين التربوي، ومن ذلك محاولة توفير الأدوات التي يطلبها الطفل للتمكن من مجاراة العالم بصورته الجديدة، وهل أدى التركيز على الجوانب المادية، على الجوانب النفسية والمعنوية على مستوى التربية، والحوار مع الطفل؟ غير أن الأب يسارع إلى نفي ذلك من خلال التأكيد أنه كان يسعى إلى مصادقة أطفاله، واللعب معهم قدر ما يستطيع، على الرغم من انشغاله، ولكن يبقى السؤل لماذا قام جيمي بهذا الفعل؟ أو أين يكمن الخلل؟
في محاولة الزوجين البحث عن الأسباب، يتقاطع حوارهما من خلال إشارة عابرة إلى أن الطفل، ورث طباع والده الحادة، ويمكن ملاحظة ذلك من سلوك الأب تجاه المتنمرين من الجيران، وسكب الطلاء على الشاحنة لإزالة كلمة «متحرش»، ومع ما يكمن من وعي نتيجة خلفية فقيرة، وعنف أسري. تزخر كل حلقة بمستوى معين من الأفكار والأسئلة الثقافية والاجتماعية والنفسية، غير أن الأهم تحليل فائض الغضب، والحيرة كما تعكسه شخصيات العمل، والقدرة على أن ينتقل ذلك إلى المشاهد، ولعل هذا من شأنه أن يعزز مقاصد العمل الفكرية التي تنهض على بعد وصفي تحليلي للاقتراب من عوالم المراهقين بصورة ناضجة، ومبتكرة عززتها تقنية تقديم كل حلقة في مشهدية واحدة متصلة، بالتوازي مع حركة الكاميرا، ومنها على سبيل المثال نموذج الحوار بين المعالجة النفسية للكشف عن شخصية الطفل العنيفة، خاصة حين يقف غاضباً، فتتحرك الكاميرا إلى زاوية مائلة نحو الأسفل كي تسهم في تضخيم حجم الطفل- المراهق لنراه أقرب إلى رجل، فيفوق طوله طول معالجته النفسية، حيث يبدو من هذه الزاوية أقرب إلى عملاق، في حين تجلس المحللة أدنى منه مرتبة في تمكين واضح لزاوية السيطرة والهيمنة التي تكمن في داخل الطفل، ومن هنا تتكشّف منطقة عميقة في نفس المراهق، الذي يسعى إلى تجاوز قيم النقص أو الانتقاص، التي أفرزتها عوامل متعددة، لنخلص إلى قدرة العمل على مناقشة موضوعات متعددة بنمط إخراجي ذكي، وحساس، مع شيء من العمق، دون مبالغة أو مباشرة، والأهم القدرة على نقد منظومة متعددة المستويات، تشمل القوانين، والإجراءات، والأسرة، والتقنية، والمجتمع، والنفس البشرية.
كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية