هل الحكاية وما فيها : أنهم أرادوا ان يتعشوا به فتغدَّى بهم؟

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيل إشاعات وتكهنات ما تزال تتطاير حول ما فُهمَ عن جرأة الدكتور محمد مرسي في إدخال العسكر بيت الطاعة بعد أكثر من ستة عقود من تحكمهم بكل مفاصل البلاد والعباد. نتمنى طبعاً أن يكون ما حدث إستقلالية سيادية مطلقة في اتخاذ القرار. لو افترضنا أن ذلك كذلك، فإن ديمقراطية مصر قد أنجزت خلال زهاء شهر من ولادتها ما لم تستطِعْ الديمقراطية التركية أن تنجزه إلا بعد أكثر من ثلاثة عقود من المخاض الديمقراطي المتعثر. الصورة حتى الآن لا تبدو واضحة تماماً. إفتراض يذهب إلى أن صفقة أُبرمت بين الرئيس وأمريكا ليظهر الرئيس هو الأقوى مقابل تعهده بأنْ لا تمسَّ معاهدة (كامب ديفيد). ليس من قبيل نظرية المؤامرة نقول ذلك غير أن حماية أو تعزيز أمن ‘إسرائيل’ هو المعيار الأهم في الإبقاء على الخيار الديمقراطي في مصر. وإلا فإن الديمقراطية المصرية سيكون مصيرها كمصير ديمقراطية (حماس) رغم أن الرئيس الأمريكي الأسبق (جيمي كارتر) قال عنها إنها كانت أنظف ديمقراطية في الشرق الأوسط. مخطىءٌ من يظن أن مصر حالة مختلفة عن (حماس) لأنها دولة إقليمية كبرى وذات كثافة سكانية عالية أو لأنها شهدت ثورة شعبية أو كذا وكذا، وبالمناسبة لم تُطلق عبارة ‘الربيع العربي’ المكيافيلية المموِّهة الخادعة، في أثناء اندلاع الثورة الشعبية المصرية أو التونسية أو اليمنية أو البحرينية أو العمانية أو السعودية وإنما بدأ تسويق هذه العبارة المبتذلة والمرائية خلال الثورتين الشعبيتين الليبية والسورية فقط، وليفهم من يريد أن يفهم. الشاهد أن كل هذه الإعتبارات لا تهم. الذي يهم فقط هو الأمن ‘الإسرائيلي’ من خلال المحافظة على المعاهدة. ولو أن تلويحا صدر من (الدكتور مرسي) يشي بمجرد انتقاد لكامب ديفيد، لَكانَ التعاطي الأمريكي – الغربي مع مصر الثورة الشعبية مغايراً تماماً.و للتأكد أكثر ليتم الرجوع إلى كتاب (ميرشيمار ووُلْتْ) ‘السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط واللوبي الإسرائيلي’. لقد استوعب نظام (حسني مبارك) هذا الدرس جيدا ومعه قادته العسكريون حتى حان الوقت الذي قال له الشعب المصري ‘إنتهى الدرس يا غبي’. ولذلك ظل جاثما على صدر الشعب المصري أكثر من ثلاثة عقود رغم علم الإدارات الأمريكية المتعاقبة والغربية عن فساده الإداري والمالي والأخلاقي، وعن علمهم الكامل أنه أنزل قرابة نصف المصريين تحت خط الفقر. ولأن السياسة هي فن الممكن وهي مقولة أستاذ أمريكا والغرب ومن والاهم (ميكافيلي)، فقد تفننوا بالممكن وطبقوا كل تخريجات (مكيافيلي) لا سيما في أن ‘الغاية تبرر الوسيلة’. فإفقار الشعب المصري لحساب حفنة من السماسرة واللصوص لم يكن يهم أمريكا والغرب، طالما أن المعاهدة بخير وأمن إسرائيل (24قيراط). الخلاصة إذن، هذا هو قمة التحدي للرئيس مرسي، إذا أراد أن يحقق أحد أهم أحلام أنصاره في إلغاء الإتفاقية أو على الأقل تعديل بنودها الأمنية المتعلقة بسيناء منقوصة السيادة لمصلحة إسرائيل قطعاً.صحيح أنه يبدو أنَّ أمريكا قد قبلت على مضض شديد تغييب أصدقائها، وجلهم من خريجي مدرستها العسكرية والذين ظلوا أوفياء لها ومن خلالها لإسرائيل أو العكس وحموا المعاهدة مع علمهم ببنودها المذلة ولم يكتفوا فقط بالحياد في قضية حصار غزة والحرب عليها بل وشاركوا الصهاينة في حصار غزة وتجويع أهلها وإغلاق منفذ الحياة منها وإليها وبنوا الجدار الفولاذي حولها إمعانا في خنقها وصحيح أن القرار كان سياسيا، بَيْدَ أن المشير وفريقه وقادة الجيوش كان يمكن أن يعترضوا إنْ أرادوا على القرار بَيْدَ أن القبول الأمريكي ومعها دول الغرب بطبيعة الحال بتلك الإقالات، يمكن أن يُعزى إلى أنَّ الكلفة السياسية ستكون أقل لأن الذين صوتوا (للدكتور مرسي) لن يكفوا عن الإحتجاج على وجود رموز للنظام البائد في جيش بلادهم، ينازعونه في السلطات، فضلا عن مطالباتهم المتكررة بمحاكمة العسكريين المقالين بدعوى الإثراء غير المشروع بين دعاوى أخرى. و لذلك إختار الرئيس أهون الضررين كما اعتقد فدعا (الدكتور خالد مشعل) مرتين إلى القاهرة في الأسبوعين الأولييْنِ من تنصيبه رئيساً وهو تطور غير مسبوق، وبدأ يُغذُّ الخطى سريعا نحو المصالحة بين (فتح وحماس) وجمعهما في القاهرة وكان متحمسا وسعيدا لأن ذلك أحد مطالب الثوار الذين أتوا به إلى الحكم ولم يكن يعلم أنه كان ‘يأكل التمر وكان غيره يَعُدُّ له الطعام، أي كم تمرة أكل’ كما يقول المثل الخليجي. إنفجرت أحداث سيناء بالحجم والمستوى غير المسبوقين، في ضبابية ضخمة لماَّ تزلْ تغشاها. فهي قد أُريد لها أن تقع قبيل إقالة العسكر وبعيد مجيء أول رئيس مصري منتخب. كان هدفُ المدبِّرين وأدَ أول إنجاز كان يمكن أن يتفرد وينفرد به الرئيس مرسي. وعوقب بقسوة على مساعيه لإنجاح المصالحة الفلسطينية وعلى فتح الأبواب (لخالد مشعل). أطراف عديدة مستفيدة من أحداث سيناء أن لم تكن بعضها المخطط الفعلي لها، على رأسها ‘إسرائيل’ و(الإيباك) ومن خلالها أمريكا ودول الغرب الأخرى (بدرجات متفاوتة)، والعسكر المصريين وقوى اليسار المصري من علمانيين وليبراليين. ولعل إقالة أهم رؤوس العسكر تؤشر إلى مسؤوليتهم عن الأحداث بشكل أو بآخر. وأياًّ كانت الجهة المدبِّرة، فقد نجحت على ما يبدو. فقد فتُر الرئيس عن المصالحة وعن (خالد مشعل) وعن (حماس) وعاد المن والأذى في فتح وإغلاق (معبر رفح)، رغم النداءات الفلسطينية من غزة. وأشد ما أخشاهُ أن ينسى الرئيس مقولته لشعبه ‘سأخافُ اللهَ فيكم’. و بصرف النظر عن المعلن والبروتوكولات فإن المجلس العسكري الأعلى وضع ثقله وأمواله بإيعازمن أمريكا ودول الغرب إلى حد ما الموعز إليها من (الإيباك) واللوبيات اليهودية الصهيونية – كما يرجح كثيرون إلى جانب (الفريق أحمد شفيق) لمناطحة (الرئيس مرسي). وإلى هذا اليوم، لا يُفهم وربما يُفهم كيف تم تحييد أسماء كبيرة ومشهورة مثل (عمرو موسى) و(محمد البرادعي)، وتم الإبقاء على شخصية عسكرية مغمورة نوعا ما بالمقارنة. وأما النسبة التي حصل عليها في الإنتخابات وهي أكثر من 48′ هي الأخرى محل تعجب. ولا أظن أن السبب راجع إلى مجرد التكهن أن الذين صوتوا له مدمنون على البقاء تحت الحكم العسكري واقتناعهم أن رئيسا مدنيا لا يصلح لمصر، التي حُكمت لأكثر من ستة عقود بعصا العسكر الغليظة. ولا أدري بما أن الشيء بالشيء يُذكر – ماذا رأى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حاكم أبوظبي في مرشح فاشل ويداه ملطختان بالفساد المالي والإداري حسب أهل بلاده ليعينه مستشارا خاصا به، وبلده تزخر بمن يبزُّ (أحمد شفيق) ويتعداه وفي وقت يسحب الجنسية من مواطني بلده وهم من العلماء والأساتذة الكبار والأنقياء والأتقياء؟ ‘ أكاديمي وكاتب قطري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية