■ في خضم الفوضى والضياع والقلق الذي يجتاج كل مجتمعات العرب، تنمو مجاميع من القراء التي تعترض على إدماج أي فكر أو أي مبادئ إيديولوجية في الكتابات السياسية حول الأوضاع العربية الراهنة.
المطلوب هو الكتابة عن الأحداث، ثم ذكر ما يوافق الكاتب عليه أو يعترض عليه، بدون أن يستند التوافق أو الاعتراض على مرجعية فكرية تعبر عن إيديولوجية متماسكة وشاملة يؤمن بها الكاتب.
بالنسبة لهذا النوع من القراء كل شيء نسبي ومؤقت عابر، وبالتالي لا ارتباط له بالتاريخ أو الجغرافية أو الهوية أو المبادئ والقيم الضرورية لضبط العملية والسيرورة السياسية العربية. وبالتالي فإن المناداة بأن تحكم الحياة السياسية العربية وتصرفات الأنظمة، المبادئ السياسية والثقافية الجامعة والموحدة والطموحات القومية المستقبلية والعوامل التضامنية المقويه لمناعة الأمة ضد الأخطار الخارجية، إن تلك المناداة بالنسبة لأولئك القراء هي نوع من التنظير، الذي لا يرتبط بالواقع العملي ونوع من هلوسة المجانين ومن أحلام اليقظة التي يتصف بها المراهقون في السياسة.
ولكن هل حقاً أن ما يجري في كل أرض العرب من حرائق ودمار وتوجه محموم نحو الخروج من الحضارة العصرية التي تعيشها الإنســــانية لا يحتاج إلى إيديولوجية جديدة عقلانية متماسكة تنطلق من نقد موضوعي لحال الأمة، ثم تضع للأمة أهدافا تتوجه نحوها، وتقترح وسائل ومنهجيات لتحقيق تلك الأهداف؟
نحن هنا نتحدث عن أيديولوجية لا تتخلى عن الكثير من الأسس التي قامت عليها الإيديولوجيات السابقة، ولكنها تنقدها وتنقحها وتضيف إليها مكونات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي طرأت على الحياة العربية والساحة العالمية في السنين الأخيرة. وكجزء من التعلم من دروس الماضي وتجنب بعض الأخطاء التي وقعت فيها الإيديولوجيات السابقة، سواء أكانت قومية أم ليبرالية أم يسارية ماركسية أم إسلامية سياسية، فإنها لن تطرح نفسها كايديولوجية تمثل الحقيقة الوحيدة المطلقة، ويتبناها حزب قائد طليعي يقود ويعلو فوق الأحزاب الأخرى، وإنما كواحدة من بين إيديولوجيات أخرى متعددة تطرح جميعها نفسها كايديولوجيات متنافسة بشفافية، كأفكار وبرامج سياسية – اجتماعية لا تكتمل أي حياة ديمقراطية بدونها. وهي لن تقبل أن تكون إيديولوجية دولة مستبدة أو فاشستية، ترغم المجتمع على تبنيها بالسوط وبالابتزاز. إنها بذلك تتجنب أن تكون إيديولوجية منغلقة على نفسها، متزمتة ورافضة للمراجعة المستمرة والتغير المستجيب للحاجات المستجدة في حياة الشعوب والمجتمعات العربية.
ثم، لننظر إلى الواقع البحت:
هل يمكن تجاهل مشاعر الانتماء للهوية العروبية في قلوب وعقول الملايين من العرب، التي ترعرعت وتراكمت عبر القرون، وتجاهل الواقع العالمي الذي لا سبيل لاتقاء الشر فيه إلا بقيام التكتلات الكبيرة المتضامنة، وتجاهل عشرات العوامل الثقافية المشتركة، في التاريخ وفي الحاضر بين شعوب هذه الأمة، وبالتالي هل يمكن تجاهل التأثير الكبير لما يحدث في أي قطر عربي على بقية أقطار الوطن الكبير؟ إن الجواب العقلاني القاطع هو كلا.
إذن، فإننا لا ننظر ولا نمارس الأحلام الساذجة عندما نربط بين ما يجـــــري في سوريا أو العراق أو السودان أو اليمن، أو هذا القطر العربي أو ذاك وبين مصير ومستقبل الوطن العربي كله. إننا في هذه الحالة نمارس النظرة الواقعية الشاملة، لا النظرة المجزأة المعزولة.
كذا نظرة للأمور تستدعي مرجعية إيديولوجية تقوم على الإيمان بضرورة توحيد هذه الأمة، حتى لو اختلفنا حول نوعها وتوقيتها ومراحلها وأساليب تنفيذها. ومن أجل أن تكون تلك الوحدة بين شعوب، لا بين حكام أو أنظمة سياسية، لابد من أن تقوم تلك المرجعية الإيديولوجية على الإيمان بالديمقراطية التي وحدها ستمكن الشعوب قول كلمتها بحرية ومسؤولية.
والشعوب لا يمكن أن تكون حرة وحاملة للمسؤولية بدون العيش تحت نظام اقتصادي – اجتماعي قائم على العدالة الاجتماعية التي لن توجد إلا بتبني الكثير مما تنادي به الاشتراكية الديمقراطية وأنظمة التزام الدولة بالرعاية الاجتماعية الإنسانية العادلة. وكذلك لا يمكن للشعوب أن تكون حرة ومسؤولة بدون أن تكون مبادئ حقوق الإنسان المقرة دولياً، بما فيها على الأخص حقوق المرأة، جزءاً من تلك المرجعية الإيديولوجية.
الواقع أن مسيرة الأنظمة الديمقراطية، حيثما وجدت تؤكد أن النظام الديمقراطي الذي لا يستند إلى مرجعية إيديولوجية عقلانية إنسانية، تتعامل مع واقع مجتمع ذلك النظام وتطلعاته المشروعة، وتعترف بحق الإيديولوجيات الأخرى بالوجود معها… إن ذلك النظام سينقلب إلى نظام تنافس وصراع على السلطة والثروة بين أشخاص مغامرين انتهازيين وديماغوجيين يعيشون على الإثارة والكذب.
الأوضاع العربية البائسة تحتاج إلى أبعد الحدود إلى إيديولوجيات جديدة تأخذ أفضل ما في الماضي وتضيف إليه أفضل ما يعالج المستجدات، بدون ذلك سنبقى في الضياع والتخبط.
٭ كاتب بحريني
د. علي محمد فخرو