الاستقطاب المذهبي المرفوض والوعي السياسي المطلوب

حجم الخط
0

■ مرت الذكرى السابعة والستون للنكبة الاسبوع الماضي ، فما الاهتمام الذي حظيت به في العالمين العربي والاسلامي؟ خرجت مجموعات صغيرة من الفلسطينيين في بعض العواصم للاحتجاج امام السفارات الاسرائيلية للاحتجاج ضد الاحتلال. وربما كتبت بعض المقالات التي لا تبدو، في الاجواء الفكرية المضطربة حاليا، ذات اهمية تذكر. فقد تغيرت اولويات الكثيرين ولم تعد قضية فلسطين تمثل هما محوريا لدى الامة. فيما كانت اصوات المدافع والطائرات تجلجل فوق سماء اليمن وفي انحاء سوريا وفي الانبار بالعراق، وعند مدينة سرت الليبية. بينما كانت الحدود الاسرائيلية تعيش أهدأ لحظاتها منذ النكبة.
ما الذي حدث لهذه الامة لكي تستبدل اولوياتها وهمومها بقضايا جديدة مختلفة تماما عما عاشته سابقا؟ كيف تراجعت قضية فلسطين مثلا لدى الرأي العام العربي والاسلامي؟ ولماذا يرفض احد من ذوي الشأن السياسي او الديني الاستماع لصرخات المقدسيين التي تستغيث لانقاذ المسجد الاقصى الذي يوشك تدميره في اي وقت؟ واين هي قضية الحريات العامة في الدول العربية؟ وماذا عن التصدي للاستبداد والقمع السلطوي في اغلب هذه الدول؟ من الذي يحدد اولويات الامة؟ ومن الذي يدير دفة سفينتها المضطربة وسط بحار من الطروحات المشوشة التي لا تهدف الا لابقائها متخلفة في الدوائر المفرغة من القتل العبثي وتدمير التراث على اوسع نطاق ومصادرة حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بابشع الاساليب. من المسؤول عن تغيير اتجاه مسار التاريخ العربي الذي بدأ فصله قبل الاخير واعدا بالحراكات الثورية التي بلغت اوجها في الربيع العربي؟ وقبلها كانت هناك الاجواء التي نجمت عن ظاهرة العنف الذي تمثله «القاعدة» الذي كان موجها ضد المصالح الغربية خصوصا الامريكية. فكيف يمكن مواءمة ما يحدث الآن مع الظواهر المذكورة، متى حدث التغيير؟ ومن قام به؟ وما الهدف منه؟ وهل هناك وعي شعبي او نخبوي لما يخبأ وراء هذه الظواهر؟ بمعنى آخر هل هناك ادراك لـ «الهندسة» التي استخدمت لاعادة صياغة المشروع العربي – الاسلامي بما يؤدي في النهاية لتراجع المشاريع التي أقضت مضاجع اصحاب المصالح الغربيين والحكام العرب؟
يمكن القول ان الصحوة الاسلامية التي انطلقت بعد نكسة حزيران بهدوء وبلغت اوجها بعد الثورة الاسلامية في ايران، قد حوصرت الآن ليس في بعدها السياسي فحسب، بل حتى على مستوى الالتزام الديني. ويعبر عن ذلك عدد من الظواهر منها ما يلي: اولها ان رموز الصحوة الاسلامية المذكورة اما غابوا عن المسرح بشكل طبيعي (كالوفاة) او اقتحموا ميادين السياسة بدون مقدمات او برامج او تأهيل ليقدموا اداء سيئا وليتآمر اعداؤهم لاسقاط تجاربهم بدعوى الفشل وعدم القدرة (كما يحدث في العراق والمغرب وكما حدث في مصر) او اودعوا السجون وحكموا بالاعدام او السجن المؤبد (كما حدث للرئيس المصري محمد مرسي والشيخ يوسف القرضاوي في مصر، والاستاذ حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والشيخ علي سلمان في البحرين). ثانيها: بروز مجموعات التطرف والارهاب والعنف المفرط والتحاق المئات من شباب الامة بها، ليس على طريق تحرير الامة من التبعة للغرب او السعي لانهاضها حضاريا وسياسيا، بل ضمن مشروع تفتيت الامة وفق خطوط التمايز العرقي والديني والمذهبي). وحين تنحو اية ظاهرة نحو العنف فانها تكون قد بدأت خطواتها نحو الفناء والانقراض. والتعصب الديني والمذهبي الحالي لا ينسجم مع روح الصحوة الاسلامية التي انطلقت قبل اربعة عقود، او الثورات العربية قبل اربعة اعوام، فكلاهما كان جامعا ووحدويا ومتفاهما مع قواعده ومنسجما مع ابناء امته. ثالثها: بروز ظاهرة الابتعاد عن الدين، اي الانقلاب على ظاهرة الصحوة الاسلامية التي شهدت عودة الملايين للالتزام الديني الواسع. فقد تنامت في الفترة الاخيرة ظاهرة الالحاد في اوساط «المثقفين» خصوصا في البلدان التي تتوفر على ظروف ثقافية وسياسية أكثر انفتاحا مثل لبنان ومصر وغيرهما. كما انتشرت ظاهرة نزع الحجاب الاسلامي الذي ارتبط بالصحوة الاسلامية. وفي الشهر الماضي انطلقت في مصر دعوة لمسيرة مليونية لنزع الحجاب وصاحبها سجال يكشف عمق الازمة الفكرية في اوساط الامة. رابعا: التخلي عن المشروع الاسلامي اصبح سمة عامة لكافة التيارات الاسلامية تقريبا. فليس هناك حزب اسلامي اليوم يكرر مقولة المشروع الاسلامي او يدعو لاقامة منظومة سياسية اسلامية بعد ما اعيدت صياغة النفسية العربية الاسلامية بما جعلها تتقزز من ذلك المصطلح. فاصبحت التنظيمات التقليدية المحسوبة على الصحوة الاسلامية مثار تقزز لدى قطاعات واسعة من ابناء الامة. يصدق هذا على التنظيمات السياسية العراقية، وكذلك على الاخوان المسلمين في مصر وغيرها.
ان هندسة مسار الحركات الاسلامية تنسجم تماما مع «الهندسة» الاكثر تعقيدا التي استخدمت لاعادة صياغة مشروع تنظيم القاعدة لتستبدل بالمجموعات المسلحة الحالية خصوصا تيار داعش. فمن المؤكد ان قاعدة أسامة بن لادن تختلف من حيث التوجهات والاولويات عن المشروع السياسي والفكري لهذه المجموعات. وقد تمت «هندسة» هذا التغيير ليس بايدي المنتمين للتيار، بل من جهات اقتحمت مسار التيار بعد حوادث 11 سبتمبر. لا شك ان الارهاب الاعمى الذي يستهدف الابرياء، أيا كان دينهم او عرقهم، مرفوض جملة وتفصيلا، فالغاية لا تبرر الوسيلة. وإرهاب تنظيم القاعدة لا يمكن اقراره دينيا او اخلاقيا. غير ان النقاش هنا يرتبط بوجهة هذا الارهاب. فقد استهدف اسامة بن لادن الامريكيين بشكل واضح، معتقدا ان من غير الممكن اقامة اي نظام مخالف لسياساتها بدون ان تستهدفه. هذا ما اظهرته الوثائق التي حصل الامريكيون عليها بعد قتله في منطقة «عبوت آباد» الباكستانية في العام 2009. وقد بث الامريكيون الاسبوع الماضي بعض ما تضمنه بعض تلك الوثائق. تقول احداها انه في العام 2007 بعثت جبهة الاصلاح والجهاد» الى بن لادن رسالة تطالبه بالتدخل لوقف ممارسات المجموعات المسلحة في العراق التي كانت تحت زعامة ابومصعب الزرقاوي. وجاء في وثائق اخرى كشف الامريكيون عنها سابقا ان بن لادن طلب من تنظيم القاعدة في اليمن التركيز في عملياتهم على الامريكيين وليس على قوات الامن والجيش، كما طلب من المجموعات المسلحة في العراق التوقف عن قتل ما اسماها «النفوس المعصومة» للمسلمين والتركيز على قوات الاحتلال الامريكية.
ما الذي حدث اذن؟ الواضح ان توجيهاته لم تنفذ، بل ان حمامات الدم سالت، وما تزال تسيل، في اوساط المسلمين، وتوقف استهداف الامريكيين تماما، بل ان بعض المجموعات السورية تدعم وتسلح من الامريكيين وحلفائهم الاقليميين. الاستنتاج المنطقي من سياق ما جرى ويجري ان تنظيم القاعدة تعرض لاقتحام واسع من قبل اجهزة الاستخبارات الغربية والاقليمية. وكان ذلك متيسرا بسبب الحرب التي شنها الامريكيون عليه بعد حوادث 11 سبتمبر 2001. فقد تم عزل القيادة (بن لادن والظواهري ومساعديهما) في جبال تورا بورا بأفغانستان، فاصبحت الفروع الاقليمية سهلة الاختراق. وبشكل تدريجي تمت اعادة توجيه عقيدة المجموعات المسلحة بعيدا عن مواجهة الغربيين خصوصا الامريكيين، لتصبح اكثر تركيزا على الاهداف المحلية الرخوة. جاء ذلك بعد ان تم الترويج لمشروع تفتيت امة المسلمين والتعامل معها كمذاهب مختلفة يكفر بعضها بعضا، وتستحل دماء بعضها البعض. وبعد سقوط صدام حسين كان العراق مهيأ لبدء تنفيذ تلك الخطة، فاستمر الوضع الى ما وصله الآن.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية