العراقي خضير الزيدي: الطريق إلى القارئ يخضع إلى المزاج وتأثيرات الثقافة المناطقية

حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: ينحى الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في اشتغالاته السردية إلى مناطق بعيدة عن هموم الآخرين، فأغلب شخصيات رواياته تنطلق من الأزقة ومن الناس المسحوقة التي لا يلتفت إليها أحد، فبعد تجارب عدَّة في القصة والرواية، أصدر الزيدي «تاريخ أول لسلة المهملات» و«الباب الشرقي – رواية الضحك بلا سبب» و«ابن شارع» و«السيد أسود باذنجان»، وأخيراً «فندق كويستيان». ومن خلال هذه الأعمال تميز الزيدي بلغته الخاصة التي اعتمد فيها البساطة وابتعاده عن البلاغات الزائدة التي عرفت عن الرواية العراقية خلال العقود التي سبقت عام 2003:

■ ما زال أغلب روائيينا العراقيين يبحثون عن الثيمات الكبيرة في الرواية، وهو أحد أسباب تشابه الموضوعات في البناء السردي لعدد كبير من رواياتنا، كيف يمكن للروائي البحث عن موضوعه الخاص ليغير من خلاله أيضاً، تقنياته السردية التي يتمكن من خلالها لبناء نص متفرد؟
□ الثيمات الكبيرة في الرواية العراقية كانت نتيجة حتمية، جاءت من رحم التاريخ العراقي الدرامي المتشابه والمتكرر من دون فواصل. الجميع يعرف أن تاريخ العراق المعاصر يعاني من عقدة تكرار وحداته وإعادة إنتاجها بصيغ درامية مقرفة، في أهم متلازمة وهي الحرب الدائرة منذ ثمانينيات القرن الماضي لغاية يومنا هذا، حرب ثم حرب ثم حصار ثم حرب، تارة حروب خارجية وتارة أخرى داخلية.. فمن الطبيعي أن يتأثر الكاتب تلقائياً بحركة التاريخ، ويتأثر بدراما تاريخ الدم العراقي الرخيص والمسفوح في الطرقات، لينعكس في مروياته حتماً. ومن ثمَّ أن الروائي العراقي بطبيعته الاجتماعية ميال إلى الكسل في مباحثه عن الثيمات الساخنة، ليتناول الثيمات الجاهزة المطروحة بالقرب منه. الأدب العراقي بصفته العامة هو نتاج البطالة، معظم كتابنا اليوم يعانون من البطالة، ومهنة الكتابة هي مراوغة مقنّعة للبطالة السائدة.. الروائيون العراقيون في معظمهم؛ وليس الكل، يبحثون كموظفين كسولين متقاعسين عن ثيمات جاهزة، هؤلاء عاطلون عن العمل يتلذذون بغواية الكسل.. برأيي، إن أغلب الثيمات الناجحة تكمن في النصوص التنبوئية التي تجترح المستقبل، أو تلك التي تقرأ التأريخ برؤية مغايرة.. تلك المغايرة تحتاج إلى جملة بحوث مضنية واستعداد مبكر قبل الشروع في لحظة الكتابة لاستحضار جملة المباحث المظللة في الوثائق والمشكوك فيها، ذلك ما يصنف في جملة إعادة قراءة التاريخ برؤية مختلفة ومبتكرة.. الروائي ليس رجل تاريخ، لكنه خير من يكتشف هشاشة المدون منه والزائف والحقيقي، تلك القضية تحتاج إلى النباهة والحرص لاستنباط الرؤى الجديدة في الرواية، التي يحتاجها القارئ، فالمهمة عسيرة للغاية إذا ما اشتبك على الكاتب المزيف والحقيقي في وقائع التاريخ، وهي يسيرة في متناول اليد إذا ما أدرك بنظرة كلية خط مسيرة التاريخ.
لم نشهد في معظم رواياتنا العراقية المعاصرة فنون مكر الحكاية التي يبحث عنها جمهور القراء، فالحكاية الذكية تستدعي العقول الحاذقة للتفاعل. لم تعد الحكاية مجرد حكاية أرسطية ببداية وعقدة ونهاية، فإذا تمكن الكاتب من نسف الحكاية القديمة، واشتغل على دس فن المكر ببراعة في حكايته وشحذها بالتفاصيل، حتما ستجد الطريق إلى القارئ وتصيبه بالدهشة، فسلطة القارئ هي المهيمن الأكبر في تعاطي الرواية الناجحة.
■ ربما يسحبنا هذا الموضوع للبحث عن السرديات الصغرى، سرديات الهامش وعوالمه الخاصة، وهو ما حاولت تقديمه في أغلب أعمالك.. ما اﻷسس التي تنحت من خلالها موضوع روايتك؟
□ في العموميات تخضع السرديات الحديثة في التحليل ودراسة النتائج إلى مكونين فاعلين، إما أن تكون حاملة لمبنى وتقنيات في الاشتغالات الشكلانية أو لمعانٍ ودلالات في محمولات جوهرها، وفي الحالتين يقف التجريب الشكلي في هندسة ومعمار العمل الروائي أو في البث السردي للحكاية المتشظية التي باتت واحدة من مهيمنات الرواية الحديثة. الرواية العراقية الكلاسيكية طعنت الحكاية الجمعية وراحت تغوص عميقاً في التجربة الفردية، في حين عملت الرواية الجديدة؛ وإن شحّ نوعها المتميز، على تجميع وبث الحكاية الجماعية، وإذ تقف البنية السردية أسيرة نوع الحكاية.. بعد غياب واضح للتضمينات الأسطورية أو الميثولوجية الحكائية في الرواية العربية المعاصرة، فإن هناك مهيمنات حكائية معاصرة مستلّة من وقائع التاريخ الفردي أو تاريخ الجماعات.
أعد الرواية الناجحة تلك التي تشتغل على وقائع تاريخ الجماعات لا الأفراد، الهم الجمعي سيفتتح له حتماً نافذة واسعة على رؤى الكاتب تجاه قراءة التاريخ، ومنها طبعا التبني الواضح لفلسفة الهوية الكلية للجماعات. شخصياً تجذبني إليها الأماكن البور، مثل هواة المجازفة لتصوير فوهة البراكين والنظر إلى الحمم الحامية وهي تقذف من فوهات البراكين، تستهويني المنطقة الخام التي لا تصلها الأعين، وأعدّها من مكتشفاتي الخاصة المسجلة باسمي.. لذلك تراني في كتبي السردية، سواء في «الباب الشرقي» أو «سيد أسود باذنجان» أو «فندق كويستيان» أو «ابن شارع» وحتى «في تمر ولبن»، أغوص عميقاً في لب الهوامش ثم أظهره للسطح لأسجله في كل مرة مكتشفاً طازجاً باسمي.
■ لم يعد موضوع الرواية ذا أهمية كبيرة في الدرس النقدي مقارنة بالتقنيات السردية ولغة الرواية وبنيتها، وهو ما جعل العمل الجيد نادراً وسط الكم الهائل من الروايات، عراقياً وعربياً.. ما اﻷساليب التي تشتغل عليها؟ وما الذي يحدد بنية سردية في عمل ما وتستبعدها في عمل آخر؟
□ إذا ما تكلمنا عن محددات وذائقة الحقول النقدية ومدى قبول العمل الروائي من عدمه، فهذا الموضوع شائك للكثيرين. إن الكثير من الأعمال الروائية الجيدة والمثيرة وقد أشرتها المباحث النقدية لكنها فشلت بالوصول إلى لب القارئ. بعض الروايات تحقق للدارس الأكاديمي والنقدي كل متطلبات دراسته لكنها تفشل بوصفها رواية ناجحة، والعكس أيضاً صحيح. أحلام مستغانمي كاتبة تقرأ من أطياف المجتمعات العربية الجديدة لكن القارئ الكلاسيكي، الذي هضم من زمن بعيد أمهات الروايات العالمية والمسحور بفن البطولة المطلقة، لا يمكن أن يتذوقها بيسر وسهولة. الطريق إلى القارئ العربي يخضع إلى المزاج المناطقي وتأثيرات الثقافة المناطقية، لذلك ليس مستغربا أن كاتباً روائياً يقرأ في تلك المنطقة العربية ولا يقرأ في منطقة أخرى، تبعا للمزاج ونوع الثقافة والتأثيرات السياسية.
■ أكدت أكثر من مرة أنك ﻻ تكتب رواية بمفهومها العام، بل تسعى لنحت نوع جديد يربط بين الرواية والقصة والحكاية الشعبية، إلى أي مدى يمكن أن يستفيد الروائي من تقنيات البنى السردية العديدة لينجز عمله الذي يحلم به؟ وهل ممكن أن يخرج كاتب ما بجنس أدبي ويؤسس له بعيدا عن السياق الجماعي؟
□ القصور الواضح والطاغي ما زال ليومنا هذا في إدراك المستوى الجمالي للخروج من حاضنة التجنيس والاشتراطات القسرية في الفنون السردية المنفلتة عن الفن الروائي أو القصصي.. في حين نجد أن الغرب تجاوز كثيراً في مدارات السرد وانفلاتها، لكنها على الرغم من ذلك تشتغل على حيثيات الأمكنة؛ مثلاً، ونفي الشخوص خارج المتن السردي. تلك السرديات المنفلتة تستهويني كثيراً فهي أكثر تحرراً في الكتابة السردية المنفلتة والتي تحقق؛ على مساحة واسعة، نوعاً من السرد المنفلت عن الجنس الكتابي.
الفنون الغربية في مجالات السرد كسرت منذ زمن ليس بالقريب تابوات التجنيس، تحررت من تقميطات جنس السرد ونوعه، وترجمت إلى العربية بعض النصيات مسرودة لكنها غير منتمية.. مع توفر وحدتي المكان والزمان وتنامٍ واضح للحدث، لكن الشخوص والحواريات تبقى هائمة في فضاءات النصوص غير المجنسة.. وإذا عدنا لكتاب الأسطوريات لبارت سيتجسد ذلك لنا بشكل أوضح.
هناك رؤى لا يمكن إخضاعها قسراً للرواية، فشخوصها يشوبها فقدان الملامح، لا يستطيع الكاتب الروائي رسم ملامحهم في النصيات الجديدة، لذلك تنتج الاشتغالات المنفلتة حقولاً ملائمة للعب داخل تلك النصيات. إن الفرق شاسع في فن المقامات من حيث اختيارات مواضيع المقامات، فالمتفحص لمقامات الحريري يجدها نثريات تهتم في المنزوي والشعبي والجماهيري، فيما كانت مقامات الهمذاني مقامات سلطوية قريبة جداً من قصور الخلافة رغم ريادتها.. لذلك فإن المتعة نجدها على مساحة أكبر عند الحريري، لأنه يعكس روحية وفضاء العصر الذي عاش.
■ في الوقت الذي أهملت فيه بعض اﻷجناس اﻷدبية، مقارنة بجنس النثر، كما أهملت فنون سردية مقابل الرواية، خلال العقد اﻷخير والسعي الحثيث من أغلب الكتاب ﻹنجاز عملي روائي، بدأ البعض بالعودة لفن القصة القصيرة، خصوصا بعد حصول القاصة أليس مونرو على جائزة نوبل.. لماذا هجرت القصة وتوقفت عند الرواية فقط؟ وكيف يمكن اﻹبداع في نوعين سرديين بينهما اختلافات جمة؟
□ القصة القصيرة فن مستقل وجميل في أجوائه، إلاّ أنه في واقع اليوم الملتبس بات لا يلبي الطموح ولا يشبع الفضول. العربي بطبيعته ميّال إلى إثراء حكايته وإشباعها، بل وإضاءتها من جميع زواياها. القصة القصيرة تعتمد على تكثيف اللحظة وضغط الزمن، هنا على هذه الأرض التي نقف ونعيش عليها لدينا خاصية الزمن مشلولة إلى حد بعيد، على مدى خمس ساعات متواصلة يجلس المرء على كرسي في مقهى من دون عمل أو تأمل.. قياسات الزمن المتعطل إذا ما انعكست في زمن اللحظة القصصية ستلد معاقة ومشوهة، لذلك حتى للمقاربة في النثريات التراثية (المقامات) كانت تعتمد على قياسات الزمن المركب أو المفتوح الذي يتلاءم مع الزمن الأفقي المبثوث في الأعمال الروائية. القصة لم تعد تفي بهول ما يمر بنا، معظم القصاصين العرب ومنهم العراقيون يتحولون تدريجياً للتجريب في الحقل الروائي بعد تمرين كتابة القصة، وحتى الجوائز والمسابقات العالمية تعتمد الرواية كمشاريع إبداعية أكثر من القصص القصيرة، لعلاقة الرواية المباشرة مع تاريخ البلدان.
■ توزعت جائزة البوكر، حتى اﻵن، بين ثماني دول عربية، ربما هذا يؤشر على توزيع جغرافي تعمل عليه الجائزة بعيداً عن اﻹبداع.. كيف تقرأ الجوائز؟ وما الذي فعلته في عالمنا العربي؟
□ أعتقد أن فضيلة الجوائز الكبرى والبوكر على وجه التحديد في أنها جذبت القارئ العربي مرة أخرى إلى حضن السرديات العربية، بعد أن ذهب القارئ النوعي لمطالعة الأدب العالمي أكثر من العربي. الجوائز؛ قطعاً، لا تصنع أدباً ولا أديباً، لكنها تلعب لعبة الشياطين والملائكة مع خريطة الإبداع وتماشياً مع سياسة القائمين على الجائزة. بات واضحاً أن هناك من يتحكم في الجائزة فوق لجنة الحكم، خاصة نقل الجائزة في السنين الأخيرة على مناطق جغرافية متعددة، تلبية للمحاصصة العربية والتوافقات.. فبتنا نسأل عن جنسية الكاتب المرشح للقصيرة قبل السؤال عن روايته. اعطيت هذه السنة لتونس؛ للمبخوت، وكنت أتمنى أن تعطى لحمور زيارة لروايته المهمة «شوق الدراويش» أكثر من أهمية «الطلياني»، تماشياً مع تصريحات البرغوثي رئيس لجنة التحكيم عن الأفضل في أنها ستكون لحسابات اللعبة اللغوية الأكثر تماسكاً، لكن لا نعرف على وجه الدقة ما هي النقاط التي جمعتها رواية «الطلياني» لتفز على «شوق الدراويش». مما يؤكد هذه اللعبة البوكرية التي كثر الحديث عن روح الشيطنة التي تلعبها. أصبحت قلقا على استدراج معظم كتاب الرواية إلى التفكير بالجوائز والمسابقات. الكاتب، غالباً، ما يضع نصب عينه القارئ المفترض أثناء سير الكتابة، أما أن يضع ناقداً بعينه أو القارئ البسيط وربما سيضاف إليهما لجنة حكم الجائزة، وهنا ستفقد الرواية ركناً من أركان المتعة الافتراضية.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية