هل تخوض إسرائيل حربا جديدة في غزة، وهل انتهت الحملة الأولى باتفاق وقف إطلاق النار في كانون الثاني/يناير وبدأت الثانية بانتهاك إسرائيل له في آذار/مارس؟
يرى البعض أن النظر إلى الأساليب التي يتبعها الجيش الإسرائيلي والأهداف المعلنة الآن تشير إلى أن الحملة الجديدة تختلف عن الأولى التي أعقبت هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025، فقد كان الهدف هو تدمير حماس وتحرير الأسرى، والآن من النادر ما يذكر الأسرى المتبقين لدى حماس، فهم نهاية للمرحلة الثانية وليسوا هدفا أساسيا.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في 18 آذار/مارس أن أي مفاوضات مع حماس لن تكون إلا تحت النار وأن إسرائيل تنوي عملية توسيع المناطق التي تسيطر عليها من أجل دفع حماس على الاستسلام وتدميرها وبالتالي تحرير من تبقى أو أخذ جثث الأسرى المتبقين.
حس التباهي
وكانت نية الجنرالات في الجيش الإسرائيلي التكتم على العملية العسكرية في الأول من نيسان/أبريل إلا أن القادة السياسيين وخاصة نتنياهو ووزير دفاعه إسرائيل كاتس لم يقاوما شهية التباهي والغطرسة عندما أعلنا عن عملية «ممر موراغ» وهي مستوطنة كانت موجودة بين خان يونس ورفح قبل أن تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع عام 2005، وأكد كاتس أن إسرائيل تهدف للاستيلاء على الأراضي في غزة كعقاب لحماس وبالضرورة السكان.
وتقوم القوات الإسرائيلية بعملية موسعة في الجنوب وأخرى على قاعدة أخرى في الشمال. وتهدف العملية كما أوردت مجلة «إيكونوميست» (10/4/2025) إلى حشر الفلسطينيين في منطقة ساحلية صغيرة وخلق مناطق إبادة، أي قتل من يرفض الرحيل، وحسب افتراض قادة إسرائيل، مقاتلي حماس.
ولا يوجد في هذا السياق حديث أو إشارة لليوم التالي لما بعد الحرب. وهو أمر رفض نتنياهو مناقشته طوال الحرب التي مضى عليها عام ونصف. والهدف المعلن كما تقول المجلة هو تدمير غزة بالكامل. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية والتقارير أن الجيش دمر معظم مدينة رفح وحول أحيائها لمناطق قتل محظورة على الفلسطينيين الذين لن يعودوا إليها أبدا، حسب الإستراتيجية الإسرائيلية.
الرحيل أو الموت
وأصبح شعار القوات الإسرائيلية أو أوامر الإجلاء يقوم على «أرحل أو ابق»، حيث قالت الأمم المتحدة إن إسرائيل شردت حوالي 390.000 فلسطيني في الأسابيع الأخيرة. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» (11/4/2025) أن أوامر الإخلاء المستمرة، وآخرها يوم الجمعة لسكان، مدينة غزة جاءت وسط ترحيل مستمر لسكان الشمال الذين عاد عشرات الآلاف منهم من الجنوب بعد توقيع الهدنة، ورفضوا حتى الآن الرحيل بعد تشردهم المستمر. ونقلت الصحيفة عن مواطن اسمه احمد المصري، 26 عاما من بيت لاهيا قوله «لا نريد المغادرة» و«إلى أين نذهب، لقد تعبنا».
وفي بعض الحالات تجاهل السكان أوامر الإخلاء وبعدها أرسل الجيش الإسرائيلي الدبابات للاحتلال. وفي أماكن أخرى أرسل الجيش الأوامر ولكنه لم يرسل القوات البرية. وبدأ الجيش باتباع السياسة الجديدة في 18 آذار/مارس بحجة إجبار حماس على الإفراج عن الأسرى. ورفضت حكومة نتنياهو حتى الآن أي جهد للهدنة يتوسط فيه المفاوضون العرب والأمريكيون.
ترامب المنشغل
ويبدو أن نتنياهو يعول على ذاكرة الرئيس الأمريكي القصيرة، حيث جذب أصوات الناخبين العرب الأمريكيين بفكرة تحقيق السلام في غزة ووقف الحرب، لكنه نسي وقف إطلاق النار وغزة التي لا يزال يرادوه حلم السيطرة عليها وتحويل رمالها إلى شقق فارهة.
وحتى في لقائه الثاني مع نتنياهو في 7 نيسان/أبريل وسط الحرب التجارية والرسوم الجمركية التي فرضها على عدة دول في العالم ومنها إسرائيل، لم يكن لدى ترامب إلا القليل لما يقوله عن غزة، سوى أن الحرب ستنتهي في النهاية وإن اتفاقا لوقف النار سيكون قريبا وليس بعيدا، مضيفا أن كل الأسرى سيخرجون من القطاع، بدون تقديم تفاصيل، وخاصة أنه فاجأ ضيفه الإسرائيلي بمفاوضات الملف النووي مع إيران يوم السبت 12 نيسان/أبريل. ورغم الزيارة التي وصفتها الصحافة الإسرائيلية والأمريكية بالفاشلة إلا أن نتنياهو غادر واشنطن رابحا على الأقل في ملف مواصلة حرب الإبادة ضد الفلسطينيين. وهو ما دفع مجلة «إيكونوميست» للقول إن إسرائيل عازمة على تدمير القطاع بكامله وحصر السكان في مناطق صغيرة على أمل دفعهم للرحيل، طوعا أو قسرا.
مطلق اليد
فلم يعد لدى نتنياهو أي قيود ظاهرية كما حاولت إدارة بايدن منح المراقبين انطباعا أنها تضغط على إسرائيل، في وقت واصلت فيه الجسر الجوي العسكري لها لكي تواصل حربها الإبادية، فمع ترامب يبدو نتنياهو مطلق الحرية، كما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» (8/4/2025) أن خرق إسرائيل للهدنة قبل ثلاثة أسابيع، وهو هجوم متجدد أودى بحياة أكثر من ألف شخص – كان في وقت قريب ليطلق ضغطا غربيا شرسا على نتنياهو وكانت الإدانات ستأتي سريعة، علنا وفي أحاديث خلف الكواليس. وكانت المطالبات بضبط النفس ستأتي من أوروبا والبيت الأبيض. رحل بايدن، وأوضح ترامب أنه لا ينوي مواصلة التلويح بأصابع الاتهام كما فعل سلفه. فأوروبا منشغلة بحرب ترامب التجارية، وقد عزز نتنياهو أغلبية ائتلافه في البرلمان الإسرائيلي، ما منحه مساحة سياسية أكبر للتحرك. وقالت إن نتنياهو الذي جلس مرتبكا إلى جانب ترامب في زيارته الأخيرة وأجبر على الاستماع لخطاب ترامب عن التعرفات الجمركية وتلقي نصائح الرئيس لنتنياهو بضرورة التعقل في علاقاته مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ومن ثم تلقيه مفاجأة المفاوضات النووية مع إيران، فرح بصمت ترامب عن غزة.
فلم يذكر مجزرة تل السلطان وقتل 15 مسعفا الذي لم تتوقف التقارير عن كشف تفاصيله وتكذيب مبررات الجيش الإسرائيلي في 23 آذار/مارس، ولم يكشف عن مقبرتهم الجماعية إلا بعد أسبوع. وكانت آخر التحقيقات، ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست» (10/4/2025) وكشفت عن تناقض الشهادات والأدلة مع رواية إسرائيل. كما لم يشر ترامب إلى غارة 3 نيسان/أبريل التي أودت بحياة العشرات، بمن فيهم أطفال، في مدرسة حولت إلى مأوى. وتقول سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس: «أعتقد بالتأكيد أن نتنياهو يحاول الاستفادة مما يعتقد أنه مجال متزايد للمناورة». وقالت إن رئيس الوزراء بدا متشجعا بصمت ترامب في مواجهة الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة داخل غزة بعد وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين فقط. والنتيجة، كما يقول المراقبون داخل إسرائيل وخارجها، هي رئيس وزراء يده مطلقة، مع عدد أقل من الحواجز التي تقيد أفعاله في غزة ولبنان وسوريا. ففي الوقت الذي منعت فيه إسرائيل الآن دخول المساعدات إلى غزة لأكثر من شهر، تقوم القوات الإسرائيلية بدوريات في أجزاء من جنوب لبنان وسوريا، حيث يقول القادة الإسرائيليون إنهم سيبقون إلى أجل غير مسمى. ويقول دانيال ليفي، رئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط، وهي مجموعة مقرها لندن ونيويورك: «كان من الممكن تجاهل الضغط الضئيل الذي كان موجودا، وقد تم تجاهله». وما يهم هو موقف ترامب من غزة، فقد منحت أحاديثه عن السيطرة على القطاع، فرصة لنتنياهو وغيره من السياسيين الإسرائيليين للحديث بصراحة أكبر عن مستقبل تسيطر فيه إسرائيل على المنطقة إلى أجل غير مسمى. ويوم الثلاثاء الماضي، بعد أن كرر ترامب الفكرة، أشاد نتنياهو بها باعتبارها مفيدة لشعب غزة. قال نتنياهو: «إنهم محصورون. وما الخطأ في منح الناس خيارا؟»، بينما أصر أيضا زورا على أن إسرائيل لم تمنع سكان غزة من المغادرة لسنوات. وزعم رئيس الوزراء إنه والرئيس تحدثا خلال الغداء عن الدول التي ادعى استعدادها لاستقبال الفلسطينيين الراغبين في مغادرة غزة. ورفضت مصر والأردن ذلك مرارا وتكرارا. وقال نتنياهو: «لدى الرئيس رؤية. الدول تستجيب لهذه الرؤية. ونحن نعمل على تحقيقها».
تسهيل الترحيل
في إسرائيل، كانت فكرة ترحيل الفلسطينيين من غزة حكرا على تيار يمين متطرف، والآن، أيدها الرئيس الأمريكي وكررها نتنياهو، وأنشأ وزير الدفاع الإسرائيلي مكتبا للإشراف على هذه السياسة. وقال ليفي: «إن التشجيع والدعم اللذين قدمتهما هذه السياسة موجهان إلى معسكر في إسرائيل متطرف للغاية، ومبدأ محصلته صفر، وكان يكتسب نفوذا، لكنه الآن يشعر حقا أنه قادر على تنفيذ الأمور».
معاناة
والحرب الجديدة على غزة هي جزء من التدمير الكامل الذي تمارسه إسرائيل للقطاع. في وقت فرضت فيه حصارا على السكان ومنعت دخول الطعام والمواد الأساسية، فقد أوقف برنامج الغذاء العالمي برامج تمويل المخابز للسكان الذين لا يستطيعون صنع الخبز بأنفسهم نظرا للكلفة العالية، حيث يصل سعر كيلو الغاز إلى 250 شاقلا أو ما يساوي 15 دولارا، أما سعر كيس الطحين فسعره أضعاف هذا. وتقول إسرائيل إنها تريد حصر السكان بالجيوب الساحلية بهدف توفير المواد الغذائية لهم عبر الممر الجديد موراغ، وتجاوز سيطرة حماس على الدعم. ويزعم قادة الاحتلال أن هناك وفرة في المواد الغذائية، ولكن حماس هي التي تسيطر عليها. وحقيقة حديث سيطرة إسرائيل على الدعم هو تحول جديد في الإستراتيجية، فمن ناحية كانت إسرائيل ترفض بصفتها الطرف المحتل تولي مهمة توزيع المواد الإنسانية وتفضل التنسيق مع مؤسسات دولية أو أطراف محلية، كانت تأمل بتحويلهم إلى جماعات متعاونة معها مستقبلا. وهو ما يؤكد حقيقة أن إسرائيل تحضر لاحتلال دائم للقطاع، وإعادة تشكيل طبيعته الجغرافية والطبوغرافية وتوسيع محاور الأمن، تماما كما تفعل في سوريا، حيث تحولت في مناطق الجنوب السوري إلى «السيد الجديد» كما تقول صحيفة «وول ستريت جورنال»(6/4/2025)، وهي نفس الإستراتيجية في لبنان حيث يحتل الجيش الإسرائيلي نقاطا في الجنوب ويمارس منها عمليات توغل في الأراضي اللبنانية. ونفس القصة في الضفة الغربية، حيث يتم تحويل المدن والبلدات إلى مجتمعات مقيدة بالبوابات ويتم تدمير المخيمات ومنع سكانها من العودة إليها.
عقيدة جديدة
وتعكس هذه التحولات كما تقول «وول ستريت جورنال»(4/4/2025) العقيدة الجديدة لرئيس هيئة الأركان الجديد إيال زامير الذي خطط لنشر عشرات الآلاف من الجنود في غزة، بدلا من الاعتماد على القوة التكنولوجية والطيران، كما فعل القادة السابقين، ومعظمهم من القوات الخاصة. أما زامير فهو جنرال قادم من وحدة المدرعات. وتقول الصحيفة إنها إستراتيجية محفوفة بالمخاطر وتعكس ثقافة جديدة يريد زامير الترويج لها داخل الجيش. وهي السيطرة على المناطق التي يدخلها الجيش وعدم العودة إليها عدة مرات كما فعل خلال الأشهر الـ 15 الماضية. وتقوم خطة زامير على عملية طويلة تسيطر فيها قواته على المناطق والتأكد من تدمير حماس. فهو كما تقول الصحيفة احتلال دائم وتولي مهمة توزيع المساعدات الإنسانية. ويقول إيهود يعاري، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «يأتي قائد الجيش من ثقافة عسكرية مختلفة عن قادة هيئة الأركان السابقين»، وتقوم هذه الثقافة على «نشر ضخم للقوات». وفي هذا السياق قال ديفيد روزنبرغ بمجلة «فورين بوليسي» (10/4/2025) إن الحرب الإسرائيلية الثانية في غزة تحمل ملامح وأهداف وتكتيكات جديدة. وأشار الكاتب إلى استنئاف الحرب بعد انتهاك وقف إطلاق النار، بغارات على بيت لاهيا والنصيرات والمواصي ورفح، والتي خلفت وراءها أكثر من 400 ضحية. ويقول إن تصريحات نتنياهو بأن الحرب الجديدة «هي بداية» تقترح أن الحملة الجديدة لا تهدف إلى زيادة المكاسب قبل الدخول في المفاوضات، بل تؤشر إلى شيء أكبر. ولكن الدوافع للحرب الجديدة متعددة من تحرير الأسرى إلى سحق حماس وإعادة الردع. ففي بداية الحرب قبل 17 شهرا كان الدعم للحرب بين الإسرائيليين عاما، حيث عاد بعض جنود الاحتياط إلى وحداتهم قبل تلقيهم الدعوة، إلا ان طول أمد الحرب أدى إلى تراجع الدعم لها، وخاصة بعد اكتشاف الكثيرين في إسرائيل أن الأسرى لا يمكن تحريرهم بالحرب أو مواصلة الضغط على حماس. وحتى مع تراجع الدعم، يرى محللون أن نتنياهو بات ينظر للحرب باعتبارها وسيلة مفيدة لحرف الأنظار عن فشل حكومته ومحاكمات الفساد التي يواجهها. وأكثر من هذا يرى اليمين المتطرف المتحالف مع نتنياهو الحرب كوسيلة لتوسيع أحلامهم والسيطرة على غزة وإعادة الاستيطان فيها. ويقول روزنبرغ إن حرب غزة الثانية لا تحظى بشعبية كالحرب الأولى. ففي استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب آذار/مارس، وجد أن نسبة 28 في المئة من الرأي العام يدعمون مواصلة الحرب في غزة، مقابل 37 في المئة تعارض استئنافها. وتقول نسبة النصف من المشاركين إن نتنياهو قرر استئناف الحرب لأهداف سياسية. وتجنب الجيش دعوة جنود الاحتياط، ففي تقرير لصحيفة «هآرتس» قالت فيه إن الكثير من الجنود أخبروا قادتهم بأنهم لن يستجيبوا لدعوات العودة لوحداتهم، ليس بسبب عدم دعمهم للحرب أو عدم ثقتهم بالحكومة، بل لأن الدعوات المتكررة عرقلت حياتهم وأعمالهم. وبدلا من أن تكون حرب الشعب، باتت الحرب الثانية حربا سياسية وأيديولوجية. ويدعم الرأي العام في غالبه إعادة الأسرى إلى عائلاتهم، وبالنسبة لنتنياهو فالحرب هي من أجل الحفاظ على ائتلافه الحكومي.
تهيئة الظروف
ويقوم شركاء نتنياهو بتحضير الخطط لغزة بدون الفلسطينيين، وعلى الأقل بموافقة ضمنية من رئيس الوزراء. وبعد وقت قصير من استئناف الحرب، وافقت الحكومة الأمنية المصغرة على إنشاء مكتب «لإعداد وتسهيل حركة آمنة ومنضبطة لسكان غزة الراغبين في الانتقال طواعيةً إلى دول ثالثة». وقدر وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، أنه إذا استطاع المكتب الجديد إتقان اللوجستيات المعقدة المعنية، فقد يفرغ غزة من سكانها البالغ عددهم مليوني نسمة في غضون عام، حسب تقرير أعده عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» الذي كشف عن لامبالاة نتنياهو بالخطط، وعندما سأله الوزراء عما يأمل تحقيقه من القتال المتجدد، قيل إن نتنياهو تمتم بشيء ما حول تشكيل تحالف من الدول العربية لإدارة غزة بعد هزيمة حماس. وأجابت وزيرة المستوطنات أوريت ستروك، من حزب الصهيونية الدينية: «لكن غزة لنا، جزء من أرض إسرائيل، هل ستعطونها للعرب؟»، ليجيب نتنياهو: «ربما تكون هناك حكومة عسكرية هناك. هناك احتمالات عديدة». لكن الحرب الأولى لم تخض لتحقيق حلم اليمين المتطرف بالغزو والاستيطان. ففي عهد رئيس الأركان آنذاك، هيرزي هاليفي، امتنع الجيش عن احتلال مساحات شاسعة من غزة لفترات طويلة. وباستثناءات قليلة، كانت السياسة المتبعة هي مهاجمة منطقة محددة، والقضاء على مقاتلي حماس وبنيتها التحتية، والانسحاب والعودة فقط (كما يحدث غالبا) عندما تستعيد حماس وجودها. واعتقد هاليفي أن الطريقة الوحيدة لهزيمة حماس فعليا هي استبدالها بسلطة حاكمة أخرى. أما سعي نتنياهو لتحقيق نصر كامل، فكان ضربا من الخيال. فبنهاية الحرب الأولى، أصبحت حماس منهكة، لكن نتنياهو حرص على عدم إثارة غضب اليمين من خلال وضع خطة لمستقبل غزة بعد الحرب. واستقال هاليفي تحت ضغط من حكومة نتنياهو بداية آذار/مارس، أما خليفته زامير، فلديه أفكار أخرى حول كيفية خوض الحرب. ولم يطبق زامير خطته بشكل كامل، خوفا من ردة فعل جنود الاحتياط، إلا أن الجيش وحتى نهاية الأسبوع الحالي احتل نصف غزة فيما يقول إنه توسيع للمنطقة العازلة. وتفعل إسرائيل هذا بدون مقاومة كبيرة من الخارج، كما في عهد بايدن. ومع أن زامير لا يشترك مع اليمين المتطرف في أفكاره القيامية، ويرغب بتحقيق أحلام نتنياهو لهزيمة حماس، إلا أنه يقوم بتهيئة الظروف من أجل تحقيق الحلم والعودة إلى غزة. ومع تخلص نتنياهو من هاليفي ووزير الدفاع السابق يواف غالانت ومحاولاته الحالية لعزل مدير شين بيت رونين بار، فلن يجد أي معارضة لمواصلة حربه المزعومة ضد حماس وإبادة وتهجير الفلسطينيين. وما يهم نتنياهو في الحرب الثانية، ليست معارضة ترامب الذي لم يبد أي معارضة حتى الآن لاستئنافها، بل النجاة السياسية وتحقيق أحلام الرب التي يريدها اليمين. أو بعبارات أخرى القتال حتى آخر فلسطيني في غزة. ويمضي نتنياهو وجنوده في تدمير ما تبقى من غزة وسط دعم دولي وتواطؤ أمريكي في تطبيع البشاعة، وكما تقول نسرين مالك في صحيفة «الغارديان» (7/4/2025) فإن عملية التطبيع ليست سهلة فمع «كل جثة وكل مدينة تسحق وتصبح أنقاضا وكل طفل مدمى لا وجود له في أرض بعيدة ميؤوس منها، بل في أعماق الناس. لأنه من المستحيل أن يرى العالم الدمار اليومي الذي يصيب شعبا ويرهب أو يشعر بالإجهاد حتى يعتاد عليه. وقد يختار البعض تجاهله أو تبريره أو حتى دعمه لكنهم لن يستطيعوا أبدا تطبيعه».
وفي الحقيقة كما يقول عومير بارتوف، بمقال ستنشره مجلة «نيويورك لمراجعة الكتب» عدد 24 نيسان/أبريل فإن ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة أن استغلال الغرب والولايات المتحدة وبالضرورة إسرائيل نسخة مشوهة عن الهولوكوست لتبرير محرقة أخرى في غزة، سيحرر بالضرورة إسرائيل من مكانتها الفريدة كنتيجة حتمية للهولوكوست، ومع أن هذا لن يفيد عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة ومن قتلوا في هجوم حماس أو الأسرى لديها، لكن إسرائيل فقدت رخصة الهولوكوست بعدما أساءت استغلالها، وسيتاح لأبناء وبنات الجيل المقبل فرصة لإعادة التفكير بحياتهم ومستقبلهم وسيدفعون ثمن خطايا إبادة أخرى ارتكبت باسمهم في غزة.
أما أوروبا والولايات المتحدة التي مضت وراء إسرائيل، فستتحمل مسؤولية قبولها رواية إسرائيل.