حسن نجمي: «رأس الشاعر»

حجم الخط
0

بين مجموعات عديدة أصدرها الشاعر المغربي البارز حسن نجمي، يُشار إلى الأولى «لك الإمارة أيتها الخزامى»، 1982؛ وإصدارات أخرى مثل «سقط سهواً»، «حياة صغيرةّ»، «ليل يستريح على خشب النافذة»، «المستحمات»، «على انفراد»، «فكرة النهر»، و«أذى كالحبّ». كما وقّع مجموعة مشتركة مع الفنان محمد القاسمي، بعنوان «الرياح البنية»؛ وفي الرواية «الحجاب»، و«جرترود»؛ وأعمال نقدية ومقالات، بينها «الشاعر والتجربة»، «شعرية الفضاء» و«الناس والسلطة». وفي الشعر كما في السرد والنصوص والأبحاث، واصل نجمي تطوير شخصيته الإبداعية والفكرية وصناعة بصمة خاصة انفرادية تميّزه على صعيد مجايليه ضمن التيارات الحداثية في المغرب خصوصاً، والعالم العربي عموماً.
الإصدار الجديد يحمل عنوان «رأس الشاعر»، ويضمّ ثلاثة أعمال أخيرة هي «يتشهاك اللسان» و«فكرة النهر» و«ضريح آنا أخماتوفا». وعن العمل الثاني كتب الشاعر والتشكيلي الفلسطيني زهير أبو شايب (الذي صمّم الغلاف الجميل أيضاً): «اللافت للنظر أنّ موتيف النهر قليل الحضور في الشعر العربي، قديمه وجديده، وأنه لم يحظ بمثل ما حظيت به الصحراء أو البحر أو الواحة من اهتمام! لهذا فإنّ عمل حسن نجمي الشعري هذا يشبه أن يكون عملاً ريادياً يلتفت فيه الشاعر إلى النهر الذي هو (نهر حياته)».
هنا قصيدة «جُنُونٌ وحيدٌ سَاهٍ»:
«هو لا يَعْرِفُكَ أَنْتَ مَنْ تَقُولُ إِنَّكَ تَعْرِفُهُ
هوَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْكَ أَنْتَ الذي تُفَكّرُ فيهِ طَوَالَ النَّهَارِ
(حتَّى إِنَّ النَّهَارَ لا يكْفي فَتَحْلُمَ بِهِ)
هُوَ لا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَنْتَ الذي لا تُحِبُّ يَدَكَ التي تَسْهُو عَنْهُ
هُوَ لا يتكلَّمُ عَنْكَ أنْتَ الذي لا تُشْبهُ صَمْتَهُ وَتَقُولُ إِنَّهُ يَهْمِسُ لَكَ فَتَحْكِي عَنْهُ
لَهُ أغنيةٌ مَضْمَضْتَ بها فَمَكَ وَقصيدةٌ كَأَنَّهَا شُرْفَةُ المجْهُولِ كأنَّها لَكَ. وتَرَاهُ، وتَرَى أُمَّكَ تُقَبِّلُهُ كَمَا لَوْ عَادَ إِليها مِنْ بَحْرٍ أو حَرْبٍ أو مِنْ خَمْسِ سِنِين
وتَقُولُ لِنَفْسِكَ، كما لَوْ غَفَوْتَ، لَيْسَ لِي إِخْوَةٌ –
ولاَ أَنا أَخٌ لَكَ يَا أَنْتَ

أَحْيَاناً تَقولُ إِنَّهُ هو ثُمَ تَقُولُ إِنَّهُ ليسَ هُو
أَنْتَ لمْ تَرَهُ يَتَنَاوَلُ تَمْرَ أُمِّكَ ولا لَمَسَ آنِيَةَ الحَلِيبِ
أحياناً تَشُكُّ –
في نَدَبَةِ كَعْبِهِ، مُنْذُ عَادَ، وفِيهِ وفِيكَ
ثُمَّ تَرَى أُمَّكَ تَمُوتُ قُرْبَ كُبَّةِ الخَيْطِ وطَيَّاتِ الثَّوْبِ
لكِنَّهُ لا يَدْخُلُ لِيُقَبِّلَ جَبينَها البَارِدَ (كما قَبَّلْتَهُ أَنْتَ)
ولَمْ تَغْفِرْ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّها لَمْ تَمُتْ لِكي لا يُصْبِحَ في اليُتْمِ مِثْلَكَ
ولا غَفَرْتَ حِينَ رَأَيْتَهُ يَخْرُجُ مُتَأفِّفاً (كما لَوْ لَمْ يَرَ الجُثْمَانَ)
غَيْرَ أَنَّكَ بَقِيتَ نَاعِمَ الدَّمْعَةِ كَعُصْفُورٍ نَادِرٍ كَنَدَمٍ صَغيرٍ
يَدُكَ وَحيدَةٌ بَيْنَ أَيَادٍ بعيدَةٍ تُلَوِّحُ لَكَ
لاَ تَكَادُ تَسْمَعُ ما يَقُولُهُ لَكَ الحَشْدُ
لاَ تَكَادُ تَعْرِفُ حَتَّى إِنَّهُ أولُ يومٍ لَكَ عَلَى أَرْضِ المَتَاهَةِ
في مَتَاهَةِ الأَرْضِ حَيْثُ ستُوغِلُ هَارِباً بِبَاقاتِ المُعَزِّينَ
لَكَ الآنَ أَنْ تعتَذِرَ لَهُ حين تُطِلُّ عَلَى وجْهِكَ في المِرْآةِ
هُوَ هُنَاكَ في لَحْمِكَ فَوقَ وتَحْتَ
أنيقٌ وَرقيقٌ وخَفيفٌ وَوَحِيدٌ وسَاهٍ كَرابِطَةِ عُنُقٍ
كطَافٍ في جَلاَلِ النُّجُومِ كَمَلِكٍ أعْمَتِ الظّلالُ نَظْرَتَهُ

وأَنْتَ – لم يَعْرِفِ اللَّيْلُ مَا يَفْعَلُهُ بِوَجْهِكَ فَغَطَّاكَ باللَّيْلِ».

منشورات عكاظ، الرباط 2025

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية