أكل التمساح محلل شرعا… وتجهيل الفضائيات للمشاهدين

لم يبق موقع إعلامي ولا صحيفة في العالم العربي إلا وأوردت تفاصيل مقتل عالم الرياضيات الأمريكي جون ناش مع زوجته في حادث سيارة التاكسي الأسبوع الماضي.
أغلبنا (ولا أزكي نفسي على غيري)، لم نعرف من هو الرجل، ولا كنا سنهتم بوفاة عالم الرياضيات الحائز على جائزة نوبل لولا أن فيلما هوليوديا شهيرا إسمه «العقل الجميل» خلد سيرة حياة المرحوم، وقد أدى الشخصية النجم العالمي الرائع راسل كرو!
ولم تغفل الأخبار عموما عن ذلك فكانت دوما تضع صورة المرحوم ناش، الذي لا يعرف وجهه أحد، ملاصقة لصورة كرو، الذي يعرفه الملايين، وأتخيل لو أن عالم الرياضيات الفقيد كان معروفا بوجهه فربما كان سائق التاكسي المصري الأصل (وقد نجا من الموت الذي تسبب به لركابه)، قد تأنى أكثر في قيادته حفاظا على روح الراكب المميز الذي يقله في سيارته.
الأطرف في هذه التراجيديا التي لا يمكن إجتراح الطرافة منها إلا في عالمنا العربي، هو في التعليقات على المواقع العربية التي تفاوتت في نوعيتها بين المبكي المضحك حتى الموجع حد التأسي.
الكثير من المعلقين «والمعلقات» تأسفوا على فقدان ناش، بصفته أحد العقول البشرية العبقرية، مع يقيني الشخصي أن أحدا من المعلقين الكرام لم يقرأ كتابا من الكتب العلمية الغنية الكثيرة التي تركها ناش خلفه، ولا أدعي أنني قرأت كتبه المتخصصة في الرياضيات، فأنا تحديدا بيني وبين علوم الرياضيات عداوة وخصومة أحملها منذ المرحلة الابتدائية التأسيسية.
بعض التعليقات عكست حجم الإنحطاط الفكري والإنساني الذي نحمله، بمنع الترحم على روح العالم بحكم أنه كافر، وأن ما قدمه للإنسانية لا يساوي شيئا ما دام قد مات على كفره!! هكذا والله يفكر البعض.. وهو بعض ليس بقليل.
وطبعا، هناك فئة تعليقات نسيت الفقيد وإنجازاته للبشرية، وراحت تتغزل بوسامة راسل كرو!!
الزميل المصري حاتم منصور، وهو من أبدع من يلتقطون المفارقات في العالم العربي، كتب في مقال له، عن الفكرة، وكتب في صفحته الفيسبوكية أيضا ملاحظة ساخرة ولاذعة هذا نصها : ..»في 29 يناير/كانون الثاني 2015 توفي العالم الفرنسي «إيف شوفين» الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء 2005 عن عمر 84 عاما».
الخبر اللي فات عمره ما قابلك تشير عشرات المرات عالفيس بوك، وأرجح برضو أن 99 % من اللي بيقروا كلامي الوقت، أول مرة يسمعوا اسم «إيف شوفين».

كفتة التمساح بالصينية
وعلى سيرة العلماء..عندنا وعندهم. وفي سياق الإستخدام العلمي النموذجي للفيسبوك لتعميم الفائدة والعلوم النافعة، «غرد» الشيخ العلامة محمد العريفي على حسابه التويتري ما مفاده أن أكل لحم التماسيح وثعابين البحر يعتبر حلالا ولا إشكال فيهما. وذلك في ما يبدو ردا على سؤال تفضل به مؤمن تقي، وأفترض أنا أن السائل الورع وجد نفسه في منتصف ظلمات بحر الظلمات تائها على زورق، وقد جاع فمر به ثعبان بحري فخطر له السؤال فأرسله عبر «تويتر» الكافر للشيخ الجليل العلامة، وقد يكون أنه أورد التمساح أيضا لإعتقاده أنه سينتهي في الأمازون مثلا.. والسؤال على سبيل الإحتياط واجب.. وفيه منفعة.
على كل حال.. أراحنا الشيخ العالم من وطأة التفكير بهذه المعضلة، وها قد آن لنا أن نستلذ بأطايب كفتة لحم التمساح بالطحينية، أو صينية كتف حية بحرية بالفرن مع البطاطس.. جزا الله الشيخ عنا خير جزاء… وقد آن لنا كل ذلك.. وأكثر.. كما آن لأبي حنيفة أن يمدد قدميه.

مهازل الفتاوى الفضائية
أما العالم الجليل بحر العلوم الواسع.. وأوقيانوس المعارف الشيخ العلامة الدكتور البروفيسور علي جمعة، فقد أدلى بدلوه في الحريات الإعلامية من باب الفتاوى الفضائية المعلبة حسب الطلب، وقرر أن من يتابع قناة «الجزيرة» الفضائية وقلبه معاهم، فسيحشر معهم لأن المرء مع من يحب!
شخصيا لست من مدمني متابعة «الجزيرة»، وهذا خيار شخصي إعتمدته لنفسي منذ بدايات «إلياذة» الربيع العربي.. لكن فتوى عالمنا الجليل بلا شك لا تصب ضمن قناعاتي المهنية بهذا التحريض الشرعي المرفوض من أساسه.
كما أنني لو إفترضت قناعتي بفتوى الشيخ علي جمعة، فإن آخر ما أتمناه أن يتم حشري مع الكبير جميل عازر مثلا، ولك أن تتخيل الأبدية مع كشرته في الآخرة.
وإستطرادا.. فإن فتوى الشيخ، لو تم الإقتناع بها في الشارع العربي، فإنني أتخيل أنه سيدفع المشاهدين ليتسمروا أمام قناة «أل بي سي» وباقي القنوات اللبنانية الترفيهية.. أو قنوات «روتانا» الغنائية مثلا.

عكاشة والأقصى
وعلى سيرة العلماء، والمفكرين.. وحتى المفبركين منهم، هل يجوز أن لا نمر على آخر إصدارات وإبداعات المفكر القومي الأممي الكبير المكشوف عنه الحجاب الدكتور العالم السياسي توفيق عكاشة، وعبر «الفراعين»، بقالته الفضائية على حد وصف الزميل والصديق بسام بدارين.
آخر نهفات عكاشة الإبداعية المعرفية، كانت في موضوع التاريخ الفلسطيني.. وتأكيده أنه لا يوجد شيء إسمه المسجد الأقصى، مسترسلا في أحفوراته التاريخية والأثرية (بدون مصادر إلا مرجعية خياله الخصب)..ليؤكد أن الأقصى ليس إلا مغارة في بطن جبل!!
عكاشة إستطرد في بحثه التاريخي العميق جدا، وأكد أن مهندسي الدولة الأموية الذين زيفوا المواقع كانوا يهودا متأسلمين، وزاد عكاشة – زاد الله في معين معرفته – أن صلاح الدين تعرض للتضليل بين الأقصى والقبة.
عزيزي توفيق عكاشة: بجد، يسلموا إيدين اللي بلفولك السيجارة!

كاتب وإعلامي من الأردن يقيم في بروكسيل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية