سوانح في السنة الخامسة لرحيل المفكر محمد عابد الجابري

حجم الخط
0

في الحياة الفكرية لكل باحث تقريباً، لحظات حاسمة ونادرة تطلُّ عليه غالباً، وقد تظلُّ تصاحبه طوال حياته، كما أعتقد، فتحدد الخطوط الأساسية لمجرى تفكيره وإنتاجه، وربما مجرى حياته بوجه عام، وقد يبني عليها بعضهم فرضيات/ نظريات جديدة، كما حدث لكاتب هذه السطور.
ومن جملة اللحظات المهمة التي مرت في حياتي الفكرية هي:
أولاً: فرصة تلمذتي القصيرة والغزيرة على يد أستاذي الفاضل علي الوردي، في منتصف القرن الماضي. وهو أستاذ تلقيت على يديه مبادئ علم الاجتماع وتجلياته في الوسط العراقي الشعبي السائد، بما فيها النزعة العشائرية/البدوية.
ثانياً: اكتشافي استاذي الفكري محمد عابد الجابري في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ونقده العقل العربي، الذي يعتبره وأعتبره أهم سبب في تخلفنا.
وأرجو أن يلاحظ القارئ الكريم، أنني متأثر، خصوصاً وبمحض الصدفة، أي بدون تعمُد واختيار، بمفكرَين اثنين؛ أحدهم من أقصى غرب الوطن العربي؛ المغرب (الجابري)، والآخر من أقصى الشرق؛ العراق (الوردي) ، مما يقدم دليلاً جديداً على وحدة الأمة العربية الثقافية والتاريخية واللغوية والفكرية.
وأعترف باعتزاز بأنني من خلال هذين المفكرَيْن، بنيت فرضياتي/نظرياتي الثلاث التي أستطيع أن أرجحَ بل أحاجج، بكل تواضع، أنها يمكن أن تتجاوز نظريات كل منهما، أو تختلف عنها على الأقل. وهل هناك عَيبٌ في قيام التلميذ بتطوير، نظريات أساتذته، بل حتى نقدها وتعديلها؟ أم هو بالأحرى أمر يستحق أن يفخر به الأستاذ قبل التلميذ؟ وكقياس مع الفارق، ألم يَخرج أفلاطون من تحت عباءة سقراط وخرج أرسطو من تحت عباءة أفلاطون. وهكذا تطورت الفلسفة وازدهرت في العصر الهيليني. ويقول الجاحظ في سياق وصف أهمية تراكم المعرفة: «حكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثِمار تلك الفِكَر في آخرهم» ( «البيان والتبيين»، القاهرة:المكتبة التجارية الكبرى، ج3، ص20، 1932) كناية عن أهمية تطور المعارف وتراكمها. وقبل أن أشير إلى هذه الفرضيات/ النظريات أدناه، أود أن أؤكد أنني كنت وما أزال، منذ بدأت طرحها منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً، أرحب بكل ملاحظة أو تعليق أو نقد، يرد من القراء أو الزملاء، بشأن هذه الفرضيات، فأردُّ عليها بكل تقدير وموضوعية واحترام، وأستفيدُ من هذه الملاحظات في إغناء النظرية أو استئناف النظر فيها.
وأشير في ما يلي باختصار إلى هذه الفرضيات/النظريات:

أولاً: «فرضية/نظرية العقل المجتمعي»، Societal Mind: موجز هذه النظرية أن المجتمع يمثل كياناً مستقلاً يتمتع بشخصية معنوية، وبـ»عقل»، تكوَّن خلال مسيرته التاريخية وصيرورته التطوريـّة، منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا. ويقوم معظم أعضاء المجتمع باتِّباع أوامره ونواهيه بعقلهم المنفعل به تلقائياً. ومع ذلك قد تظهر في المجتمع نخبة محدودة تفكر بعقلها الفاعل، فتنتقد العقل المجتمعي، وبالتالي الناس الذين يتبعونه بلا وعي، بل تفضح هذه الظاهرة، فتعُرِّضُ نفسها للاضطهاد أو المحاسبة التعزيرية (غاليلو غاليلي، نصر حامد أبو زيد، علي الوردي)، أو العقاب الذي قد يصل إلى حد القتل (فرج فودة، مصر ، محمود محمد طه، السودان). وسآتي على ذكر شيء عن نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل.
وتختلف هذه النظرية عن نظرية الجابري في العقل العربي في عدة نقاط من أهمها، أن نظرية الجابري تنطبق على المجتمع العربي حصراً، بينما تنطبق نظريتنا على جميع المجتمعات في كل زمان ومكان. كما أن نظرية الجابري ترى أن العقل العربي خاضع للثقافة العالِمة التي تكونت في عصر التدوين منذ منتصف القرن الثاني للهجرة، بينما نرى أن العقل المجتمعي العربي خاضع للثقافة الشعبية غير العالِمة، في المقام الأول. (انظر الأعرجي، «الجابري بعد مرور ربع قرن على تشريح العقل العربي» مجلة الدوحة، عدد 8، يونيو/حزيران 2008»، و»اختلافي مع الجابري» المجلة نفسها، عدد 35، سبتمبر/أيلول 2010) .

ثانيا: فرضية/نظرية العقل الفاعل والعقل المنفعلActive Mind and Passive Mind ؛ التي تقضي بأن الناس ينقسمون إلى قسمين في خضوعهم إلى العقل المجتمعي؛ مَنْ يخضع له تلقائياً بعقله المنفعل، من دون اعتراض أو مقاومة، بل قبول مطلق بمبادئه وقيمه وأعرافه، التي يتبناها باعتبارها من مسلّماته الشخصية وقناعاته الأبدية، وهؤلاء هم الأكثرية الساحقة. والقسم الثاني هم الأقليّـة النادرة، التي تنتقد العقل المجتمعي، أو تثور عليه أحيانا فتتعرض للقهر والتنكيل والعقاب الصارم، وهؤلاء هم أصحاب العقل الفاعل. وقد ضربنا أمثلة عليهم أعلاه. علماً بأن هاتين النظريتين متكاملتان.

ثالثاً؛ عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة، على نحو يكفي لاجتثاث العقلية البدوية، بما فيها من قيم وأعراف وعادات… إذ أن مرور المجتمع بمرحلة الزراعة خطوة ضرورية، للانتقال إلى مرحلة الحضارة بمعناها الحديث. (انظر الأعرجي؛»الثورة الزراعية وأهمية العمل المنتج في إرساء دعائم الحضارة، نيويورك: مجلة «صوت داهش»، عدد خريف2004).
فالعرب بعد الفتوح الإسلامية توافدوا من الصحراء بأعداد غفيرة على البلدان الغنية المفتوحة، فسكنوها كأسياد فاتحين هذه المرة، بعد أن كانوا يعانون من شظف العيش في صحرائهم القاسية، بالإضافة إلى استقرار جميع المحاربين الذين شاركوا في القتال هم وأسرهم وعشائرهم، الذين اعتبروا هذه البلدان المفتوحة بأهلها «غنيمة» لهم. ومعظم هؤلاء كانوا من الأعراب أو البدو الذين لم يمارسوا الزراعة، بل يحتقرون العمل فيها أصلاً. وفي الحديث الشريف عن «صحيح البخاري»: ما دخلتْ هذه دار قوم إلا دخلها الذُلّ»، ويُذكر أن الرسول (ص) قال ذلك عندما لاحظ محراثاً في دار أحد الأنصار.
إذن، فإن هؤلاء العرب/البدو الذين انتقلوا فجأة إلى الإقامة في المدن، لم يمروا بمرحلة الزراعة قبل أن ينتقلوا إلى مرحلة الحضارة، تلك المرحلة التي تجعل الزارع يعتمد على نفسه في المقام الاول، للحصول على لقمة العيش، وذلك عن طريق عمليات متعددة أهمها؛ فلاحة الأرض وبذر الحبِّ وسقي الحقل، (إذا اعتمد على الزراعة المروية)، ثم جني المحصول وخزنه لقوته أو لإعادة زرعه. مما جعله يرتبط بالأرض التي يزرعها ويسكنها في الوقت نفسه، الأمر الذي أسفر عن إنشاء القرى، فالمدن فتقسيم العمل، فإنتاج السلع وتبادلها …إلخ. وهكذا نشأت الحضارات الكبرى في التاريخ الذي حصرها المؤرخ أرنولد توينبي بإحدى وعشرين حضارة.
بينما يعتمد البدويّ على الطبيعة حصراً، فهو ينتظر المطر لينبت الكلأ، يرعى به مواشيه التي يعتاش عليها، وينتقل من مكان إلى آخر، من دون أن يكون له أي ارتباطٌ بالأرض. مع أن الاستقرار في الأرض هو أول خطوة لتحقيق الحضارة.
ونرى أن ذلك الانتقال المفاجئ للعرب بعد الفتوح الإسلامية، من مرحلة البداوة إلى مرحلة «التحضر» إي سكنى المدن، ولا أقول الحضارة بمعناها الحديث، أدى إلى ما يسميه أستاذنا علي الوردي التناشز الاجتماعي Social Disharmony . الذي تجلى، بين أمور أخرى، في «ازدواجية الشخصية العراقية»؛ وهو الموضوع الذي سمعناه منه في أول دروسه التي ألقاها علينا نحن طلاب الدورة الاولى لفرع الفلسفة، في كلية الآداب، في بغداد، ( 1950-1951) ثم ألقاها في محاضرة عامة في كلية الملكة عالية (انظر كُتيِّب «شخصية الفرد العراقي» بيروت: دار الوراق، 2007). وهكذا فأنا مدين لأستاذي الوردي في التوصل إلى هذه الفرضية/النظرية، التي تدعم رأيه في ازدواجية الشخصية العراقية، وتدعم رأيي في تعميم هذه الإزدوجية على عموم العرب. وأتذكر أنني ناقشته في هذا الرأي؛ ولئن وافقني بداية، ولكنه استدرك إلى ما معناه حسبما أتذكر: أن الفرد العراقي أكثر تعرضاً لهذه الإزدواجية لأنه يكاد يكون محاطاً بالصحارى، التي تظل تفرز الأعراب الذين ظلوا يُغِيْرُونَ على المناطق الزراعية والحضرية، ولاسيما في مواسم الجفاف والقحط، مما يبقي المجتمع العراقي في حالة تأرجح بين القيم الحضارية والبدوية.
نعود إلى فرضيتي/ نظريتي في عدم مرور العرب بمرحلة الزراعة، فنقول إن الإسلام حارب العصبية القبلية وهي من القيم الأساسية للبداوة؛ فقال» إنما المؤمنون إخوة»(الحجرات10). وقال «إذْ جعلَ الذين كفروا في قلوبِهم الحميَّة، حميَّةَ الجاهلية…» (الفتح 26)، وأبطل كثيرًا من العاداتِ والأعرافِ البدويَّة، ومنها الثأرُ الذي بَقِيَ سائدًا ومُنتشرًا حتَّى يومنا هذا، فقال:»ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزرَ أخرى» (فاطر18). ومع ذلك ظلّ العقل المجتمعي العربي مثقلاً بالقيم والأعراف العشائرية/ البدوية ومنها العصبية القبلية، التي تطورت إلى عصبيات فئوية، على اختلافها. ومعنى ذلك أن العقل المجتمعي أقوى من الدين والقانون.
وهكذا نرى أن هذا التعصب القبليّ تطور فتجلى بشكل تعصب طائفيّ عقائدي متطرف يصل إلى حدّ إلغاء الأخر والسعي لتصفيته تماماً، كما هو الحال لدى حركة «داعش» وأخواتها. ومن جهة أخرى إذا حاولنا تجذير هذا التعصب، فيمكن الرجوع إلى ما قبل الإسلام، حيث كان التنافس/ النزاع قائماً بين الأمويين والهاشميين، الذي استمر بعده، حيث تجلى بشكل واضح عند تسلم معاوية دست الحكم. ويؤكد المؤرخ أحمد أمين، ذلك حين يقول «ولما تولى الأمويون الخلافة، عادت العصبية إلى حالها كما كانت في الجاهلية، وكان بينهم وبين بني هاشم في الإسلام، كالذي كان بينهم في الجاهلية» (فجر الإسلام، ط11، ص79).
إذن أدت هذه الظاهرة، التي ما تزال تنخر في جسد المجتمع العربي، إلى الصراع السني الشيعي، الذي تطور إلى حروب أهلية كاسحة، هي قائمة فعلاً في بعض البلدان العربية، (العراق سورية اليمن، بشكل واضح، ثم لبنان، والبحرين والسعودية، بشكل خفي) مما قد يؤدي إلى تقسيم هذا البلدان.

كاتب عراقي ـ نيويورك

علاء الدين الأعرجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية