“أوتشا”: مئات البدو هُجّروا بسبب اعتداءات المستوطنين.. وإسرائيل: أبقار الفلسطينيين تشوه الطبيعة!

حجم الخط
0

رغم تمتع غور الأردن بفضاء كبير ومفتوح، يشعر سكانه الفلسطينيون بحبل يضيق على أعناقهم. هذا أمر يتجلى في المنطقة شمالي الغور، التي يعيش فيها رعاة عين الحلوة. علق على مدخل القرية مؤخراً علم إسرائيل ولافتة كتب عليها “متسبيه هديغل”. السهم الموجود على اللافتة يشير للقادمين بأن يمشوا بين بيوت سكان التجمع. هذه البؤرة الاستيطانية هي بالإجمال كوخ على تلة تطل على البيوت، ورفع على سطحه أيضاً علم إسرائيل. دور هذا الكوخ الوحيد هو تنغيص حياة الفلسطينيين. على الجانب الثاني للشارع، نبع كان مصدر المياه الرئيسي للتجمع قبل بضع سنوات. وهذا النبع وصف مجدداً بـ “نبع العلم”، وأصبح بركة وموقع تنزه للمستوطنين والإسرائيليين.
في آب، أقيمت قرب الأراضي الزراعية في عين الحلوة، بؤرة استيطانية باسم مزرعة “بنتسي”. ومنذ ذلك الحين، يمنع السكان الفلسطينيون من دخول أراضيهم بدون تنسيق مسبق. وهم لا يذهبون للرعي إلا بمرافقة نشطاء إسرائيليين، وحتى عندها يحرصون على عدم الابتعاد عن بيوتهم. “كأننا محبوسون”، قال مهدي ضراغمة، رئيس مجلس المالح، الذي ينظم تجمعات الرعاة. وحسب قوله، فإن 50 عائلة من بين الـ 300 عائلة غادرت المنطقة مؤخراً، عملياً، تم طردهم منها. في السنة الماضية تم تهجير تجمع أم الجمال. “المشكلة أنه لا يوجد بديل”، قال ضراغمة. “والناس الذي ينتقلون إلى مناطق أ (المدن الفلسطينية) يعانون، ولا عمل لهم. والوضع هناك يشبه السجن”.
تنكيل المستوطنين بالرعاة الفلسطينيين لا يقتصر على رفع الأعلام، بل يتعرضون للعنف يومياً. يدور الحديث غالباً عن اعتداء جسدي حقيقي، وفي حالات أخرى يجد المستوطنون طرقاً إبداعية لإزعاج جيرانهم.
في الفيلم الذي وثقه سكان عين الحلوة الأسبوع الماضي، يظهر، وبالأساس يُسمع، “شبيبة التلال” يجيئون ليلاً ويطلقون موسيقى صاخبة. إذا فصلنا هذه الأحداث عن بعضها، يصعب معرفة تأثيرها، ولكن تأثيرها المتراكم، إلى جانب طرد الرعاة بشكل متواصل عن مصادر الرزق، تشعر به المنطقة كلها.
“يأتون إلى القرية ويرشقون البيوت بالحجارة”، قال فادي (اسم مستعار)، وهو من سكان عين الحلوة، وامتنع عن ذكر اسمه الحقيقي خشية التنكيل به. “القانون يسري علينا فقط ولا يسري عليهم. إذا رشقت حجراً يأتي 20 شرطياً في لحظة، أما إذا قتل مستوطن شخصاً منا فلا يحدث له شيء”. ويقول فادي بأن زوجته وأولاده في القرية لم يناموا في الأسابيع الأخيرة عقب هجوم للمستوطنين. “لا نريد أرضاً أو دولة، نريد العيش”، قال. “لكن إلى أين نذهب. سيأتون أيضاً إلى المكان الجديد”.
أقوال فادي تكرر القصة التي سمعناها من بعض سكان القرية عن مصير ياسر أبو عرام، الذي يعيش بعيداً عن عين الحلوة، حين ترك بيته في آذار بعد أن أقام المستوطنون خيمة على بعد أمتار عنه. “كانوا يدخلون كل يوم، سرقوا حماري ولم يسمحوا لي بأن أرعى القطيع، واعتقلوا أولادي، لذلك قررنا أن نغادر”، قال أبو عرام. انتقل إلى محيط مدينة طوباس حيث استأجر قطعة أرض. ولكن بعد ذلك، يقول، جاء موظفو الإدارة المدنية وصادروا كل ممتلكاته. “لم يمنحوني حتى دقيقة ولم يبقوا شيئاً”، يتذكر. “أخذوا الخيام وخزانات المياه والأعلاف، وأبقوا الأطفال الصغار تحت أشعة الشمس”. يقدر خسارته بمئات آلاف الشواقل. انتقل أبو عرام لبضع كيلومترات أخرى. “أتوقع أنهم سيأتون إلى هنا أيضاً”، قال. جيرانه إلى ما قبل فترة قصيرة، يشعرون أيضاً بأنه لو أرادوا أن يغادروا فلا مكان لهم يذهبون إليه.
حركة كماشة

طرد تجمعات الرعاة في الضفة الغربية تسارع في ظل الحرب في قطاع غزة. حتى العام 2023 كان العامل الأساسي لمغادرة الفلسطينيين من مناطق “ج” هو تدمير البيوت التي بنيت بدون ترخيص، على يد الإدارة المدنية. ولكن الصورة تغيرت بعد ذلك. حسب بيانات “أوتشا”، وكالة الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية، تم تهجير 670 فلسطينياً من بيوتهم في الضفة في السنتين الأخيرتين بسبب هدم البيوت، مقارنة مع أكثر من 2200 شخص اضطروا للمغادرة بسبب اعتداء وتنكيل المستوطنين ومنع الوصول إلى أراضيهم. في الأعوام 2020 – 2024 أظهرت البيانات أن أعمال العنف ازدادت سبعة أضعاف ضد البدو وتجمعات الرعاة. رئيس المجلس ضراغمة يربط بين الاحتلال في بداية والوضع الآن، لكنه يؤكد على هذه الأمور بالقول: “هناك مستوطنات قديمة مع مزارعين، وهناك من جاءوا بعد ذلك ويعملون المشاكل. البؤر الاستيطانية كارثة لنا”.
تأتي مغادرة التجمعات البدوية من جراء ضرر اقتصادي كبير نابع من حركة الكماشة المشتركة للمستوطنين والدولة. المستوطنون ينكلون بالرعاة، والدولة تعلن عن مناطق تدريب ومحميات طبيعية – الرعاة الذين يجدون أنفسهم بدون مناطق رعي يصبحون فقراء بسبب تكاليف باهظة ينفقونها على أعلاف الأغنام والأبقار. وبدأ بعضهم في بيع الأغنام. “كانت عندنا 200 بقرة”، قال فادي. “30 منها مات جوعاً. وبعنا بعضها لنطعم المتبقي”. في الواقع، الكثير من الأبقار في المنطقة تظهر نحيفة.
في بداية الحرب، كما كشفت “هآرتس”، بدأ المجلس المحلي غور الأردن بمصادرة قطعان أغنام الفلسطينيين بذريعة أنها تتجول وتشوه المشهد. هكذا صادرت إسرائيل 50 بقرة لفادي. قدم السكان التماسات للمحكمة العليا عن طريق المحاميين ميخائيل سفارد وشنير كلاين وشلومو ليكر. وأصدرت المحكمة أمراً مؤقتاً يحظر على المجلس مواصلة مصادرة الحيوانات. ولكن التي صودر منها لم تعد بعد، وما زالت الإجراءات القانونية مستمرة. “عملتُ في إسرائيل، لكن هذا توقف. بعد ذلك، اعتمدنا على الأبقار أكثر”، قال فادي. “الآن، حتى هذا لا يسمحون لنا بفعله. أنت لا يريدني أن أعمل أو أرعي أغنامي. إذاً، ما الذي تريده مني؟ أن أسرق، ثم تضعني في السجن أو أموت جوعاً؟”.
على خلفية التنكيل بالرعاة الفلسطينيين، نشأ بالفعل اعتمادهم على النشطاء الإسرائيليين الذين يأتون يومياً لمرافقتهم، من بينهم أعضاء مجموعة تسمى “نشطاء غور الأردن”. “لولا النشطاء، لغادرنا”، قال شادي (اسم مستعار)، وهو شقيق فادي. بطبيعة الحال، الجميع ليسوا راضين عن وجودهم. وقال فادي إن ضابطاً في الجيش قال له قبل أسبوعين بأن لا يحضر معه النشطاء؛ لأنهم “يعملون مشاكل”. وقال لي بأنه سيتحمل المسؤولية، ولكن بعد أن ذهب النشطاء، جاء 20 مستوطناً على الفور. حسب قوله، قال له أحد المستوطنين: “ما الذي ستفعلونه، هل ستتصلون مع الجيش والشرطة، هل جننتم؟ جميعهم أصدقائي”.
أبناء عائلة موسعة من سكان عين الحلوة يعيشون غير بعيد من هناك، في قرية الفارسية الصغيرة. هم أيضاً يصفون حياة بالكاد تسير، ويتحدثون عن ظروف البقاء في المنطقة. “نفكر بالمغادرة بسبب معاناتنا”، قالت فتحية ضراغمة. “فكرنا ببيع الحيوانات. ولكن لا مصدر دخل آخر لنا”.
فتحية ضراغمة تذكر أعمال عنف قاسية بشكل خاص. ففي عيد الفطر، اقتحم المستوطنون القرية وهاجموا أرملة وأولادها؛ في أيلول الماضي دخل مستوطن إلى بيت ورمى الدجاجة التي كانت على طاولة الطعام، وفتح صنبور خزان المياه كي تتسرب. هذا مس شديد بمن هم غير مربوطين بالمياه، الذين يضطرون إلى شرائها بأموالهم الخاصة.
قبل شهر تقريباً، كما يقول أبناء عائلة ضراغمة، بدأ المستوطنون بقطع الطريق المؤدية إلى النبع، الذي تعودوا على سقاية الأغنام منه، بعد منعهم من الرعي في مناطق الرعي السابقة. أحمد، ابن فتحية، قال: “مستوطنون شباب يأتون من بؤر استيطانية مختلفة ويدخلون بين البيوت. ذات مرة، اتصلت مع الشرطة ربما عشرين مرة، وفي النهاية جاء الجيش وقال بأن ما يقومون به مسموح، وأنهم ما لم يدخلوا البيوت، فالأمر على ما يرام”. وحسب قوله، ثلاث عائلات غادرت قرية الفارسية. “هم يضيقون الخناق علينا”، قال، واستخدم الصورة التي يستخدمها أبناء عائلته في عين الحلوة “أصبحنا داخل السجن”.
هاجر شيزاف
هآرتس 17/4/2025

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية