د. نصار عبدالله هل من المعقول أن نضخ في الشرايين الإقتصادية لإحدى الدول الخليجية ما بين عشرين إلى أربعين مليارا من الجنيهات في كل عام، ثم نمد بعد ذلك أيدينا إلى تلك الدولة ذاتها طالبين منها أن تقدم لنا عونا ماليا قدره مليار أو ملياران؟إن هذا ـ رغم ما ينطوى عليه من المفارقة المدهشة ـ هو في الحقيقة ما يحدث بالفعل في كل عام وللقارىء الراغب في المزيد من التوضيح نقول إن عدد المعتمرين والحجاج المصريين قد بلغ تعدادهم في السنوات الأخيرة ما يقرب من مليون معتمر وحاج في كل عام، بينما تتكلف رحلة العمرة أوالحج الواحدة ما بين عشرين إلى أربعين ألف جنيه، أى أن إجمالي التكلفة التي يتحملها الإقتصاد المصري لصالح الإقتصاد السعودي تتراوح ما بين عشرين إلى أربعين مليار جنيه سنويا!! سوف ينبري لي الكثيرون لكي يقولوا ـ ومعهم الحق فيما سيقولونه ـ إن الحج ركن من أركان الإسلام، وإن العمرة واجب على كل قادر أو هي على الأقل سنة جديرة بأن تتبع، وسوف نقول معهم : نعم، ولكن هذا لا يمنع من أن ننظم أداء الحج والعمرة بما يتناسب مع الظروف الإقتصادية للمجتمع المصري ككل، فكلاهما: الحج والعمرة واجب على القادرين وحدهم، ونحن كأفراد قد يكون من بيننا الكثيرون من القادرين بغير شك، لكننا كمجتمع غير قادرين على أداء الحج والعمرة بهذه الأعداد الغفيرة التي وصلت أو تجاوزت حاجز المليون في كل عام كما أسلفت، دعنا من أن الحجاج والمعتمرين المصريين يعاملون معاملة سيئة في المطارات والموانىء السعودية، وهذه نتيجة طبيعية لأعدادهم الغفيرة التي تنوء بها القدرات الإدارية والخدمية للأجهزة السعودية المعنية، دعنا من ذلك لأنه وإن كان شرا في حد ذاته، لكنه ليس شر الشرور المترتبة بالضرورة على هذه الأعداد الغفيرة، أما شر الشرور فهو أن ضخ كل هذه الأموال في الشرايين السعودية يضيف عبئا ثقيلا على الإقتصاد المصري المثقل أصلا بالأعباء، والمتهالك أصلا إلى حد الإعياء، وهو ما يجعلنا في النهاية نمد أيدينا طلبا للعون من جهات ودول شتى من بينها تلك الدولة التي ضخخنا فيها أموالنا!!!. إن كلا منا ينظر إلى نفسه فقط حين يعتزم الحج أو العمرة فيتصور أنه من القادرين دون أن ينظر إلى مجتمعه ككل لكي يكتشف أنه ينتمي إلى مجتمع غير قادر، ما العمل إذن، وهل نتوقف عن أداء الحج والعمرة بحجة أننا مجتمع غير قادر؟، الجواب هو كلا بالطبع … فنحن وإن كنا غير قادرين على الحج والعمرة بأعداد تقرب من المليون أو تتجاوزه فنحن في الوقت ذاته قادرون عليه بالآلاف أو حتى بعشرات الآلاف وعلى اولي الأمر في بلادنا ـ إن كانت تعنيهم فعلا كرامة مصر أولا وقبل كل اعتبارـ عليهم أن يحددوا عددا محددا لا يتجاوزه عدد الحجاج والمعتمرين، (أظن أن خمسين ألفا ـ هو رقم مناسب حدا)، شريطة أن يتم اختيارمن سيسمح له بالحج أو العمرة بالقرعة النزيهة، ومعنى القرعة النزيهة ببساطة هو أن يوكل إلى الله سبحانه وتعالى أن يحدد من يريد لهم أن يحجوا إلى بيته الحرام، وبالتالى فإنه يتوجب على كل راغب أن يرضى بعد ذلك بما أراده له الله، فمن فاز في القرعة بالحج أو العمرة فهذا فضل من عنده تعالى، ومن لم يفز فهذه هى إرادته سبحانه التي ينبغى أن يمتثل المؤمن الحقيقي لها .. لاحظ أننا لا نتكلم عن فرصة واحدة للحج أو العمرة يجري الإقتراع عليها بين الراغبين فيه، لكننا نتكلم عن خمسين ألف فرصة، فمن لم تصبه الفرصةالأولى ولا الفرصةالثانية ولا العاشرة ولا الألف ولا العشرة آلآف ولا الخمسين ألف، فإن هذه قرينة مؤكدة، (وقد تم تأكيدها خمسين ألف مرة) على أن الله سبحانه وتعالى لا يريد له أن يكون في هذا العام على الأقل من بين الحجاج إلى البيت أوالمؤدين لشعائر العمرة … وحسبه أنه قد انتوى وأخلص في تواياه، لكن الله شاء وما قدر فعل، على هذا النحو نكون حققنا بالفعل ما أراده الله لنا حينما فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا، (ونحن كمجتمع لا نستطيع حتى وإن استطعنا كأفراد)، ونكون في الوت ذاته قد وفرنا على بلادنا ذل مد الأيدي طلبا للمساعدة والعون، وهذه هي في الحقيقة مسؤولية من يمسكون بيدهم زمام الأمر ومن بيدهم صنع القرار أوالمساهمين في صنعه وهو قرار سيسألون عنه جميعا يوم القيامة يوم لن تغني نفس عن نفس شيئا.’ كاتب مصري