الخرطوم ـ «القدس العربي»:دخلت الحرب السودانية عامها الثالث، بينما بلغت المعارك والأزمة الإنسانية ذروتها، حيث يتمسك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالتصعيد، والحسم العسكري على الرغم من المبادرات الإقليمية والدولية الداعية إلى وقف إطلاق النار تمهيدا لتسوية سياسية تنهي الحرب.
أزمة إنسانية
وفي وقت تحتدم فيه المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي أسفرت عن مقتل 20 ألف سوداني على الأقل حسب منظمة الصحة العالمية، في حين تتحدث إحصاءات محلية عن أكثر من 100 قتيل منذ اندلاع الحرب منتصف نيسان/ابريل الماضي، نزح 13 مليونا داخل وخارج البلاد، وفروا من حرب المدن الطاحنة.
وحسب برنامج الغذاء العالمي، أسفرت الحرب في السودان عن أكبر كارثة جوع في العالم، بينما تستمر المجاعة في الانتشار.
وفي حين يتحدث الجيش عن استتباب الأمن الغذائي في مناطق سيطرته، إلا أن المدن المحاصرة، وأبرزها الفاشر، والفارين من معسكر زمزم للنازحين شمال دارفور بعد اجتياح الدعم السريع، يعيش العالقون وسط المعارك أوضاعا إنسانية بالغة التعقيد في ظل إغلاق مسارات الإغاثة وفشل عمليات الإسقاط الجوي.
وقال برنامج الغذاء العالمي إن نصف السكان السودانيين يواجهون جوعًا حادًا، ونحو 638 ألف شخص يواجهون خطر المجاعة الكارثية، مشيرا إلى تأكيد المجاعة في 10 مواقع، 8 منها في شمال دارفور، بينها معسكر زمزم للنازحين وموقعان في جبال النوبة الغربية.
وأشار البرنامج إلى أن 17 منطقة أخرى، بما في ذلك مناطق شمال وجنوب وشرق دارفور، وجبال النوبة، والخرطوم، والجزيرة، كلها معرضة لخطر المجاعة، لافتا إلى حاجتها «بشكل عاجل إلى 650 مليون دولار أمريكي لمواصلة عملياتنا في السودان للأشهر الستة المقبلة».
وبين أنه في المناطق الأكثر تضررًا، يعاني طفل واحد من كل ثلاثة أطفال من سوء التغذية الحاد، متجاوزًا بذلك عتبة المجاعة، مشيرا إلى أن إمكانية الوصول لا تزال تمثل التحدي الأكبر للعمليات الإنسانية.
ولفت إلى أن القتال الدائر في مدينة الفاشر ومحيطها يقيّد الوصول ويعرّض العاملين في المجال الإنساني للخطر، مضيفا: «لا تزال التأخيرات البيروقراطية، والابتزاز، ومنع حركة موظفي الإغاثة الإنسانية، تُعيق عملية الاستجابة».
وتزداد وتيرة احتدام المعارك في محيط مدينة الفاشر، آخــر معـــاقل الجيش في إقلــــيم دارفــور، التي تسعى قوات الدعم لإسقاطها وتشكيل حكومة موازية في إقليم دارفور.
وفيما لا تبدو الكلفة الإنسانية الباهظة، ذات أولوية في خضم التحشيد والمعارك، قتل المئات خلال ثلاثة أيام، بعد اجتياح الدعم السريع معسكر زمزم للنازحين، شمال دارفور ونزح عشرات الآلاف بينما لا يزال المئات في عداد المفقودين.
وفي ظل احتدام المعارك والانتهاكات الواسعة، أبدى أعضاء مجلس الأمن الدولي قلقهم إزاء هجمات قوات الدعم السريع التي أدت إلى مقتل 400 شخص على الأقل منهم أطفال وما لا يقل عن 11 عامل إغاثة.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» من أن «الموت تهديد مستمر» يخيّم على حياة أطفال السودان. ففي محيط مدينة الفاشر وحدها، يحاصر الموت ما يقرب من 825 ألف طفل، يواجهون القصف المستمر ونقصا حادا في أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.
مساءلة الدعم السريع
ودعا أعضاء مجلس الأمن إلى مساءلة قوات الدعم السريع على هذه الهجمات. وأشاروا إلى قرار المجلس رقم 2736 الصادر عام 2024، الداعي إلى إنهاء قوات الدعم السريع حصار الفاشر ودعوتهم إلى الوقف الفوري للقتال وإلى تهدئة التصعيد في الفاشر وما حولها.
وطالب المجلس بمساءلة قوات الدعم السريع ومرتكبي الهجمات على المدنيين وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان، مطالبا بحماية واحترام العاملين في المجال الإنساني ومنشآتهم وأرصدتهم بموجب التزاماتها وفق القانون الدولي.
وأبدى الأعضاء قلقهم البالغ بشأن مرور عامين على اندلاع الصراع في السودان وأثره على الشعب السوداني والمنطقة، مؤكدين على ضرورة السعي للوقف الفوري للأعمال القتالية، والانخراط بنية صادقة في حوار سياسي للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية جامعة وشاملة يمتلك زمامهم السودانيون.
ونادى الأعضاء الأطراف باستغلال فرصة المحادثات غير المباشرة التي تقودها الأمم المتحدة للاتفاق على خطوات تحقيق تلك الأهداف والعمل على مسار إنهاء الأزمة في السودان بشكل دائم.
وحث أعضاء مجلس الأمن الدولي جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة على الامتناع عن التدخل الخارجي الذي يسعى إلى تأجيج الصراع وعدم الاستقرار، وأن تقوم بدلا من ذلك بدعم جهود التوصل إلى سلام دائم.
إجراءات أكثر فاعلية
وفي ردها على مجلس الأمن الدولي قالت الحكومة السودانية إن الإدانة القوية لقوات الدعم السريع وهجماتها المتكررة على معسكري زمزم وأبو شوك للنازحين شمال دارفور ضرورة وينبغي محاسبتها على تلك الهجمات، وعلى استهدافها للمدنيين، والمطالبة برفع الحصار فورا عن مدينة الفاشر والتوقف عن مهاجمتها، فضلا عن مناشدة جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بالامتناع عن التدخلات الخارجية التي تؤجج الصراعات وعدم الاستقرار بالسودان، تعد خطوة هامة في الاتجاه الصحيح.
ودعت وزارة الخارجية السودانية لاتخاذ إجراءات أكثر فعالية لتنفيذ قرار المجلس 2736 (2024)، بعد مرور قرابة عام من صدوره. مشيرة إلى أن الدعم السريع لا تعبأ بالمطالبات التي لا تتبعها إجراءات عقابية فعالة ورادعة ضد قياداتها وراعيتها الإقليمية – في إشارة إلى دولة الإمارات. وأنها على العكس، ظلت تقابل هذه المطالبات بتصعيد هجماتها على معسكرات النازحين وتشديد منع وصول الإمدادات الإنسانية لمدينة الفاشر، في إطار ما اعتبرتها «حملة إبادة جماعية ضد مجتمعات دارفور».
وأضافت: «قد آن الأوان للمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات ملموسة ضد المسؤولين عن تلك الفظائع لتأكيد مبدأ عدم الإفلات من العقاب».
استهداف الكوادر الطبية والعاملين في الإغاثة
في مدينة أم كدادة شمال دارفور، لم تكتف الدعم السريع، الأسبوع قبل الماضي، باجتياح المدينة، بل قتلت جميع الكوادر الطبية العاملة وهم 9 في مستشفى المدينة بالإضافة إلى عشرات المرضى والمصابين.
وفي ظل التصعيد المتسارع، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى وقف الهجمات على المدنيين وحماية موظفي الإغاثة الإنسانية والطواقم الطبية، مشيرا إلى مقتل 90 عامل إغاثة منذ اندلاع الحرب.
وأشارت منسقة الأمم المتحدة المقيمة والشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتين سلامي، إلى أن هذا التصعيد المميت وغير المقبول يمثل حلقة أخرى في سلسلة الهجمات الوحشية على النازحين والعاملين في المجال الإنساني في السودان منذ اندلاع هذا النزاع قبل عامين.
وحسب خبير الأمم المتحدة المعني بالسودان، رضوان نويصر، فإن الإحصائيات الدقيقة لا تزال غير متوفرة بخصوص المفقودين منذ اندلاع الحرب السودانية، لكن التقديرات تشير إلى أرقام مروعة. حيث تقدر المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات العدد بنحو خمسين ألف مفقود، ووثقت منظمات حقوقية سودانية محلية ما لا يقل عن 3.177 حالة، من بينهم أكثر من خمسمئة امرأة وثلاثمئة طفل.
عنف جنسي
وفي وقت رصدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل أكثر من 300 حالة إغتصاب طالت نساء وفتيات سودانيات منذ اندلاع الحرب، أكدت أن عمليات الرصد ما تزال جارية متوقعة أن تكون الأرقام الحقيقية أكبر بكثير.
وأفادت رئيسة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، سليمى إسحق، في تصريح لـ«القدس العربي» بأن عدد حالات إغتصاب الأطفال التي رصدتها الوحدة بلغت 193 حالة، بينهم طفلة تبلغ من العمر 6 سنوات منذ اندلاع الحرب منتصف نيسان/ابريل من العام 2023.
وقالت إن أرقام الحالات المسجلة لا تمثل إلا جزءاً صغيراً فحسب من إجمالي الحالات، مشيرة إلى أن عمليات الرصد ما تزال جارية. وأشارت إلى ارتفاع عدد حالات زواج الطفلات قسريا خاصة في مناطق سيطرة الدعم السريع.
ولفتت إلى وجود حالات إغتصاب طالت أطفالا ذكور، فضلا عن الانتهاكات المتعلقة بزواج وختان الطفلات قسريا، أغلبهن دون الـ15 عاما.
وأكدت «يونيسيف» أنها رصدت حالات اغتصاب طالت رضعا لا تتجاوز أعمارهم عاماً واحداً، في خضم الصراع الذي يعمّ السودان. وبينت رصد 16 حالة إغتصاب تحت سن 5 سنوات، منهم 4 أطفال بعمر سنة واحدة.
29 صحافيا قتلوا وسط المعارك
وفي تقرير نشرته نقابة الصحافيين السودانيين، بالتزامن مع الذكرى الثانية للحرب، قالت إن 29 صحافيًا وصحافيًة وعاملاً في مجال الإعلام، قتلوا خلال المعارك المحتدمة منذ منتصف نيسان/ابريل 2023. وأجبرتْ من بقي منهم حيًا على النزوح أو اللجوء، وأوقفتْ الحرب معظم المؤسسات الصحافية والإعلاميّة، واضطرتها تحتْ ظروفٍ أمنية، أو سياسية، للتوقّف عن العمل. يُضاف إلى ذلك تدمير آلة الحرب للبنية التحتيّة للمؤسسات الإعلاميّة، حيث تضررتْ دور الصحف، والمطابع، والإذاعات، والقنوات الفضائية وتعرضت إلى التدمير الكُلّي، وبلغتْ أقل تقديرات الخسائر مئات الملايين، وليس في هذه التقديرات بالطبع هلاك أرشيف لا يُقدّرُ بثمنٍ من المواد الإعلاميّة، التي تُمثّل ميراثًا وذاكرةً للسودانيين.
خسائر اقتصادية
تقدر خسائر القطاع الاقتصادي في السودان منذ اندلاع الحرب حسب قسم الدراسات والبحوث بمركز التكامل السوداني المصري بنحو 108.8 مليار دولار مشيرا إلى أن الخسائر الناجمة عن عدم تدوير المال في الأنشطة المختلفة تتجاوز هذه القيمة بكثير.
وتقدر خسائر القطاع الصناعي بنحو 30 مليار دولار شملت التدمير الشامل لـ 9 مناطق صناعية على مستوى العاصمة الخرطوم والمنطقة الصناعية الكبرى بمدينة نيالا والجزيرة غرب ووسط البلاد، وتدمير ونهب وحرق مرافق صناعية كبرى مثل المطاحن ومصانع الأدوية ومصانع إنتاج وتعبئة المواد الغذائية والمخازن الجافة والمبردة.
ووصلت خسائر القطاع الزراعي إلى 10 مليار دولار ومثلها في قطاع الكهرباء والمياه، 10 مليارات دولار حيث تم تدمير ونهب محطات مياه وآبار وعدد هائل من محطات توليد الكهرباء ومنشآت التحويل وأبراج الضغط العالي والمنخفض. وقدرت خسائر القطاع الصحي بنحو 5 مليارات دولار تمثلت في تدمير وحرق 90 مستشفى ومركزا طبيا على مستوى العاصمة الخرطوم و 50 مرفقا طبيا بولايات غرب وجنوب دارفور وشمال كردفان والجزيرة وسنار.
وفي قطاع الوزارات والمؤسسات تقدر الخسائر بنحو 10 مليار دولار في البنية التحتية العامة في قطاع الوزارات والمؤسسات شملت حرق وتدمير القصر الرئاسي والوزارات والمصالح والمرافق الحكومية.
وفيما يخص البنية التحتية في قطاع الطيران المدني تقدر الخسائر بنحو 3 مليارات دولار شملت الأضرار الجسيمة التي أصابت مطار الخرطوم ومطار مروى ومطار الأبيض ومطار الشهيد صبيرة بالجنينة، حيث تم تدمير الطائرات وأبراج المراقبة وتخريب المدرجات وحرق صالات الركاب ومخازن البضائع.
أما خسائر القطاع التجاري وقطاع السياحة والفنادق فقد تجاوزت 15 مليار دولار تمثلت في نهب وتدمير كل الأسواق الرئيسية ونهب وحرق الشركات الكبرى والصغرى والمراكز التجارية وفروع البنوك والفنادق الكبرى.
نهب الآثار
وبعد استعادة الجيش السوداني للعاصمة الخرطوم، كشفت إدارة المتحف القومي أن المتحف الذي كان يحتوي أكثر من 100 ألف قطعة أثرية تعرض لعمليات نهب واسعة النطاق منذ حزيران/يونيو 2023.
وحسب وكالة «السودان للأنباء»، فإن مقتنيات المتحف، التي تشمل آثارًا من العصر الحجري، وحضارة كرمة، ونبتة، ومروي، والعصور المسيحية والإسلامية، تمت سرقتها ونقل بعضها إلى خارج السودان، خاصة عبر الحدود الجنوبية.
وأشارت إلى أن مخازن المتحف القومي، التي كانت تُعد المستودع الرئيسي لجميع آثار السودان، تعرضت للنهب الكامل، مما أدى إلى فقدان كنوز وطنية لا تقدر بثمن، مثل المومياوات القديمة، والتماثيل، والفخار التاريخي.
وطالت عمليات النهب والتدمير متاحف أخرى في العاصمة الخرطوم، منها الإثنوغرافيا، والقصر الجمهوري، والمتحف الحربي في الخرطوم التي طالها تخريب واسع.
وطالت أعمال التخريب، متحف السلطان علي دينار في مدينة الفاشر العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، حيث استُهدف بالقصف المدفعي، مما أدى إلى تدمير هياكله الداخلية وتحطيم نوافذه الزجاجية، كما نُهب متحف نيالا بالكامل، بما في ذلك الأثاث وخزائن العرض.