تصاعد مزاج عام سلبي يعكس قلقاً جماعياً بشأن مستقبل الدولة ومجتمعها دراسة إسرائيلية: ثلثا الإسرائيليين يعتبرون أن استعادة الأسرى أولى من القضاء على حماس

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»:  منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تُجري مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الإسرائيلية استطلاعات رأي دورية لقياس الرأي العام والموقف من كل القضايا المرتبطة بالحرب المتشابكة مع القضايا الداخلية. للاطلاع على المزاج العام السائد في إسرائيل ترجم المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» معطيات استطلاع واسع لـ «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» حول العديد من القضايا المتفاعلة في المشهد الإسرائيلي وأبرزها: المزاج الشعبي، المحكمة العليا والحكومة، تعامل الشرطة مع المظاهرات، بنيامين نتنياهو وقضية «المال القطري»، الحرب على قطاع غزة، التعديلات على قانون تعيين كبار المسؤولين والموازنة العامة وغيرها من القضايا.

المزاج العام ومؤشرات التفاؤل والتشاؤم

يُشير الاستطلاع إلى مؤشرات التفاؤل والتشاؤم في أربعة مجالات رئيسية: مستقبل الحكم الديمقراطي، الوضع الأمني، الوضع الاقتصادي، والتماسك الاجتماعي داخل المجتمع الإسرائيلي. تظهر النتائج الأخيرة أن التفاؤل منخفض في جميع هذه المجالات، حيث لم تتجاوز نسبة المتفائلين في أي منها نصف العينة المستطلعة. أدنى نسب التفاؤل سُجّلت في موضوع التماسك الاجتماعي، إذ بلغت 22 في المئة فقط الأمر الذي يشير إلى شعور عام بتراجع التماسك والتضامن الجمعي، تلا ذلك نظرة متشائمة حيال الوضع الاقتصادي، حيث بلغت نسبة المتفائلين 25 في المئة فقط ما يعكس قلقاً متزايداً بشأن الأداء الاقتصادي للدولة. أما بالنسبة لمستقبل الحكم الديمقراطي، فقد أبدى 38 في المئة من المشاركين تفاؤلهم به، وهي نسبة أعلى نسبياً مقارنة بالمجالات الأخرى، لكنها لا تزال تعكس وجود مخاوف واضحة لدى غالبية الإسرائيليين من مسار النظام السياسي. وفي ما يتعلق بالوضع الأمني، فقد كان المجال الوحيد الذي اقتربت فيه نسبة المتفائلين اليهود من النصف، حيث بلغت 39.5 في المئة.

اليمين السياسي

عند النظر إلى التوجهات السياسية، يتضح أن نسبة التفاؤل ترتفع بشكل واضح لدى من يُعرّفون أنفسهم بأنهم من اليمين السياسي، مقارنةً بأولئك الذين ينتمون إلى التيار الوسطي أو اليسار. في صفوف اليمين، يظهر تفاؤل أكبر تجاه مستقبل الحكم الديمقراطي والوضع الأمني، بينما لا يزال التفاؤل في المجالين الاقتصادي والاجتماعي محدوداً، وإن كان أعلى مما هو عليه في التيارات الأخرى. عند مقارنة نتائج هذا الاستطلاع بنتائج سابقة، تظهر بعض التغيرات اللافتة: ارتفعت نسبة التفاؤل تجاه الحكم الديمقراطي من 35 في المئة في كانون الثاني/يناير إلى 38 في المئة في آذار/مارس، في حين انخفضت نسبة التفاؤل بشأن الوضع الأمني من 41 في المئة إلى 39.5 في المئة خلال الفترة نفسها. أما في المجال الاقتصادي، فقد شهدت نسبة المتفائلين تراجعاً حاداً من 33 في المئة في شباط/فبراير إلى 25 في المئة في آذار/مارس، ويرجَّح أن لهذا التراجع علاقة بسياسات الرسوم الجمركية التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك، تراجعت نسبة التفاؤل بالتماسك الاجتماعي من 30 في المئة إلى 22 في المئة. إن هذه المعطيات تعكس حالة من التشاؤم الواسع في المجتمع الإسرائيلي، والتي تمتدّ لتشمل مختلف المجالات الأساسية للحياة العامة، وهو ما يمكن وصفه بحالة مزاج عام سلبي يعكس قلقاً جماعياً بشأن مستقبل الدولة ومجتمعها.

المحكمة العليا والحكومة

تشير نتائج الاستطلاع إلى أن غالبية ضئيلة من الإسرائيليين 54 في المئة، ترى أن على الحكومة الالتزام بقرار المحكمة العليا في ما يتعلق بإقالة رئيس جهاز «الشاباك» رونين بار، مقابل 36 في المئة يرون العكس، والبقية لا يعرفون. ويكشف الاستطلاع أن 96.5 في المئة من المنتمين لليسار، و73 في المئة من المنتمين للوسط، يؤيدون التزام الحكومة، في حين أن نسبة التأييد في صفوف اليمين لم تتجاوز 32 في المئة. كما تُظهر نتائج التقسيم حسب التصويت في انتخابات الكنيست للعام 2022 أن معظم ناخبي أحزاب الائتلاف الحاكم يعارضون التزام الحكومة، في حين أن غالبية واضحة من ناخبي المعارضة يدعمون ذلك. تضمّن الاستطلاع سؤالاً حول ما إذا كان يتوجب على الاحتجاجات أن تتصاعد لتأخذ شكل «عصيان مدني» (مثل إغلاق الشوارع، الإضرابات، أو الامتناع عن دفع الضرائب)، في حال لم تمتثل الحكومة إلى قرار المحكمة، وقد أظهرت النتائج أن 41 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون العصيان المدني في هذا السيناريو. أما على مستوى العينة الكاملة، فبلغت نسبة المؤيدين 43 في المئة. عند تحليل الآراء حسب الانتماء السياسي داخل المجتمع اليهودي، يتبيّن أن 86 في المئة من اليساريين يدعمون العصيان المدني في هذه الحالة، و57 في المئة من أبناء المركز يوافقون على ذلك أيضاً، مقابل نسبة متدنية جداً في صفوف اليمين 21 في المئة. وقد تكرر هذا النمط عند تحليل النتائج حسب التصويت في انتخابات 2022، إذ تبين أن مؤيدي أحزاب المعارضة يبدون دعماً واسعاً للعصيان المدني، فيما أظهر مؤيدو أحزاب الائتلاف رفضاً شبه تام له.

نتنياهو وقضية «الاختراق القطري»

تطرّق الاستطلاع إلى مواقف الإسرائيليين من القضية المعروفة مؤخراً باسم «الاختراق القطري»، حيث تضمّن سؤالاً حول ما إذا كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بالرغم من نفيه، كان على علم بالعلاقات التي أقامها مستشاروه مع قطر كما رشح من تفاصيل القضية، وتبيّن نتائج الإجابات أن غالبية الإسرائيليين 55.5 في المئة يعتقدون أو يوقنون بأنه كان على علم بتلك العلاقات، في حين أن ربعهم فقط يعتقدون أو يوقنون بعدم معرفته بالأمر. عند تحليل النتائج حسب الانتماءات السياسية داخل الجمهور اليهودي، تظهر تباينات لافتة: بين المنتمين إلى اليسار، تسود قناعة شبه مطلقة بأن رئيس الحكومة كان على علم بهذه الاتصالات، بينما لدى من يعرّفون أنفسهم بأنهم من تيار الوسط، تسود كذلك أغلبية واضحة تشارك هذا الرأي. في المقابل، فإن المعسكر اليميني منقسم تماماً: 37 في المئة يرون أن رئيس الحكومة كان على علم بالعلاقات، و37 في المئة يرون العكس، ونحو ربع المستطلَعين من هذا المعسكر صرّحوا بأنهم لا يعرفون. وحسب «مدار» يمكن القول إن هذه النتائج، تعكس انقساماً حاداً في تأويل الأحداث، حيث يبدو أن التقييم بشأن معرفة رئيس الحكومة بالعلاقات مع قطر لا يعتمد فقط على المعطيات الموضوعية فقط، بل يتأثر أيضاً بوضوح بالانتماء السياسي للمستطلعين.

الحرب على غزة

تضمّن الاستطلاع لشهر آذار/مارس أسئلة حول أولويات الإسرائيليين في ما يتعلّق بأهداف الحرب، وتحديداً المفاضلة بين «القضاء على حركة حماس» و«استعادة جميع الأسرى الإسرائيليين». وقد أُجري هذا الاستطلاع ثلاث مرات: في كانون الثاني/يناير 2024، أيلول/سبتمبر 2024، وأخيراً في آذار/مارس 2025، ما يسمح بتتبع تحوّل في الرأي العام مع مرور الوقت. تُشير النتائج إلى تحوّل واضح ومتسارع في تفضيلات الجمهور: ففي حين كانت نسبة الذين رأوا أن استعادة الأسرى أولى من القضاء على حماس لا تتجاوز النصف في كانون الثاني/يناير 2024، فإن هذه النسبة تجاوزت الثلثين بحلول آذار/مارس 2025. في المقابل، تراجعت نسبة من يرون في القضاء على حماس الهدف الأهم إلى نحو ربع المستطلَعين فقط. يعكس هذا التحوّل على ما يبدو تغيراً في الرأي العام لأولويات الحرب، وربما أيضاً تزايد الشكوك في إمكانية تحقيق الهدف المتمثل في القضاء الكامل على حماس. أما من حيث الانقسام السياسي لدى الإسرائيليين، فيُظهر الاستطلاع فروقاً لافتة. ففي أوساط اليسار والوسط، هناك أغلبية ساحقة 91 في المئة و80.5 في المئة على التوالي تؤيد إعطاء الأولوية لاستعادة الأسرى على حساب هدف القضاء على حركة حماس. حتى في أوساط اليمين، حيث يُتوقّع تأييد أكبر لخيار القضاء على حماس، تظهر أغلبية، وإن كانت ضئيلة، لصالح أولوية استعادة كل الأسرى على حساب القضاء على حماس 52 في المئة مقابل 38.5 في المئة. أما في ما يتعلق بإمكانية تحقيق الهدفين في آن واحد- أي استعادة الأسرى الإسرائيليين والقضاء على حماس- فيبدو أن الإسرائيليين منقسمون بشكل شبه متساوٍ: نحو نصف المستطلَعين 49 في المئة يعتقدون أن الجمع بين الهدفين غير ممكن في نفس الوقت، بينما يرى 46 في المئة أنه من الممكن تحقيقهما معاً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية