لا مكالمات لكنيسة العائلة المقدسة في غزة من البابا فرنسيس.. رحل صديق المحرومين والفقراء والناقد للرأسمالية الجشعة

إبراهيم درويش
حجم الخط
4

لندن- “القدس العربي”: مع إعلان الفاتيكان وفاة الحبر الأعظم فرنسيس عن عمر يناهز 88 عامًا، تنطوي صفحة من حياة رئيس للكنيسة الكاثوليكية اتّسمت بالتعاطف مع المحرومين وضحايا الحرب حول العالم واللاجئين.

 وفي رسالته، يوم الأحد، في عيد الفصح المجيد، لم ينس غزة، والإبادة التي تتعرّض لها على يد الآلة الإسرائيلية والأمريكية. وقال: “أدعو الأطراف المتحاربة إلى وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، وتقديم المساعدات للشعب الجائع، والذي يتطلع إلى مستقبل سلام”. وأضاف: “أمام قسوة الصراعات التي تشمل المدنيين العزل، وتهاجم المدارس والمستشفيات والعاملين في المجال الإنساني، لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن ننسى أن الأهداف التي يتم استهدافها ليست أهدافًا، بل هي أشخاص لهم روح وكرامة”. وقد جسدت كلمته الأخيرة رحلته التي استمرت 12 عامًا على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

قام بتبسيط طقوس الجنازات البابوية. وقال سابقًا بأنه حضَّرَ قبره في كاتدرائية سانتا ماريا ماجوري في حي إسكويلينو بروما، حيث كان يذهب للصلاة قبل وبعد رحلاته الخارجية

وقد كان البابا خارجًا عن المؤسسة عندما اختارته لجنة الأساقفة في عزلتها وأطلقت الدخان الأبيض عام 2013، ولكنه لم ينس جذوره التقدمية ونشأته في الأرجنتين.

وأعلن الكاردينال كيفن فاريل، أمين سر الفاتيكان: “في تمام الساعة 7:35 من صباح اليوم، عاد أسقف روما، فرنسيس، إلى بيت الآب، كرس حياته كلها لخدمة الرب وكنيسته”.

وقد عانى البابا فرنسيس، في الأسابيع الماضية، من أزمة مرضية حادة كادت تودي بحياته، حيث أُدخل الرجل، الذي عانى من التهاب رئوي مزمن، واستؤصل جزء من إحدى رئتيه في شبابه، إلى مستشفى غيميلي، في 14 شباط/فبراير، حيث عانى من ضيق في التنفس تطوَّرَ إلى التهاب رئوي مزدوج. وأمضى 38 يومًا هناك، وهي أطول فترة إقامة في المستشفى خلال بابويته. وكان البابا، الذي غادر المستشفى في 23 آذار/مارس، قد ظهر علنًا آخر مرة يوم الأحد، عندما ألقى كلمة موجزة أمام الحشود المتجمعة في ساحة القديس بطرس لحضور قداس عيد الفصح.

ولم يتخلّ البابا بعد خروجه من المستشفى عن مهامه، حيث غادر مقر إقامته في كاسا سانتا مارتا عدة مرات، وزار سجناء في سجن ريجينا كويلي بروما، يوم الخميس، وقام بزيارة مفاجئة إلى كاتدرائية القديس بطرس، مرتديًا زيًا عاديًا، قبل أسبوع.

وقد قام، في العام الماضي، بتبسيط طقوس الجنازات البابوية. وقال سابقًا بأنه حضَّرَ قبره في كاتدرائية سانتا ماريا ماجوري في حي إسكويلينو بروما، حيث كان يذهب للصلاة قبل وبعد رحلاته الخارجية.

وعادة يُدفن البابوات وسط ضجة كبيرة في الكهوف أسفل كاتدرائية القديس بطرس في مدينة الفاتيكان. ووسط الحزن الذي سيعمّ الكنيسة الكاثوليكية وأتباعها حول العالم، ستقوم مؤسسة الفاتيكان بالتحاور لاختيار خليفته الـ 268، حيث سيتدفق الكرادلة من حول العالم من أجل خلوة سرية ومعقدة تُعقد في دير سيستين، ويشارك فيها 138 من المؤهلين منهم للتصويت.

وأشارت صحيفة “الغارديان” أن بعض المرشحين الذين تم تقديمهم قبل وفاته، ماتيو زوبي، الأسقف الإيطالي التقدمي، وبييترو بارولين، وزير خارجية الفاتيكان، والأسقف الفلبيني لويس أنطونيو تاغلي.

وتوقعت “الغارديان” أن تؤدي وفاته لزيادة الصراع داخل الكنيسة، حيث سيحاول المحافظون استعادة السيطرة من الإصلاحيين.

وخلال بابويته، كان فرنسيس، أول بابا يسوعي على الإطلاق، من أشد المدافعين عن فقراء العالم ومحروميه ومشرديه، وناقدًا لاذعًا لجشع الشركات وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

وفي الفاتيكان، انتقد الإسراف والامتيازات، داعيًا قادة الكنيسة إلى التحلي بالتواضع. وقد أثارت آراؤه حفيظة عدد كبير من الكرادلة ومسؤولي الفاتيكان ذوي النفوذ، الذين سعوا غالبًا إلى إحباط جهوده لإصلاح المؤسسات العتيقة للكنيسة، لكن تعاطفه وإنسانيته أكسباه مكانة مرموقة لدى الملايين حول العالم.

بعد زيارته لجزيرة ليسبوس اليونانية، عرض على 12 سوريًا اللجوء في الفاتيكان. كما سلط الضوء على السجناء وضحايا العبودية الحديثة والاتجار بالبشر في نداءاته المتكررة للرحمة والعمل الاجتماعي

وقد انتُخب فرنسيس، المولود باسم خورخي ماريو بيرغوليو في بوينس آيرس، الأرجنتين، عام 1936، بابا الكنيسة الكاثوليكية في آذار/مارس 2013. وأظهر على الفور أسلوبه البابوي باستقلاله الحافلة، بدلًا من السيارة البابوية، إلى فندقه، حيث دفع فاتورته قبل أن ينتقل إلى دار الضيافة في الفاتيكان، متجنبًا الشقق البابوية الفخمة.

وفي أول ظهور إعلامي له، أعرب عن رغبته في “كنيسة فقيرة، وكنيسة للفقراء”. وركز البابا فرنسيس اهتمامه البابوي على الفقر وعدم المساواة، واصفًا الرأسمالية الجامحة بـ”روث الشيطان”.

وبعد عامين من توليه البابوية، أصدر رسالة بابوية من 180 صفحة حول البيئة، مطالبًا أغنى دول العالم بسداد “ديونها الاجتماعية الباهظة” للفقراء. وأعلن البابا أن تغير المناخ يمثل “أحد التحديات الرئيسية التي تواجه البشرية في عصرنا”. كما دعا للتعاطف والرحمة، وطالب بإظهار الكرم تجاه اللاجئين، وأكد على عدم استخدامهم كـ “بيادق على رقعة شطرنج الإنسانية”.

وبعد زيارته لجزيرة ليسبوس اليونانية، عرض على 12 سوريًا اللجوء في الفاتيكان. كما سلط الضوء على السجناء وضحايا العبودية الحديثة والاتجار بالبشر في نداءاته المتكررة للرحمة والعمل الاجتماعي.

وخلال فترة وجوده الأخيرة في المستشفى، واصل اتصالاته الهاتفية بكنيسة العائلة المقدسة في غزة، وهو إجراء روتيني ليلي منذ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وكانت أكبر مشكلة واجهت البابا هي الانتهاكات الجنسية داخل الكنيسة الكاثوليكية، فقد كان عليه مواجهة فضيحة بعد فضيحة، واتُهم من الناجين وعائلات الضحايا بأنه فشل بفهم مستوى الأزمة والانتهاكات والحاجة الماسة لقطع جذور الانتهاكات ومنع التستر عليها. وفي عام 2019، استدعى البابا فرنسيس أساقفة من جميع أنحاء العالم إلى روما لمناقشة الأزمة، وأصدر لاحقًا مرسومًا يلزم الكهنة والراهبات بالإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية لسلطات الكنيسة، وضمان حماية المبلغين عنها.

وكانت هذه خطوة مهمة نحو الاعتراف بمسؤولية الكنيسة عن الفضائح، وذهبت أبعد بكثير من أسلافه.

وقد اتبع في خطواته خطى مثاله البابا جون الثالث والعشرين، الذي قال، عشية تحديث مجلس الفاتيكان الثاني عام 1962، إنه يريد “فتح نافذة لدخول بعض الهواء النقي”.

وفي توبيخٍ لا يُنسى للخدمة المدنية في الفاتيكان، انتقد أول بابا غير أوروبي في العصر الحديث “مرض السلطة” وانتقد بشدة المطلعين الذين “يشعرون بأنهم أسياد القصر، وأنهم متفوقون على الجميع وكل شيء”.

وقال إن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بحاجة إلى “الخروج من ذاتها والتوجه إلى الأطراف” لتصبح “كنيسة الفقراء للفقراء” و”مستشفى ميدانيًا للمؤمنين”.

وعلى مدى العقد التالي، سيطرت مواضيع الفرنسيسكان التقليدية، المتمثلة في الفقر والتواضع والتضامن مع الفقراء والبيئة الطبيعية، على أسلوب وجوهر البابوية الجديدة.

وكان قراره بالعيش المتقشف في دار ضيافة دينية في مدينة الفاتيكان، بدلًا من القصر البابوي، متناقضًا بشكل كبير مع نمط حياة سلفه البابا بنديكت، المترف، وذوقه في الفخامة الاحتفالية. وكان يرتدي ثوبًا أبيض بسيطًا وحذاء أسود، ويقود سيارة فورد فوكس زرقاء للتنقل بدلًا من سيارة الليموزين البابوية، وهو ما أرسل رسالة مفادها أن “الكنيسة الفقيرة” هي الأصل.

ثم بدأ بإصلاحات للهياكل المالية التي لم تكن منظمة أبدًا. وطلب من بنك الفاتيكان الامتثال لقواعد مجلس أوروبا لمكافحة غسل الأموال، وتم تعيين مراجع حسابات عام مستقل.

وبدا كل هذا مثيرًا وفاتنًا في نظر التقدميين، لدرجة أن بعض الليبراليين الغربيين حاولوا اعتبار البابا فرنسيس واحدًا منهم، حيث اختارته مجلة “تايم” رجل العام، وأشاد به موقع غاوكر للمشاهير، ووصفه بأنه “بابانا الجديد الرائع”، وعلى ما كان يُعرف سابقًا بهاشتاغ، أشاد به البعض “أفضل بابا على الأرض”.

كان البابا فرنسيس من أشد المدافعين عن فقراء العالم ومحروميه ومشرديه، وناقدًا لاذعًا لجشع الشركات وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية

ونشر الفاتيكان بحماس عملًا فنيًا في شارع بروما يصور البابا على هيئة سوبرمان على تويتر.

لكن الحب لم يطل عندما أخبر الصحافيين قائلًا “من أنا حتى أحكم” على المثليين، لكنه، وكابن مهاجر إيطالي إلى الأرجنتين، استثمر كثيرًا في الدفاع عن الهجرة والمهاجرين.

وبعد توليه البابوية زار جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، وشجب لامبالاة أوروبا من القوارب الغارقة في البحر المتوسط المحملة بالمهاجرين.

وإلى جانب زيارته لليونان، زار، في عام 2017، معسكرات المسلمين الروهينغا في بنغلاديش، الذين تعرضوا لمذابح على يد الجيش البورمي.

وفي عصر استخدم فيه سياسيون، مثل دونالد ترامب، وجورجيا ميلوني، وفيكتور أوربان، الهوية المسيحية كسلاح، كان هذا البعد من بابوية فرنسيس تصحيحًا وشهادة حاسمة. وقد استكمل هذا بجهود لتحسين الحوار بين الأديان مع الإسلام، والتي تجسدت في لقاءٍ مميز مع المرجع العراقي آية الله علي السيستاني خلال زيارة بابوية تاريخية للعراق، الذي كان واحدة من الدول التي زارها، مثل الإمارات العربية المتحدة والمغرب ومصر والأراضي المقدسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية