من «قائمة شندلر» إلى «الوحشي»: صناعة التقديس السينمائي للاضطهاد اليهودي

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والسينما الغربية تُعيد مرارًا وتكرارًا إنتاج سردية مركزية حول الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، ورفعه إلى مرتبة مقدسة لا تمسّ، حتى غدا هذا الاضطهاد كوثيقة تأسيسية للضمير الغربي الحديث، ليس فقط بوصفها واحدة من مآسي التاريخ، بل أصبحت المثال الأعلى والأوحد على الألم، الذي يترتب عليه حق دائم في التعاطف، وفي تمثيل الضحية، وربما الأهم من ذلك: حق في إعادة رسم خرائط العالم.
ويمكن تتبّع هذا الخط من الأفلام منذ العمل الوثائقي الفرنسي الشهير «ليل وضباب» الذي أخرجه آلان رينيه، وعرّض فيه مشاهد من معسكرات الاعتقال النازية، مؤسسًا بذلك ذاكرة بصرية جماعية تستدعي الفظائع وتعيد إنتاجها.
توالت بعدها الأعمال السينمائية التي لم تكتف بالتوثيق، بل قدّمت معالجات درامية تنوّعت بين الأسلوب الواقعي، والرمزي، والسّاخر أحيانًا. من بين هذه الأعمال يبرز فيلم «قائمة شندلر» للمخرج ستيفن سبيلبرغ، والذي استند إلى قصة لرجل الأعمال الألماني أوسكار شندلر الذي أنقذ مئات اليهود من الموت المحقق، ويُعدّ الفيلم واحدًا من أكثر الأفلام تأثيرًا في ذاكرة المحرقة، وقد شكّل لحظة فارقة في إعادة تقديم المأساة اليهودية للأجيال الجديدة.
على نفس المنوال، جاء فيلم «عازف البيانو» للمخرج رومان بولانسكي، المستند إلى مذكرات العازف اليهودي البولندي فلاديسلاف شبيلمان، حيث تنعكس مآسي الغيتو والاضطهاد في سرد موسيقي حزين عن العزلة والنجاة وسط الدمار.
وفي تجربة مختلفة نوعًا، اختار المخرج والممثل الإيطالي روبرتو بينيني معالجة المأساة بأسلوب فريد يمزج التراجيديا بالكوميديا في فيلمه الشهير «الحياة جميلة»، حيث يظهر الأب اليهودي وهو يحوّل رعب المعسكر النازي إلى لعبة يتقنها لحماية طفله من إدراك حقيقة الجحيم من حوله. هذا الطرح الإنساني العميق من خلال السخرية اللاذعة منح الفيلم مكانة متميزة في قائمة أفلام المحرقة.
ولم تكن هذه الأعمال معزولة عن سياقات التجريب البصري والروحي التي قدّمها لاحقًا فيلم «ابن شاؤول»، وهو فيلم مجري نال جائزة الأوسكار لأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية، واعتمد على التصوير الضيق واللقطات القريبة لخلق حالة خانقة تُحاكي المعاناة الجسدية والنفسية ليهودي يعمل في محرقة جماعية، وهو يطارد لحظة دفن جثمان طفل يظن أنه ابنه.
أما فيلم «المرأة في الذهب»، فقد سلّط الضوء على جانب آخر من معاناة اليهود، وهو مصادرة النازيين لثرواتهم وممتلكاتهم الفنية، حيث تحكي القصة معركة قانونية لاسترداد لوحة شهيرة نهبها النازيون، في تجسيد لعلاقة الألم بالعدالة المفقودة والميراث الثقافي المسلوب.
وفي السياق ذاته، قدّم فيلم «زوجة حارس حديقة الحيوان» قصة زوجين بولنديين أنقذا مئات اليهود من الموت، في عمل إنساني رقيق يستعرض دور البطولة الأخلاقية في زمن الوحشية المطلقة.
ومن بين الأفلام التي قاربت المأساة من زاوية عائلية أو نفسية، جاء فيلم «القارئ» الذي ناقش العلاقة المعقّدة بين الألم والتكفير والذاكرة، من خلال قصة شاب يكتشف أن المرأة التي أحبها كانت تعمل حارسة في أحد معسكرات الاعتقال، في معالجة عميقة لمفهوم الذنب والخيانة. كذلك تناول فيلم «هانا آرنت» السيرة الذاتية للفيلسوفة اليهودية التي غطّت محاكمة الضابط النازي أدولف آيخمان، وقدّمت أطروحة «تفاهة الشر» في نقدها للممارسات النازية.
ولم تخلُ السينما الفرنسية من محاولات مماثلة، كما في فيلم «المداهمة» الذي يوثّق مذبحة اعتقال اليهود في فرنسا عام 1942، في عمل درامي مؤلم عن خيانة السلطة والسكوت الجماعي على الجريمة.
وفي السنوات الأخيرة، عادت السينما الغربية لتستثمر هذه الذاكرة مجددًا من خلال أعمال مثل «العملية النهائية» و«الإنكار»، حيث يعرض الأول عملية ملاحقة واعتقال آيخمان من قبل الموساد، بينما يعالج الثاني صراعًا قانونيًا بين مؤرخة يهودية وأكاديمي ينكر وقوع المحرقة، في صراع بين الحقيقة والتضليل، والوثيقة والرأي.
وما زال هذا النهج يحظى بدعم واسع في الأوساط السينمائية الغربية، وهو ما تجلى في حفل الأوسكار الأخير، حيث فاز الممثل أدريان برودي بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم «ذا بروتاليست» أو «الوحشي»، أحدث أفلام المخرج برادي كوربيت، الذي يمثل حلقة جديدة في سلسلة الأفلام التي تعيد إنتاج هذه المركزية، لا فقط من خلال تصوير الناجي اليهودي كرمز للمعاناة، بل من خلال تمرير خطاب أيديولوجي خفي، يُكرس فكرة أن «أرض فلسطين» هي الوطن الطبيعي والتاريخي لليهود، وهي الفكرة التي بُني عليها مشروع الاحتلال الصهيوني برمّته.
وكان أدريان برودي قد سبق له الفوز بجائزة الأوسكار كأفضل ممثل عام 2003 عن دوره في فيلم «عازف البيانو»، للمخرج رومان بولانسكي، الذي استعرض أيضا قصة الموسيقي اليهودي البولندي يوجين يفيتسكي، الذي نجا من معسكرات النازية ليعود ويواجه التحديات التي ترتبت على الناجين.

عمارة الألم: الخرسانة كذاكرة

تدور أحداث «الوحشي» حول المهندس المجري لازلو توث، الناجي من معسكرات الاعتقال، الذي يهاجر إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، محاولًا أن يدفن ذاكرته المؤلمة في جدران مبانٍ يشيّدها بطابع صارم وقاسٍ، ينتمي إلى المدرسة المعمارية «الوحشية». لا يقدم الفيلم هذه العمارة كخلفية شكلية، بل يجعلها محورًا دراميًا، وجزءًا من سردية العذاب: فالخرسانة تعبير عن الصمت، والزوايا الحادة تجسيد للقلق، والبرودة البصرية تمثيل لفقدان الحميمية.
يتعامل كوربيت مع العمارة بوصفها لغة نفسية، لا مجرد فن بصري. كل مبنى يصممه لازلو ليس فقط عملاً هندسيًا، بل سردية خفية عن تجربة القهر التي عاشها، وهو تعبير عن محاولة يائسة لإعادة الإمساك بعالم تهشم بالكامل. لكن ما يبدو إنسانيًا، يتحول تدريجيًا إلى خطاب مُسيّس، يربط بين المعاناة اليهودية و«الحاجة للانتماء إلى أرض» لم تكن أرضهم أصلًا.
يؤدي الممثل أدريان برودي شخصية توث بأداء صامت مكثف، مليء بالإشارات الجسدية الدقيقة، التي تنقل شعورًا دائمًا بالقلق والانكسار، لا يتحدث كثيرًا، ولا يشرح مشاعره، لكنه يوصلها عبر نظرات مترددة، وخطوات حذرة، وجسد منكمش كأنه لا يثق بالعالم. إنه ناجٍ بالاسم فقط، لكنه في الحقيقة لا يزال سجينًا، يحمل المعتقل في داخله.
هذا التمثيل لا يكتفي بتقديم الألم الفردي، بل يُكرس الصورة التي اعتادت السينما الغربية ترسيخها: أن اليهودي هو الضحية النموذجية، المثقف، المبدع، الحالم، والذي رغم معاناته لا يزال نقيًا، أخلاقيًا، وأقرب للقديسين.

التقديس الرمزي: من الذاكرة إلى الأرض المسروقة

يذهب الفيلم إلى أبعد من سرد الألم. ففي لحظة مفصلية، نتابع كيف تقرر ابنة أخ توث، وزوجها، ترك الولايات المتحدة والسفر إلى إسرائيل «فلسطين»، حيث «الوطن التاريخي»، كما يصفه الفيلم، وهي لحظة محورية تكشف عن البعد الأيديولوجي العميق للفيلم.
لا يقدم العمل هذه الهجرة بوصفها خيارًا فرديًا، بل باعتبارها الخلاص الحقيقي، والعودة إلى الجذور، والحق «المقدس» في الاستقرار على أرض يُفترض أنها خالية، أو متاحة لهذا الغرس الجديد. هنا يتم تمرير الفكرة الصهيونية المركزية من تحت جلد الحكاية: أن فلسطين وُجدت لتكون ملاذًا لليهود بعد محنتهم الأوروبية.
وهذا ما يدحضه التاريخ والمنطق معًا. ففلسطين لم تكن يومًا أرضًا خالية، بل كانت عامرة بأهلها، بثقافتهم، بلغتهم، بأحلامهم وحقولهم. أصحاب الأرض الأصليون ليسوا من نُسجت حولهم الأساطير، بل من عاشوا واقعها. إن الترويج لهذه الهجرة على أنها «عودة» هو تزييف فجّ للواقع، وتكريس سردية استعمارية تتجاهل ما حلّ بالشعب الفلسطيني من نكبة ونكسة وشتات، نتيجة لهذا «الحق» الزائف.

بين الرأسمال والفن: السيطرة الناعمة

تتجلى ملامح هذا التوجه في العلاقة المعقدة بين توث وصاحب النفوذ الأمريكي هاريسون فان بورين، الذي يُموّل مشاريعه لكنه يتحكم فيها. يُظهر الفيلم هذه العلاقة كصراع ناعم، حيث يبدو الدعم المالي غطاءً للهيمنة الفكرية، ويتحول الإبداع المعماري إلى أداة في خدمة مصالح من يمتلكون المال. الفن هنا لا يتحرر من سطوة السلطة، بل يُعاد تشكيله بما يتوافق مع أهواء القوى الكبرى، التي ترى في «المعمار الوحشي» تمثيلًا جماليًا لمعاناة تُوظف سياسيًا.
في الوقت نفسه، يُقدّر الفيلم القوة الرمزية للعمارة بوصفها تجسيدًا لفكرة البقاء على قيد الحياة، خاصة بعد المعاناة. ولكن ما غاب عن هذا الإطار، هو رؤية المعاناة الفلسطينية التي استمرت حتى يومنا هذا بسبب الاحتلال، والتهجير القسري، ما يجعل من هذا التصوير الزائف للألم اليهودي محاولة للموازنة بين معاناة الأفراد والأيديولوجيا السياسية التي تستند إلى أساطير.
على المستوى البصري، يتميز الفيلم بجماليات دقيقة. الكاميرا تتحرك بهدوء يشبه طقوس الحداد، والضوء الخافت يعكس هشاشة الروح، والموسيقى مصممة بعناية لتُبقي الوجع في الخلفية بدون أن يطغي. إنه فيلم مدروس، بصريًا ونفسيًا، ولا يمكن إنكار براعته الإخراجية.
لكن هذا الجمال يُخفي في جوهره إقصاءً متعمدًا. فبينما يواصل الفيلم تمجيد معاناة اليهود في أوروبا، يتجاهل تمامًا معاناة الفلسطينيين الذين يدفعون حتى اليوم ثمن هذه «العودة» الزائفة. لا يذكر الفيلم شيئًا عن الضحايا الجدد، ولا عن أن اللازلو الجديد ربما يبني على أنقاض بيت فلسطيني هُدم ذات نكبة. لا مكان في هذا السرد للحق العربي، أو للذاكرة الفلسطينية.

تعميم الصورة الوحيدة:
غياب الرؤية المتوازنة

ما يثير التساؤل هنا هو التعميم الواسع للصورة التي يُرسمها الفيلم لليهودي كضحية نموذجية لا بد من تعويضها بحق العودة إلى فلسطين، كما لو أن هذا العودة هي حل سحري لجميع مشاكلهم، رغم أن التاريخ ينفي هذا الطرح ويؤكد على حق الفلسطينيين في أرضهم.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالفيلم يمرر إلى المشاهد فكرة مفادها أن اليهود يمكنهم فقط العودة إلى الأرض التي يعتقدون أنها ملك لهم، متجاهلا وجود الشعب الفلسطيني الذي يتم اقتلاعه من وطنه الأم، ويُعامل كما لو أن له لا مكان في هذه السردية. هذا الترويج للصورة اليهودية كضحية في مقابل إغفال الضحية الفلسطينية يُعد مثالًا صارخًا على التلاعب السينمائي لتأبيد سردية الاستعمار.
«الوحشي» سردية تُبنى بحجارة الرمزية المضلِّلة. إنه فيلم عن حق يُفترض أنه مكتسب من الألم، لكنه يُبنى على نفي ألم آخر، أكثر حداثة، وأكثر صمتًا في الوجدان الغربي. هو إعادة إنتاج لسردية قديمة، تتجمل بلغة جديدة، لكنها لا تزال تعيد إنتاج الإقصاء، وفرض الرواية الواحدة.
ولكن سيظل الحق ملكا لأصحابه، فلا الخرسانة تحمي من الكذب، ولا المعمار يمنح الشرعية. الأرض لا تمنح لمجرد أن ثمة من تألم، بل لأصحابها الذين ظلوا هناك، يقاومون، يُحاصرون، ويُمحَون من الصورة. والسينما، من خلال سرديات مثل «الوحشي»، تساهم في تزوير الحقائق وتشويه الواقع، ما يضاعف من معاناة أصحاب الأرض الأصليين الذين يُستبعدون في كل مرة يُروى فيها التاريخ بأسلوب سينمائي منحاز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية