لندن ـ «القدس العربي»:
تعاقد ريال مدريد مع الميغا ستار الفرنسي كيليان مبابي، في الانتقالات الصيفية الماضية، بهدف تقديم الإضافة التي يحتاجها الفريق من أجل الاحتفاظ بلقب دوري الأبطال للمرة الثانية على التوالي والسادسة عشرة في تاريخ الكيان، لكن على أرض الواقع، فشل الشاب العشريني في تحقيق الهدف المنشود، بتقديم يد العون لرفاقه في الثلث الأخير من الملعب فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس وجود بيلينغهام، آخرها ظهوره الباهت في ليلة الخروج المحرج من الكأس ذات الأذنين على يد آرسنال، كرابع مباراة تواليا في مراحل الإقصائيات يخرج منها «الغالاكتيكو» بلا أهداف، ما تسبب في وقوعه في مرمى انتقادات المشجعين والمحيط الإعلامي الأبيض المحسوب على النادي الميرينغي، لدرجة أن البعض وصفه بـ«الصفقة المنحوسة»، التي قد تتسبب في ابتعاد اللوس بلانكوس عن بطولته المفضلة في السنوات القادمة، استنادا إلى أرشيفه المتأرجح في هذه البطولة على وجه الخصوص، كلاعب على الورق يُصنف كتاسع أفضل هداف في تاريخ البطولة في كل العصور، لكن نادرا ما يتقمص دور البطولة المطلقة في المواعيد الحاسمة سواء مع ناديه السابق باريس سان جيرمان، أو مع الملكي بتلك الطريقة التي صدم بها المشجعين في مباراتي الذهاب والعودة أمام أتلتيكو مدريد في دور الـ16، ثم ليلة الانكشاف الكبير أمام مدفعجية آرسنال في الدور ربع النهائي، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل حقا جاءت صفقة مبابي بنتائج عكسية على كارلو أنشيلوتي وفريقه؟ وفي نفس الوقت كانت سببا في التحول اللافت لباريس سان جيرمان هذا الموسم؟ هذا ما سيجيب عنه التقرير.
أرقام كاذبة
صحيح بلغة الأرقام والإحصائيات، سيكون من الصعب إلقاء اللوم على بطل كأس العالم 2018 في موسمه الأول مع أصحاب «سانتياغو بيرنابيو»، بتوقيعه حتى هذه اللحظة على 32 هدفا وصناعة 4 من مشاركته في 49 مباراة في مختلف المسابقات، لكنه يُدرك جيدا ويعرف أكثر من غيره، أن كل ما فعله منذ بداية الموسم وما سيحدث في نهائي كأس ملك إسبانيا أمام برشلونة وما تبقى من الصراع على لقب الدوري الإسباني، لا يساوي أي شيء أمام الفشل الأوروبي الذريع، حتى هو يعي جيدا، أن العنوان العريض من توقيع الرئيس فلورنتينو بيريز معه «أنه سيقود ريال مدريد إلى حقبة جديدة من النجاحات»، على أن تكون البداية بقيادة رفاقه لمعانقة الكأس السادسة عشرة، وهو ما عجز عن تحقيقه في أول فرصة مع أصحاب القميص الأبيض، بالرغم من هروبه من «حديقة الأمراء» في فصل الصيف الماضي، لإنعاش فرصه في فك عقدته مع البطولة التي توج بها جُل أساطير اللعبة وأبطال طفولته، بعدما وصل لقناعة بينه وبين نفسه، أن استمراره مع عملاق كرة القدم الفرنسية، لن يساعده على تحقيق حلم الفوز بالكأس ذات الأذنين، وبالتبعة لن يفوز أبدا بجائزة «الكرة الذهبية»، كأفضل لاعب في العالم والمقدمة من قبل مجلة «فرانس فوتبول»، ليستيقظ على نفس الكابوس والمشاعر المؤلمة مع مغادرة الأبطال بقميص «بي إس جي»، ونفس الليالي الظلماء التي يختفي فيها سحر وتأثير كيليان، على غرار ظهوره الباهت أمام بوروسيا دورتموند في آخر ظهور أوروبي مع ناديه السابق، وقبلها لم يكن مؤثرا في نصف النهائي أمام مانشستر سيتي في نصف نهائي 2021، وأيضا كان سببا في انقلاب نهائي 2020 أمام بايرن ميونيخ، بإهدار فرصة كانت كفيلة بوضع فريقه في المقدمة قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين.
صداع التوازن
لا شك أبدا، أن هناك عدة أسباب جعلت الريال يعاني ويبدو وكأنه مفككا في معظم فترات الموسم، منها على سبيل المثال لا الحصر، بُخل الإدارة في الميركاتو الصيفي الأخير، بعدم تدعيم الدفاع بصفقات من الوزن الثقيل، بعد تجدد انتكاسة إيدير ميليتاو، على مستوى الرباط الصليبي، بجانب عدم جاهزية الدولي النمساوي ديفيد آلابا، الذي تحول إلى رجل زجاجي بامتياز في آخر موسمين، بتسونامي من المشاكل والإصابات قبل وبعد تعافيه من الجراحة التي أجراها في الرباط الصليبي، وحتى ابن أكاديمية النادي راؤول أسينسيو، تعرض لهزة مفاجئة في مستواه، تأثرا بطريقة تعامل المدرب معه، بعدم منحه الثقة اللازمة والكافية للحفاظ على مكانه في التشكيل الأساسي، حيث عانى الصغير من أكثر من صدمة، بإيجاد نفسه على مقاعد البدلاء بعد وصوله إلى الذروة في المباراة التي سبقتها، ناهيك عن الاستسهال بالاعتماد على نفس الأسماء المتاحة على مستوى خط الوسط، بعد تقاعد الأسطورة توني كروس في الموسم الماضي، والإصرار على عدم تعويضه بلاعب آخر بإمكانه القيام بنفس المهام والأدوار في وسط الملعب، ثم بعد ذلك، يأتي الحديث عن سلبيات التوقيع مع مبابي، أو الخلل الذي أدى إلى تحول ريال مدريد من فريق يهابه العمالقة قبل الأندية المتوسطة والصغيرة الموسم الماضي، إلى فريق شبه عاجز عن مبادلة وصيف البريميرليغ الهجمات في مباراتي الذهاب والعودة، والأمر يتعلق بالخلل الكبير الذي أحدثه وجود مبابي في توازن الفريق، حيث كان المدرب يعتمد على طريقة 4-3-1-2 في موسم الكأس الخامسة عشرة، مراهنا على الفتى الإنكليزي في دور مركب بين صانع الألعاب والمهاجم رقم (9)، بالتنسيق مع الثنائي البرازيلي فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس، ومن خلف هذا الثلاثي، كان هناك توازن على مستوى الوسط، في وجود المهندس العبقري توني كروس وأي ثنائي يجاوره على دائرة المنتصف.
لكن في هذا الموسم، اضطر المدرب للمقامرة بالوافد الجديد في مركز المهاجم رقم (9)، وهو ما حرم الفريق من إبداعات بيلينغهام ولحظاته الاستثنائية في الثلث الأخير من الملعب، وذلك بعد تكليفه بالقيام بمهام توني كروس، كلاعب وسط رقم (8) يأتي من جهة اليسار، بجانب فيدي فالفيردي وواحد من الثلاثي أورلين تشواميني، أو إدواردو كامافينغا أو شيخ اللاعبين لوكا مودريتش، وهذا يفسر أسباب معاناة الريال أمام الفرق التي تدافع وتهاجم بشكل جماعي، حيث تنكشف نقطة الضعف في المنطقة المستباحة بين مبابي وبيلينغهام في وسط الملعب، وهذا يرجع إلى تكاسل كيليان عن القيام بأدواره الدفاعية، أبرزها عملية الضغط على أول مدافع حامل للكرة من المنافس، شأنه شأن فيني الذي لا يقوم هو الآخر بأدواره الدفاعية كما ينبغي، وبدرجة أقل رودريغو. وفي عالم كرة القدم الحديثة، من الصعب إن لم يكن من رابع المستحيلات، أن يفوز فريق على طول الخط بثلاثة لاعبين من النوع المدلل، الذي يفقد طاقته لتنفيذ تعليمات المدرب بالضغط المتقدم على المنافسين، وتركهم يمررون بكل سهولة وأريحية في عمليات البناء والتحضير من الخلف، بتلك الطريقة التي سهلت من مهمة ميكيل آرتيتا وفريقه أرسنال في سحق حامل اللقب في ملعب «الإمارات» بالثلاثية النكراء، ثم بالاستعراض والفوز السهل في «سانتياغو بيرنابيو»، وسط غياب تام لمبابي ومعاونه فينيسيوس، لدرجة العجز عن خلق ولو فرصة أو جملة تكتيكية متفق عليها على مدار الـ180 دقيقة، وقبلها كان كيليان يعاني من تراجع واضح على مستوى الأداء واللمسة الأخيرة أمام الشباك، بتوقفه عن التسجيل في آخر 6 مباريات في مختلف المسابقات، وهذا الأمر وفقا لموقع «Goal» العالمي، ليس جيدا بما يكفي لمهاجم اللوس بلانكوس الذي دعمه الميستر كارليتو ليسير على خطى الهداف التاريخي كريستيانو رونالدو.
فتنة وتحرر
كل ما سبق، لا يعكس سوى ابتعاد مبابي عن أرقام وقيمة صاروخ ماديرا في أم البطولات، منها مثلا أهداف الدون الـ67 في مراحل خروج المغلوب، مقابل 24 للشاب الفرنسي، منها هدف وحيد في سبع مباريات بعد مرحلة الدور ربع النهائي، والأهم، أنه لم يسجل حضوره عندما احتاج الفريق للحظاته الخارقة كما كان يفعل رونالدو منذ يومه الأول في مدينة «فالديبيباس»، وكأنه فقد رباطة الجأش التي كان يتحلى بها في بداية العام الميلادي الجديد، التي شهدت أكبر معدل أهداف في مسيرته، قبل أن يأخذ خطوة محرجة إلى الوراء في أهم لحظات الموسم، أو كما يُقال في عالم الساحرة المستديرة في شهر أبريل/ نيسان الحاسم، رغم أنه على الورق وداخل المستطيل الأخضر، كان من المفترض أن يكون العلامة الفارقة أو الرجل المُخلص القادر على قيادة الفريق إلى التتويج بالكأس ذات الأذنين، على الأقل كما فعل المهاجم السابق خوسيلو، الذي ساهم في تسجيل 17 هدفا، منها هدفا التأهل للمباراة النهائية على حساب بايرن ميونيخ، والمفارقة، أن خروج مبابي والريال من الأبطال، يأتي بالتزامن مع توهج وتحرر فريقه السابق باريس سان جيرمان، الذي يعيش فترة ذهبية تحت قيادة لويس إنريكي، بعد انتهاء حقبة مشاكل مبابي وتوتراته مع نيمار جونيور والغيرة من ليونيل ميسي وإلخ، وبداية عهد جديد، بمشروع طموح يقوده أسماء أكثر شغفا ورغبة في دفع النادي إلى الأمام، في مقدمتهم السهم الزئبقي برادلي باركولا، والعائد من الموت الكروي وهداف الفريق عثمان ديمبيلي، والجديد الإضافة المبهرة التي قدمها الساحر الجورجي كفاراتسخيليا، كواحد من المساهمين في وصول الفريق إلى الدور نصف النهائي للمرة الثالثة في تاريخه، قبل مواجهة آرسنال في الملحمة المؤهلة لنهائي «آليانز آرينا»، وسط إجماع على أن باريس تطور كثيرا وأصبح أقوى من أي وقت مضى بدون هدافه التاريخي، والعكس تماما بالنسبة لريال مدريد، فهل يا ترى يحدث السيناريو الهيتشكوكي العجيب، وينجح العملاق الباريسي في فك عقدته مع الأميرة البيضاء قبل أن يفعلها لاعبه الهارب مع ملوك البطولة؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام.