دفع تنوع الأزمات وتعدد الجبهات صناع القرار في الجزائر إلى الإعداد للتعبئة العامة تحسبا لوقوع الأسوأ لاسيما في الحدود الجنوبية للبلاد التي تعيش غياب استقرار حقيقي.
لندن ـ «القدس العربي»:في خطوة مفاجئة، صادق المجلس الوزاري الجزائري الأحد الماضي على قانون تنظيمي يهدف إلى الإعداد للتعبئة العامة وذلك تماشيا مع المادة 99 من دستور هذا البلد المغاربي. ويترتب عن هذا القرار تساؤلات عميقة حول الأسباب الحقيقية والمخاطر التي تشعر بها البلاد في وقت بدأت تصبح بمثابة جزيرة دبلوماسية معزولة عن محيطها بسبب النزاعات لاسيما في حدودها الجنوبية.
ومن الناحية القانونية، وبعد المصادقة على القرار، أصبح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يمتلك صلاحية إعلان التعبئة العامة بعد التشاور مع المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيسي غرفتي البرلمان. ودائما وفق القانون، لا يعني إعلان التعبئة العامة بالضرورة إعلان الحرب ضد دولة ما، بل لمواجهة بعض التحديات في السياسة الخارجية وأمن الحدود علاوة على الكوارث الطبيعية والأزمات الداخلية. وبموجب هذا القانون، تصبح من صلاحيات الدولة استدعاء كافة فئات المجتمع، بما في ذلك القوى المدنية والاقتصادية والمؤسساتية والعسكرية، للمشاركة في جهود التعبئة لمواجهة التحدي أكان عسكريا بمفهوم الاعتداء الخارجي أو أزمة داخلية مثل الانقلاب أو الاعتداءات الإرهابية أو محاولة الانفصال.
واستنادا إلى تاريخ الجزائر، فقد تم الإعلان عن التعبئة العامة مرتين خلال الستين سنة الأخيرة، وكان ذلك إبان حرب الرمال مع المغرب سنة 1963، ثم خلال الحرب الأهلية غير المعلنة التي تسمى في الأدبيات السياسية الجزائرية بالعشرية السوداء في التسعينات، حيث جرت مواجهة امتدت سنوات بين الحركات الإسلامية المسلحة والدولة الجزائرية.
ويبقى المثير في هذا التطور هو أن الدولة الجزائرية لم تعلن التعبئة العامة سابقا، لاسيما في وقت كانت الكثير من الدلائل تشير إلى فرضية اندلاع حرب مع المغرب ما بين سنتي 2021 و2022، ووصل الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية من الجانب الجزائري، ثم إغلاق المجال الجوي الجزائري في وجه الطائرات المغربية. وبررت الجزائر وقتها القرار بما وصفته التهديد القادم من الحدود الغربية بسبب العلاقات العسكرية المغربية-الإسرائيلية. وعليه لماذا الآن بالضبط، تعلن الجزائر الإعداد لمرحلة التعبئة العامة في ظل غياب نشوب حرب؟
خريطة الأزمات الدبلوماسية والعسكرية
المتأمل في خريطة العلاقات الدبلوماسية الجزائرية خلال الأربع سنوات الأخيرة، سيرصد أن هذا البلد دخل في أزمات شائكة مع دول الجوار ومع الاتحاد الأوروبي باستثناء حدوده الشرقية مع تونس وليبيا. وتوالي الأزمات وتعددها، يجعل صناع القرار في الجزائر ولاسيما المؤسسة العسكرية تشعر بقلق كبير، إذ من طبيعة العسكر في العالم استحضار سيناريوهات الأزمات والقلق تحسبا لوقوعها أكثر من سيناريوهات السلام. لهذا رغم فترات السلام، تستمر المؤسسات العسكرية في شراء الأسلحة وإجراء المناورات.
فقد اندلعت بين الجزائر ودول الجوار والشريك الأوروبي أزمات حقيقية وشائكة، أحيانا بسبب نزاع الصحراء لدعمها لجبهة البوليساريو وأحيانا بسبب الاختلاف حول محاربة الإرهاب وكذلك بدء تموقع عدد من الدول الكبرى في منطقة الساحل الأفريقي. وهذه الأزمات التي دفعت نحو الإعداد للتعبئة العامة هي:
لا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين المغرب والجزائر منذ أربع سنوات، وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد برر في تصريحات له للتلفزيون نهاية كانون الأول/ديسمبر 2022 أنه أمام خطر اندلاع الحرب مع المغرب، كان الحل هو قطع العلاقات الدبلوماسية. وتتهم الجزائر المغرب بأنه يتواطأ مع دول مثل فرنسا والإمارات والكيان لضرب الاستقرار الجزائري، بينما يتهم المغرب جارته الشرقية بأنها رهينة فكرة المؤامرة وأن السبب الحقيقي للنزاع هو الدعم الكبير والمستمر منذ عقود من طرف الجزائر لجبهة البوليساريو. ورغم التوتر التاريخي مع المغرب، تبقى جبهة الحدود الغربية للجزائر، وفق معطيات الواقع، الأقل احتمالا بوقوع انفجار أو نشوب حرب.
بعد المكالمة الهاتفية بين الرئيس تبون ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بداية الشهر الجاري، ساد الاعتقاد بتجاوز البلدين الأزمة الشائكة التي ترتب عنها سحب الجزائر لسفيرها من باريس بسبب موقف الأخيرة في دعم سيادة المغرب على الصحراء. لكن وقع تطور خطير عندما طردت الجزائر 12 دبلوماسيا فرنسيا بعد التطورات التي حصلت في أعقاب قرار السلطات القضائية الفرنسية يوم 8 نيسان/أبريل الجاري اعتقال ثلاثة دبلوماسيين جزائريين بتهمة محاولة اختطاف معارض جزائري وهو أمير بوخرص. وردت فرنسا بإجراء مماثل بطرد 12 دبلوماسيا من هذا البلد المغاربي. وبالتالي، دخلت العلاقات الثنائية بعد هذا الحادث في أحد أسوأ الفترات خلال العقود الأخيرة. ويبقى سيناريو الأزمة مع فرنسا شبيها بأزمة الجزائر مع إسبانيا سنة 2022 التي بدورها أعلنت دعم الحكم الذاتي، ووقعت مصالحة نسبية مؤخرا بين مدريد وباريس.
الأزمة مع دول الساحل
منذ بداية شهر نيسان/أبريل 2025، شهدت منطقة الساحل تصعيدًا كبيرًا للتوترات الدبلوماسية والعسكرية بين الجزائر ودول تحالف الساحل – مالي في المقام الأول، ولكن أيضًا النيجر وبوركينا فاسو. كانت نقطة البداية المباشرة للأزمة هي إسقاط الجيش الجزائري طائرة عسكرية مالية بدون طيار ليلة 31 آذار/مارس – 1 نيسان/ابريل 2025 بالقرب من الحدود في تينزاواتين. تدعي الجزائر أن الطائرة بدون طيار انتهكت مجالها الجوي، بينما تصر باماكو على أنها كانت لا تزال تعمل على الأراضي المالية. ومن أسباب قلق الجزائر هو بدء تعزيز الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وحتى تركيا لنفوذها في المنطقة. وكانت الجزائر هي المخاطب الرئيسي للقوى الكبرى في قضايا الساحل رفقة فرنسا، لكن نفوذ الجزائر الآن يتراجع بشكل كبير. ولم تعد الجزائر قلقة فقط من تراجع نفوذها بل ترى أن الحدود مع دول الساحل قد تكون هي المصدر الحقيقي لمشاكلها الأمنية مستقبلا. وهكذا، فإن فشل الحلول السياسية وصعود الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل سيدفع ولو نسبيا نحو العسكرة بدل الحلول الدبلوماسية، وبالتالي احتمال وقوع أزمات أمنية خطيرة للأمن القومي الجزائري.
الأزمة مع الاتحاد الأوروبي
منذ عام 2021، تشهد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والجزائر توترًا متزايدًا، لا سيما حول القضايا التجارية والسياسية. ويتهم الاتحاد الأوروبي الجزائر بفرض قيود على الصادرات والاستثمارات الأوروبية، في انتهاك لاتفاقية الشراكة الموقعة في عام 2002 والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2005. ويحكم هذا الإطار التعاون في عدة مجالات، بما في ذلك التجارة، ويجعل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول للجزائر (حوالي 50.6 في المئة من التجارة الخارجية للجزائر في عام 2023). وتبرز جريدة «لوموند» الفرنسية أن الأزمة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر هي في المقام الأول أزمة تجارية، تتفاقم بسبب المشاكل السياسية والدبلوماسية. وهي تنعكس في القيود الجزائرية على التجارة، وإجراءات تسوية المنازعات التي بدأها الاتحاد الأوروبي، ورغبة الجزائر في إعادة التفاوض على اتفاق الشراكة على خلفية التنويع الاقتصادي والضغوط الدولية.
غياب الثقة في الحلف الأطلسي
منذ اندلاع الربيع العربي والجزائر تعتقد في وجود مخطط غربي يقوده الحلف الأطلسي سرا لتغيير الأوضاع السياسية في هذا البلد المغاربي بهدف السيطرة على مصادر النفط والغاز. وكانت قمة الحلف الأطلسي في مدريد صيف 2022 قد طرحت ضرورة حماية مصادر النفط بما في ذلك التدخل إذا تطلب الأمر، واعتبرت الجزائر نفسها معنية بتلك التلميحات. وكان خبراء عسكريون في دول مثل إسبانيا وفرنسا قد نبهوا إلى خطورة تسلح الجزائر خلال السنوات الأخيرة. وكان الأدميرال المتعاقد رودريغيث غارث قد صرح في حوار مع جريدة «لاراثون» الإسبانية خلال تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بأن الجزائر بغواصاتها تشكل خطرا على الغرب.
وهكذا، دفع توالي الأزمات وتنوعها وتعدد الجبهات صناع القرار في الجزائر إلى الإعداد للتعبئة العامة تحسبا لوقوع الأسوأ لاسيما في الحدود الجنوبية للبلاد التي تعيش غياب استقرار حقيقي، في وقت تتناسل فيه الحروب وتفشل فيه الوساطات الدولية.