ليس سهلاً تحويل دولة فاشلة إلى دولة طبيعية. هو مسار طويل يتطلّب كثيراً من الإرادة السياسية والجهد والعناء والدموع وربما الدماء. شكَّل انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية صدمة إيجابية، وارتفعت آمال اللبنانيين بخطاب القَسَم الذي تضمن كلاماً واضحاً عن حصرية السلاح بيد الدولة. في واقع الأمر، يُدرك رئيس الجمهورية المسؤولية الملقاة على عاتقه، وهو الذي أتى في ظل تبدلات إقليمية كبرى حصلت على وقع السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، و«حرب الإسناد» التي انتهت بهزيمة عسكرية لـ«حزب الله» وقبوله، من خلاف الستارة، باتفاق وقف إطلاق النار برعاية أمريكية، وهو اتفاق أجاز عملياً لإسرائيل التحرُّك حيثما تشعر بوجود خطر عليها على كامل الأراضي اللبنانية. ونص على انسحاب إسرائيل من القرى التي احتلتها إلى الحدود، وعلى تفكيك بنية «حزب الله» جنوب الليطاني وتطبيق القرار الدولي 1701 ومندرجاته التي تفرض نزع السلاح غير الشرعي شمال النهر، وضبط الحدود اللبنانية – السورية من ضمن جملة من النقاط التي من شأنها أن تُعزِّز حضور الدولة بقواها الشرعية فقط.
يعلم رئيس الجمهورية أن ثمة التزامات لا بدَّ من أن يُطبِّقها لبنان. جاءت حكومة نواف سلام، الحكومة الأولى في عهده، لتتماهى مع الالتزامات الدولية المطلوب تنفيذها، وفي مقدمها إجراء الإصلاحات السياسية والمالية والاقتصادية، وبسط سلطة الدولة على مقدرات البلاد، واحتكار قرار السلم والحرب.
ليس تفصيلاً أن يُدرج مجلس الوزراء على جدول أعماله بند سلاح «حزب الله». كان هذا في السابق ضربا من الخيال. وليس تفصيلاً أن تستدعي وزارة الخارجية اللبنانية السفير الإيراني بسبب تصريحاته التي تنتقص من الموقف الرسمي بخصوص السلاح. أخذ رئيس الجمهورية بصدره ملف السلاح. تحدَّث عن حوار ثنائي سيجريه مع «الحزب» من أجل التوصل إلى صيغة تنفيذية. يقول «حزب الله» إن الحوار سيكون حول الاستراتيجية الدفاعية قبل أن يكون حول تسليم السلاح. يرفع الحزب السقف بالحديث عن أن «اليد التي ستمتد إلى سلاحه ستُقطع».
بين الجناح السياسي والعسكري
هي قصة إبريق الزيت نفسها. فالمعضلة التي يعيشها لبنان منذ عقود ولا سيما في العقدين الأخيرين، تنطلق من معادلة أنه لا يمكن بناء الدولة بوجود «حزب الله» ولا يمكن بناؤها من دونه. لا تزال المعادلة قائمة رغم هزيمة الحزب العسكرية، فهذه الهزيمة جرت في مواجهة إسرائيل، لكنه لا يزال يملك عدة وعديدا، ويعلن أنه انتهى من ترميم هيكليته العسكرية التي خسرها في الحرب الإسرائيلية عليه، ويقول أمينه العام الشيخ نعيم قاسم انهم خسروا طريق الإمداد من سوريا لكن ذلك لا يعني عدم وجود بدائل لديهم!
يُصعِّد «حزب الله» في وجه الدولة، ويسألها أين هي من حماية الجنوب من الاعتداءات التي تمارسها إسرائيل يومياً؟ إسرائيل تُعلن من جهتها أنها تستهدف كوادر «الحزب» الذين يحاولون إعادة التحرُّك جنوب الليطاني. تقصف منازل جاهزة جلبها الحزب إلى القرى الأمامية تحت غطاء إنساني. صحيح أنه سلَّم مواقع ومخازن له في منطقة الـ1701، لكن اللجنة الخماسية المعنية بتنفيذ الاتفاق تعلم جيداً، كما تعلم أجهزة الدولة العسكرية والأمنية والسلطات السياسية، أن الحزب لم يُسلِّم كل شيء، ولن يُسلِّم البنى التحتية العسكرية والمخازن التي لم تكتشفها إسرائيل.
لا ثقة بإسرائيل، ولكن أيضاً لا ثقة بـ«حزب الله». انتظاره لإعلان أنه أضحى تنظيماً سياسياً خالصاً وحل جناحه العسكري سيطول لأنه كيان واحد، لا ينفصل شقه السياسي عن العسكري، حتى ولو سعت الدول الأوروبية، في يوم من الأيام، وللحفاظ على مصالحها مع إيران، إلى التمييز بين جناحه السياسي وجناحه العسكري. سيستمر «الحزب» في المناورة، وكان آخرها أنه ربط السلاح بالإعمار، فيما الإعمار مرتبط بتسليم السلاح، فلا مساعدات ستأتي من الخارج طالما هناك سلاح بيد الحزب. سيبقى الأمر على هذا المنوال إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المفاوضات الإيرانية – الأمريكية. بالأمس، خرج زعيم حركة «أمل» رئيس السلطة التشريعية نبيه بري ليعلن في كلام لموقع إعلامي «إننا لن نُسلِّم السلاح الآن قبل تنفيذ الشروط المطلوبة من إسرائيل»، كلام يلاقي، إلى حد كبير، موقف «حزب الله» في تصعيده الراهن لزوم الحاجة إلى تسكين البيئة الحاضنة، وإلى التأكيد على أن إيران ما زالت تملك أوراق قوة في لبنان.
بدأت المفاوضات بين واشنطن وطهران حول الملف النووي، بفرص متساوية بين النجاح والفشل. في رأي المراقبين أن سلاح «حزب الله» لن يبقى في كلتا الحالتين. ليست إيران في موقع قوي كي تفرض شروطها بشأن أذرعها، ولا إسرائيل ستقبل بأن يبقى هناك تهديد عليها من الجبهة الشمالية سواء أكان من لبنان أم من سوريا. ستتولى استكمال مهمة إنهاء سلاح «حزب الله» بالقوة إذا لم يتم التوصل دبلوماسياً أو سياسياً إلى تسليمه طواعية، أو على أقل تقدير، ستستمر في استهدافه وإضعافه. سينعكس تمرير إيران قطوع المفاوضات على أذرعها، لا سيما في لبنان. فإذا نجحت في التوصل إلى اتفاق كبير مع أمريكا، فستعمل هي على إنهاء ملف سلاح الحزب في لبنان، وتفكيك ما تبقى لديه من أسلحة دقيقة أو استراتيجية.
لبنان الرسمي، وعلى لسان رئيس الجمهورية، تحدَّث عن أن هذه السنة هي سنة إنهاء مسألة السلاح، لكنه في كل مناسبة يسعى إلى التأكيد على أنه سيحصل بالحُسنى. فالمخاوف لدى المراقبين من أن يتم الضغط على السلطة الرسمية للإقدام على تنفيذ الخطوة بالقوة، ما يعني تصادماً بين الجيش و«الحزب». وهو أمر سيُعرِّض السلم الأهلي للخطر، خصوصاً أن الطائفة الشيعية خرجت من الحرب منكوبة في الأرواح والأرزاق والممتلكات وفي المعنويات بعد وَهْم «القوة» الذي عاشته، وفائض القوة التي شعرت به خلال العقود الماضية بفعل السلاح الذي احتكره الحزب تحت شعار «المقاومة».
حصرية السلاح
حصرية السلاح شرط أساسي لقيام الدولة. ولكن لا يقتصر الأمر على ذلك فقط. المطلوب من لبنان تنفيذ ما التزم به من إصلاحات مالية واقتصادية وإدارية وسياسية قبل سنوات بعيدة، وعند كل مأزق، من دون أن يُقدم ترجمتها إلى أفعال. بقيت الوعود ومحاولات التذاكي إلى أن انهارت البلاد على المستويات كافة، وحصلت سرقة العصر لأموال المودعين في المصارف وتمَّ إفقار اللبنانيين، وهي حال لا تزال مستمرة للسنة السادسة.
تعهدت حكومة نواف سلام بالقيام بالإجراءات والتدابير المطلوبة للإصلاح. تعلم علم اليقين أنها لا يمكن أن تكسب ثقة المجتمع الدولي والجهات المانحة من دون المباشرة بالإصلاحات المطلوبة. اللائحة طويلة، والباكورة كانت في إقرار مشروع تعديل قانون السرية المصرفية لجهة الحد منها، ومشروع إعادة هيكلة المصارف.
وفيما كان وفد لبنان في واشنطن يشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كان مجلس النواب يُقرُّ في جلسة تشريعية التعديلات المطلوبة في قانون السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف التي تُجيز رفع السرية المصرفية بمفعول رجعي لعشر سنوات. وستوفِّر هذه الصيغة لمصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف الصلاحية لكشف أرصدة زبائن محددين في البنوك مع المعلومات المتعلقة بهم. يعود مطلب رفع السرية المصرفية إلى صندوق النقد الدولي، كونه أداة لمكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي. وقد شهد إقرار التعديلات على قانون السرية المصرفية لجزء من الإصلاحات الاقتصادية اللبنانية في قطاعه المصرفي والمالي إشادة دولية من نائبة المبعوث الرئيس الأمريكي مورغان أورتاغوس، ومن ممثلي الدبلوماسية الفرنسية والبريطانية في لبنان. وأكد السفير الفرنسي أن إعادة الثقة في القطاع المصرفي تمرّ أيضاً عبر إقرار مجلس النواب مشروع القانون حول إصلاح القطاع المصرفي في المرحلة التالية. فمسألة تجفيف مصادر تمويل المنظمات الإرهابية، والقضاء على تبييض الأموال وعلى اقتصاد «الكاش» هي شرط أساسي للحصول على دعم مالي واقتصادي من الجهات المانحة التي تعتبر أن الممر لذلك هو التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، الأمر الذي ماطلت به الحكومات السابقة نظراً إلى رفض تحالف مصالح الميليشيا مع المافيا السياسية والمالية والاقتصادية المتحكمة بالبلاد، والمستفيدة على حساب المصلحة العامة ومصلحة الشعب.
في هذا الإطار، تبرز جمعية «القرض الحسن» الذراع المالية لـ«الحزب»، الخارجة عن المراقبة والشفافية المطلوبة، والمركز الرئيسي لعمليات تبييض الأموال. سيكون «القرض الحسن» الذي بات أقوى من البنوك في عين العاصفة، ولن يقوى لبنان على مواجهة المطلب الدولي بإقفاله. استهدفت إسرائيل فروع هذه الجمعية المالية في بيروت والجنوب والبقاع، وسيقع على عاتق السلطات المالية إنهاء هذا «المزراب»، ولا سيما أن لبنان مدرج على اللائحة الرمادية. هناك قوانين إصلاحية أساسية أخرى مطلوبة لتحقيق معايير مجموعة العمل المالي (غافي – فاتف)، وفي مقدمها تعزير استقلالية القضاء، وتطبيق وزارتَي العدل والداخلية اللبنانيتين والشرطة القضائية القوانين بالصرامة المطلوبة منهم. ليست المشكلة فقط في عملية سن القوانين بقدر ما هي متعلقة بتطبيقها أيضاً.
ملف تفجير المرفأ
وبعد، هل كان ممكناً للمحقق العدلي في ملف تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار أن يستكمل تحقيقاته لولا حصول تحولات في لبنان؟ استدعى البيطار في الأيام الماضية مسؤولين سياسيين وأمنيين. ذهبوا إلى جلسات الاستماع من دون ضجة واعتراض، كما كان يحصل سابقاً. هو مؤشر إيجابي على أن تصحيح المسار قد بدأ. الطريق طويل من دون شك، لكن هناك حاجة إلى استعادة الثقة بالدولة اللبنانية من قبل أبنائها أولاً ومن الخارج ثانياً. العدالة الناقصة واللاعدالة لا تصنع دولاً. وجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية يحتاج إلى قضاء نزيه، وإلى آليات شفَّافة في المراقبة، وإلى بيئة آمنة.
على أن الإصلاح السياسي يبقى هو الطريق الذي يؤدي إلى نجاح كل الإصلاحات. إصلاح سياسي يضمن الشفافية والمساءلة ويؤدي إلى إدارة حكيمة للدولة، ويخفف من منطق الزبائنية والمحسوبيات، ويعمل على إعادة الاعتبار إلى الدستور وبنوده وروحيته. والإصلاح السياسي يبدأ أولاً وأخيراً من قانون الانتخابات النيابية الذي من شأنه أن يُؤسِّس لطبقة سياسية جديدة، وهو أمر لا يمكن أن يستقيم إذا كان السلاح موجوداً. إصلاح قانون الانتخابات، التي يُفترض أن تُجرى في ربيع 2026، هي الامتحان الأصعب للبنان وللقوى السياسية الراهنة التي ستقاوم بشدة الإتيان بقانون قد يحدُّ من نفوذها. لكن الرهان هو على قوة الدفع الدولي ولا سيما الأمريكي التي أنجزت بالعصا والجزرة ما كان مستحيلاً إنجازه قبل أشهر قليلة.
التحديات كبيرة والفرصة التي تُمنح للبنان قد لا تتكرر، لكن السؤال الصعب على الدوام يكمن في ما إذا كان اللبنانيون سيلتقطون الفرصة الراهنة أم سيُضيِّعونها كما حصل أكثر من مرة؟