بين شجاعة البابا في شجب الفظاعة في غزة ونفاق الغرب وتواطؤه بجريمة التطهير العرقي للفلسطينيين

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

في جنازته الحافلة، يوم السبت التي شهدتها حاضرة الفاتيكان، معقل الكنيسة الكاثوليكية في العالم للبابا فرنسيس (1936 – 2025) الذي جلس لمدة 12 عاما على مقعد القديس بطرس، اجتمع الفقراء والملوك ليحتفوا بحياة رجل دين مسيحي، حاول خلال بابويته إعادة الكنيسة إلى الفقراء ومحاربة البذخ والأبهة التي أحاط أسلافه من البابوات أنفسهم بها، فقد كرس البابا القادم من الأرجنتين نفسه للفقراء والإنسانية وإصلاح الكنيسة من الفساد ومعالجة مشكلة الانتهاكات الجنسية والوقوف مع المحرومين في العالم ومنح من لا صوت لهم صوتا على المسرح الدولي.
وقد قيل الكثير في مديح البابا وتعاطفه مع اللاجئين والمهاجرين الذين دفعتهم الحروب والكوارث إلى حدود أوروبا أو الدول الغنية. لكن وفاة البابا كشفت في صورة أخرى عن موجة النفاق العالمي وخاصة بين الطبقة السياسية الحاكمة في الغرب والتي صممت على استمرار الإبادة في غزة التي أولاها عنايته ودعا إلى وقف الحرب وتحقيق العدالة للفلسطينيين. ووجه النفاق الغربي نابع من أن الساسة والإعلام الذين احتفوا بالبابا الثوري والإنسان، تواطؤا وغرقوا في الشرور التي أدانها.
وكما أشار الكاتب أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (22/4/2025)، فإن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي حرم العديد من المتقاعدين الضعفاء من دفعات وقود الشتاء قبل شن هجوم على إعانات الإعاقة، والذي من المتوقع أن يدفع ما يصل إلى 400.000 بريطاني إلى براثن الفقر تحدث قائلا: «كان فرنسيس بابا الفقراء والمهمشين والمنسيين». وكتب جو بايدن الذي مهد الطريق للهجوم الإسرائيلي الإبادي على غزة: «لقد روج، لإنهاء المعاناة في جميع أنحاء العالم».
ويعلق أوينز أن مصير غزة شغل البابا طوال سنواته الأخيرة. ففي خطابه الأخير بمناسبة عيد الفصح، أدان «الموت والدمار» وما نتج عنه من «وضع إنساني مأساوي ومؤسف»، وهي عظة مؤثرة لم تغطها أي وسيلة إعلام غربية تقريبا. بل ستجد صعوبة في العثور على تغطية بارزة لأي من تصريحاته الشجاعة بشأن غزة، مثل: «هذه ليست حربا. هذا إرهاب». وفي آخر مقال نشر له، جدد البابا دعمه للدولة الفلسطينية، معلنا: «صنع السلام يتطلب شجاعة، أكثر بكثير من الحرب». وأشار ستارمر إلى عمل البابا فرنسيس مع «المسيحيين حول العالم الذين يواجهون الحرب والمجاعة والاضطهاد والفقر». ومع ذلك، لم يشر إلى كيفية اتصال البابا بالكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة يوميا لتقديم التضامن والصلاة – أو إلى خوفه المحق على مجتمع مسيحي يواجه خطر الإبادة بعد أن عاش في غزة لأكثر من 1.600 عام.

الإسلاموفوبيا

ويرى أوينز أن الإسلاموفوبيا لعبت دورا محوريا في تجريد الحياة الفلسطينية من أي قيمة أو معنى. لكن هذا التجريد من الإنسانية يتجاوز الدين أيضا، لأنه لم يكن هناك غضب غربي يذكر إزاء الهجوم الإسرائيلي على كنيسة القديس برفيريوس في غزة أو الغارة الأخيرة على المستشفى المعمداني الأهلي العربي الأنجليكاني، أو مذبحة العديد من المسيحيين، من بينهم الأم المسنة وابنتها اللتان قتلتا برصاص قناص إسرائيلي في كنيسة العائلة المقدسة عشية عيد الميلاد عام 2023. وكانت تلك هي الكنيسة التي كان البابا يتصل بها كل يوم، وقد تعرضت مدرستها لهجوم من قبل الجيش الإسرائيلي في تموز/يوليو الماضي.

الموت والدمار

ويشمل «الموت والدمار» الذي استنكره البابا القنابل التي أمطرت غزة من طائرات إف-35 وتزودها بريطانيا بمكوناتها الأساسية. في كتابه الأخير، أشار البابا إلى أنه «وفقا لبعض الخبراء، فإن ما يحدث في غزة له سمات الإبادة الجماعية». ولكن الحكومة البريطانية ترفض وصف أي فعل فاحش إسرائيلي بأنه «جريمة حرب»، بل وتدخل مكتب رئاسة الوزراء لتعنيف وزير الخارجية ديفيد لامي لمجرد قوله إن إسرائيل انتهكت القانون الدولي.
وفي المقابل، عادة ما يختصر الساسة الانتهازيون حياة الساسة والرجال المحترمين في العالم وسيرهم الخيرة، بكلام مبتذل لا معنى له.
وهو ما حصل مع المقاتل والسياسي من جنوب أفريقيا، نيلسون مانديلا الذي قال عبارته الشهيرة: «نعلم جيدا أن حريتنا غير مكتملة بدون حرية الفلسطينيين». وكانت السياسية الأمريكية اليمينية المتطرفة مارغوري تايلور غرين، صادقة، في إشارة ظاهرية إلى البابا: «شهدنا اليوم تحولات كبيرة في القيادات العالمية. الشر يهزم بيد الله». مع أنها لم تحترم ولا الساسة معها جوهر معتقدات البابا ومواقفه الشجاعة والاكتفاء باختصار حياته بعبارات مبتذلة عامة، لأن أهمية البابا نابعة من وقوفه مع العدالة والحرية التي تتعرض اليوم في الغرب إلى اعتداء شديد وأشد مما تعرضت له في زمن المكارثية في خمسينات القرن الماضي، حيث يحرم من يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية من منابرهم ويهددون ويفصلون من وظائفهم ويطردون من الجامعات ويعتدى عليهم من ضباط الشرطة ويعتقلون ويسجنون، بل ويواجهون الآن الترحيل من دول مثل ألمانيا والولايات المتحدة.
وفي هذه البيئة، كان البابا فرنسيس استثناء بارزا للقاعدة، ولا يمكن إلغاؤه. بل سعت النخب السياسية والإعلامية إلى تلميع سجله في الموت كما في الحياة، وهو ركيزة أخرى من ركائز استراتيجية القضاء على التدقيق والمساءلة عن هذه الجريمة ذات الأبعاد التاريخية. وفي النهاية، فقد كان البابا إنسانا غير معصوم في نظر غير أتباعه، وبالضرورة كانت حياته تحتوي على تناقضات، بل وسعت صحف من اليمين للتقليل من أهمية صوته السياسي واتهمته صحيفة «التايمز» (21/4/2025) حيث أكدت على أن الحفاوة به نابعة من إنسانيته وليس من مواقفه السياسية، وخاصة في غزة وأوكرانيا، حيث اتهمته بأنه لم يفهم جذور الحربين. وتناست ان ما يهم في حياة ومواقف البابا هي الشجاعة، وكان جريئا بما فيه الكفاية ليدين جريمة ضخمة تحدث أمام أعيننا. وسيسجل التاريخ أن هذا البابا اتخذ موقفا ضد إحدى أهوال عصرنا العظيمة.

نتنياهو المتأخر بالعزاء

ولهذا السبب شجبته إسرائيل وتأخر رئيس وزرائها عن التعزية لأيام والتي قدمها قبل يوم من جنازته، فهو منخرط في القتل والتدمير والحرمان الذي عارضه البابا في غزة. ويواصل حرمان السكان وتجويعهم ومنع الطعام والماء والدواء عنهم، فلم يبق في غزة ما يمكن أن يوصف بأنه مؤسسة صحية عاملة. وبدا ما يحدث في غزة بأنه شيء عادي لا يحتاج إلى الشجب أو الضغط على إسرائيل وجيشها، مع أن إسرائيل حولت غزة إلى حقل موت بكلام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش، وتعيد احتلال المواقع القديمة وتستحدث مواقع جديدة تحضيرا لاحتلال طويل الأمد. ويقول جوشوا ليفير بمقال نشرته مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (24/4/2025) إن إسرائيل أعادت إلغاء خروجها الأحادي الجانب من غزة عام 2005. وستكون الخطوة المقبلة للتدمير الإسرائيلي لغزة تحقيق ما يريده المتشددون في إسرائيل، أي العودة إلى سياق ما قبل فك الارتباط واحتلال غزة وفرض الحصار الكامل عليها.
في عدد لا يحصى من مقاطع الفيديو المروعة التي تم تحميلها على وسائل التواصل الاجتماعي، يقف الجنود وسط الأنقاض التي أحدثوها ويدعون إلى «العودة إلى غوش قطيف» (الكتلة الرئيسية للمستوطنات الإسرائيلية في غزة، التي تم إخلاؤها وهدمها في عام 2005)، ويزرعون الأعلام البرتقالية للحركة المناهضة للانفصال، أو يدقون التمائم أو «الميزوزة» التي تحتوي على آيات من التوراة على الأبواب المحترقة للمنازل الفلسطينية المدمرة..
وقال مسؤولون إسرائيليون من حزب الليكود بزعامة نتنياهو وأحزاب يمينية أخرى في الائتلاف صراحة إن إسرائيل يجب أن «تحكم» غزة في نهاية الحرب، ويبدو أن هذه الرؤية قيد التنفيذ الآن.
فقد أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس الأسبوع الماضي أن العملية العسكرية الموسعة تهدف إلى «الاستيلاء على أراضٍ واسعة ستضاف إلى المناطق الأمنية لدولة إسرائيل». وقد التزم كبار المسؤولين الإسرائيليين، ومن بينهم نتنياهو، في الوقت نفسه بهدف آخر: الطرد الجماعي لسكان غزة.
وفي وقت سابق من شهر آذار/مارس، أفادت شبكة «سي بي إس» الأمريكية أن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين تواصلوا مع حكومات السودان والصومال وسوريا لقبول الفلسطينيين المطرودين من القطاع، (لم يتلقوا أي ردود إيجابية). وكلف نتنياهو الموساد بإيجاد دولة مستعدة للقيام بذلك. في أوائل نيسان/أبريل، أطلع مسؤول حكومي كبير الصحافيين الذين كانوا رافقوا نتنياهو إلى المجر على أن إسرائيل تجري محادثات مع دول متعددة لاستقبال الفلسطينيين النازحين من غزة. وزعم المسؤول أن العديد منها أبدت اهتماما بالتعاون مع إسرائيل في هذا المسعى. وقال المسؤول: «إنهم يريدون شيئا في المقابل، ليس بالضرورة المال، بل شيئا استراتيجيا أيضا».
ونقل الكاتب عن أصاف ديفيد منبر التفكير الإقليمي الإسرائيلي قوله: «أعتقد ان ما ستسمح به إدارة ترامب لإسرائيل بعمله فستعمله» و«لو سمحوا لإسرائيل بوضع الفلسطينيين في حافلات بمئات الألاف ودفعهم خارج غزة، فستفعل هذا، فلا قيد أخلاقيا عليها».
ويرى ليفير أن المعوقات القليلة أمام إعادة احتلال إسرائيل للقطاع زالت. فلم تعد تواجه قيودا أو خطوطا حمراء من إدارة ترامب التي خرقت كل محرماتها. وفي الوقت الذي عارضت فيه إدارة بايدن احتلال القطاع الذي خرجت منه في عام 2005، اقترح ترامب إمكانية السيطرة على القطاع وتحويله إلى شقق سكنية بدون سكانه. ويتفق ومبعوثه الخاص للمنطقة ستيف ويتكوف مع موقف إسرائيل حول ضرورة تدمير حماس أو دفع الرشوة لمقاتليها كي يغادروا غزة. وقال ويتكوف لقناة فوكس «سياستنا هي أن حماس لا تستطيع البقاء هنا». وقال رئيس هيئة أركانه الجديد إيال زامير إن «2025» سيكون «عام الحرب»، ويخطط لعملية عسكرية تشترك فيها خمسة ألوية عسكرية ويتم من خلالها السيطرة على كامل القطاع. وقد عارض يواف غالانت وزير الدفاع السابق وحرزي هاليفي الخطة لأنها ستؤدي لمقتل العديد من الجنود.
وبتعيين زامير، فقد تخلص نتنياهو من المعارضة. وفي الوقت نفسه تواصل جماعات المستوطنين أو يطلق عليها «نتشالا» الضغط من أجل العودة للاستيطان في القطاع. وفي آب/أغسطس الماضي تم إلغاء قانون فك الارتباط الذي أزال المستوطنات اليهودية من غزة ومنع الإسرائيليين من الاستيطان هناك. ويرى العديد من أعضاء الائتلاف أن بناء مستوطنات يهودية جديدة في غزة هو تتويج لرؤيتهم الأخروية: غزو إسرائيل الكبرى كمقدمة لظهور العصر المسياني الذي يشكل إعادة الاحتلال والطرد الجماعي مراحل تمهيدية له.
ومع أن الاستيطان في غزة لا يزال غير عملي، حيث منع الجيش المستوطنين من اجتياز جدار الفصل مع القطاع، ولو استطاعوا إقامة بؤر استيطانية مستغلين وجود القوات الإسرائيلية هناك، فستظهر بذور حركة استيطان كما حدث في الضفة الغربية. إلا أن حكومة نتنياهو تقوم بوضع الأسس الإدارية والعسكرية والنفسية للطرد الجماعي.

الحرب المقدسة

وفي 23 آذار/مارس الماضي، وافق مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي على إنشاء «مكتب الهجرة الطوعية لسكان غزة الراغبين في الانتقال إلى دول ثالثة»، وهو اسم مضلل غريب للوكالة المكلفة بالتحضير للتطهير العرقي في القطاع وتنفيذه. ويقال إنَّ من أبرز المُرشحين لرئاسة الوكالة العميد المتقاعد عوفر وينتر، وهو نجم صاعد في اليمين القومي الديني، والذي أثار غضبا واسعا عام 2014 برسالة رسمية إلى قادته وصف فيها الهجوم الإسرائيلي على غزة في ذلك الصيف بأنه «حرب مقدسة» ضد «العدو الإرهابي الغزاوي الذي يسيء إلى إله إسرائيل ويجدف عليه ويلعنه».
ومع ذلك يعتم تنفيذ نتنياهو لالتزامه اللفظي بتهجير الفلسطينيين من غزة بشكل جماعي على قدرة إسرائيل إقناع أي دولة أخرى بالمشاركة في هذه الفظائع. وقد يتوقف الأمر أيضا على نوع الدعم الذي يحظى به من البيت الأبيض. فرغم حماس ترامب المتكرر للفكرة، يبدو أنها لا تحظى بإجماع واسع داخل إدارته.
وبدا ترامب غير متحمس للفكرة عندما قال في لقاء مع رئيس وزراء أيرلندا مايكل مارتن منتصف الشهر الماضي «لا أحد يريد طرد أي فلسطيني»، ويقول مايكل ميلشتين، الذي ترأس وحدة الفلسطينيين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن خطة ترامب «ليست واقعية» و «لا دولة عبرت عن استعداد» للتعاون.

رأي عام مع التطهير العرقي

ويعتقد ليفير أن تكرار نتنياهو لفكرة الطرد هي مجرد حرب نفسية ولا تعبر عن سياسة حقيقية. فهو وحكومته يعتقدون جديا أنه وبعد العقاب الجماعي القاسي، فأهل غزة سيتحدون ضد حماس ويخرجونها من السلطة. لكن الفكرة تحظى بدعم من الرأي العام في إسرائيل. ويعتقد الإسرائيليون أن أكثر من مليوني فلسطيني سيخرجون «طوعا» بعد الإفراج عن كل الأسرى لدى حماس. وقال ميلشتين: «هناك تقارير مضللة في إسرائيل عن رحيل الفلسطينيين. إنها أخبار كاذبة نوعا ما».
وفي المقابل، تظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن الإسرائيليين يفضلون عدم العودة إلى الصراع النشط، وبالتالي إلى مكافحة التمرد طويلة الأمد، وهو ما شرعت به إسرائيل عمليا. وطالما زاد الحديث عن طرد الفلسطينيين، زاد الوضع قتامة مع التغييرات التي تجريها إسرائيل على الأرض، من تغزيز معبر نتساريم وإضافة معبر آخر له اسمه «موراغ»، لكن هناك محدودية لما يمكن لإسرائيل عمله في غزة. بعد أكثر من عام ونصف من الانتشار المكثف، ليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل تستطيع حشد عدد جنود الاحتياط الذين ستحتاجهم لاحتلال واسع النطاق. وقال ميلشتين: «ليس لدى الجيش القوة اللازمة لحرب طويلة الأمد. هناك المزيد والمزيد من جنود الاحتياط الذين يقولون إنهم غير مستعدين للانضمام إلى هذه الحرب، والذين لا يفهمون الغرض من هذه الحرب». في إشارة متأخرة إلى تصاعد السخط، وقع حوالي 970 من جنود الاحتياط في الخدمة الفعلية والأفراد المتقاعدين في القوات الجوية في 10 نيسان/أبريل على رسالة تدعو إلى وقف إطلاق النار وتدين استمرار الحرب، والتي «ستؤدي إلى مقتل الرهائن والجنود والمدنيين الأبرياء». وتبع ذلك رسائل إضافية من جنود الاحتياط في المخابرات العسكرية والهيئات الطبية والموساد منذ ذلك الحين. وأبلغت العديد من الوحدات عن انخفاض يصل إلى 30في المئة في معدلات التطوع، حتى أن البعض لجأ إلى نشر إعلانات تجنيد على مواقع التواصل الاجتماعي. وهناك ظاهرة أخرى متزايدة، ولم تظهر منذ هجمات حماس نهاية 2023، وتسمى «سارفانوت أفورا»، أو «الرفض الرمادي»، أي توقف جنود الاحتياط عن التطوع ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضا بسبب ضغوط شخصية ومالية ونفسية. كما أن أكثر من عامين من الاحتجاج المستمر على هجمات حكومة نتنياهو على القضاء ونظام الحكم في البلاد قد ساهم في تطبيع دعوات العصيان المدني بين عامة الجمهور العلماني والليبرالي.

احتلال الضفة في غزة

ومن المرجح ألا يحتاج الجيش الإسرائيلي إلى إصدار أمر تجنيد شامل جديد لدعم، بل وحتى تكثيف، حملة مكافحة التمرد الدموية والطاحنة الجارية حاليا. فقبل عشرين عاما، حافظت إسرائيل على حكم عسكري وحشي على غزة كما تفعل اليوم في الضفة الغربية؛ ويبدو أن كبار قادة الجيش يعتقدون أن بإمكانهم استعادة نمط مماثل من السيطرة من خلال مزيج من القصف الجوي والتوغلات البرية والتهجير الداخلي المتكرر بلا رحمة لسكان القطاع، حتى مع وجود قدر معين من المعارضة في صفوف جنود الاحتياط. وستطبق الآن أساليب إدارة الاحتلال المتطورة، التي صقلت على مدى العقدين الماضيين في الضفة الغربية، على غزة المنهكة والجائعة والمدمرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية