تلعب الجوائز الأدبية دورا حيويا في عالم الكتابة اليوم؛ فهي تكليل للجهود وتقدير للأعمال وتثمين للإبداع. لكنّ إعلان نتائجها كثيرا ما يثير الجدل بسبب ذائقة حُكّامها، ونسبيّة أحكامها، وغموض معاييرها. فالأذواق تختلف من حكم إلى آخر، ومفاهيم مثل «الجدارة الأدبية» تحتمل أكثر من تأويل ـ فما يُثير اهتمام عضو قد لا يعني شيئا لآخر. وتتأثر القرارات بعوامل خارجية كالظروف السياسية، والخلفيات الثقافية، وتأثيرات الهوية، والانتماءات الوطنية، والعلاقات الشخصية.
في هذا السياق، يلوح فجر عهد جديد هذا العام مع إطلاق أول جائزة أدبية مدعومة بالذكاء الاصطناعي ـ «ماي بولتزر» ـ مفجِّرة ثورة في تقييم الأدب، معتمدة على تحليل بيانات دقيقة، بدلا من ذائقة فردية وانطباعات شخصية. يتمّ ذلك باستخدام نظام تنقيط يُفكّك الأعمال الأدبية إلى عناصر قابلة للقياس.
وقد أثبتت تقنية «كوانتيفكشن أيريس»، التي طوّرها تيمو بوزسوليك توريس، أن بالإمكان تقييم الأعمال الأدبية علميا وبدقة، في ثوانٍ، دون تدخل ذاتي. فما المعايير التي يعتمدها التحكيم الأدبي التقليدي عادة؟ ولماذا غالبا ما تعجز عن تقديم نتائج منصفة؟ وهل بوسع العلوم والتكنولوجيا أن تعيد رسم ملامح تقييم الإبداع الأدبي؟
البنية السردية والثيمات
يُقيّم الحكّام البنية السردية من خلال فحص هيكل القصة، وترابط أحداثها، وتفاعل عناصرها مثل الحبكة، وتدفق السرد، والانتقالات السلسة بين الأزمنة والفصول. وقد وصفت الروائية والناقدة، وعضو الأكاديمية السويدية إيلين ماتسون، هذا العنصر بقولها في مقابلة: «تطور يستمر عبر الكتب جميعها»، في إشارة إلى أهمية البنية السردية في كل أجزاء الرواية. ومع ذلك، فإن أعضاء لجان التحكيم بشر ـ لهم ذائقة أدبية خاصة، وتتأثر آراؤُهم بتجاربهم الشخصية، ما يسهم في تشكيل تصوّراتهم حول ما يُعدّ بنية سردية مُقنعة. هذا ما يُفسر تنوّع الآراء واختلاف التقييمات، بل قد يؤدي أحيانا إلى إساءة فهم الأعمال التي تنطوي على بُنى سردية معقدة. ونتيجة لذلك، قد يُهمّش عمل إبداعي رفيع المستوى أو يُقصى من التتويج، رغم أنه قد يكون الأجدر بالفوز لمجرد سوء فهم. وتبرز الثيمة كعنصر جوهري يُضفي على الرواية معناها الأعمق، إذ إنها تمثل الأفكار أو القضايا الأساسية التي تشكّل البنية الدلالية للعمل – تمنحه بعدا فلسفيا أو إنسانيا يتجاوز السرد الظاهري للأحداث والشخصيات.
ينظر الحُكّام عادة في كيفية تطوّر هذه الثيمات، من خلال الشخصيات والحبكة والمكان، وما إذا كان النص يعرض رؤى وتصورات جديدة، أو معالجة مبتكرة للثيمات التي يتناولها. ومع ذلك، يظل خطر التحيّز قائما؛ فقد يُفضّل بعض الحكّام الأعمال التي تنسجم مع خلفياتهم الثقافية، أو معتقداتهم الشخصية، ما قد يؤدي إلى إساءة فهم الأعمال المتجذّرة في سياقات ثقافية مختلفة، أو التقليل من شأنها، لاسيما عندما تكون خارج نطاق معارفهم أو تجاربهم.
اللغة والأصالة
عندما سُئلت عن المعايير التي تعتمدها في اختيار الحائزين على جائزة نوبل، ردت ماتسون، «الأمر كله يتعلق بالجودة. الجودة الأدبية بالطبع. الفائز يجب أن يكون كاتبا متميزا». فما هي يا ترى صفات الأديب المتميّز هذا؟ من ميزاته امتلاكه الأسلوب الرفيع واستخدامه المبتكر للمحسنات البديعية من استعارة، وتشبيه، وصور بلاغية، وتجسيد، وجناس، وتنبؤ، وسخرية، ورمزية، ومبالغة، وغيرها من التقنيات الفنية التي تضفي على النص عمقا وجمالا. لكن، على عكس روبوتات الذكاء الاصطناعي التي تملك معرفة واسعة، قد يجد الحكام البشريون صعوبة في اكتشاف هذه الوسائل بل حتى في فهمها والتمييز بينها. وقد لا يتقنوا اللغة وقواعدها، وهو ما يعاني منه حتى المدرسون المختصون في قواعد اللغة. فقد نقلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن فيليبس رئيسة مدرسة سانت كاترين في مقاطعة سري، قولها: «العديد من ألمع معلمينا وأكثرهم حماسا لا يملكون إلا القليل من المعرفة باللغة الإنكليزية أو القواعد، وقد لا يملكونها على الإطلاق».
ومن متطلبات مسابقات الجوائز الأدبية الأصالة بأن تمتلك المؤلفات المرشحة، أساليب سردية مبتكرة تنفرد بها عن غيرها، إلا أن تقييم الأصالة قد يُمثّل تحديا عظيما وقد يتعسّر على الحكام تبيّن الأساليب المخادعة والتاريخ شاهد على ذلك. ففي عام 1995، فازت هيلين ديميدنكو بجائزة مايلز فرانكلين الأسترالية المرموقة، عن روايتها «اليد التي وقعت على الورقة»، التي تروي قصة عائلة أوكرانية تعاونت مع النازيين أثناء الهولوكوست. ادعت هيلين أنها من أصل أوكراني لإضفاء الأصالة على عملها، واتضح لاحقا أنّ اسمها الحقيقي هو هيلين دارفيل، من أصل بريطاني، ما أثار استنكارا واسعا في الأوساط الأدبية. وأمام عجز الحكام البشر، يملك الذكاء الاصطناعي إمكانيات فريدة لتقييم الأصالة، وكشف المخادعة بفضل قدرته الخارقة على استيعاب كميات هائلة من البيانات فضلا عن قدراته البحثية.
تطوّر الشخصية والتأثير العاطفي
من العناصر الأساسية التي توليها لجانُ الجوائز الأدبية اهتماما بالغا: تطوُّرُ الشخصيات والتأثيرُ العاطفيُّ للنص، باعتبارهما مقياسيْن لصدق التجربة الأدبية وفاعلية السرد. إذ يبحث الحكّام عن شخصيات نابضة بالحياة، تتسم بالواقعية والعمق النفسي، وتتصرف وفقا لسماتها الأساسية. ويُقيّمون ما إذا كانت هذه الشخصيات تمرّ بتحوّلات ذات دلالة عبر مسار الحكاية، بما يعكس تعقيد التجربة الإنسانية وتقلّباتها، ويُتيح للقرّاء فرصة التفاعل الوجداني معها. لكنّ هذه العملية لا تخلو من التحديات، إذ قد تتأثر تصوّرات الحكّام بخلفياتهم الثقافية وتجاربهم الشخصية، ما قد يؤدي إلى إساءة فهم شخصيات تنتمي إلى خلفيات ثقافية مغايرة، والتقليل من شأنها. كما قد يُساء تأويل الشخصيات الغامضة، أو المتأرجحة أخلاقيا، التي يصوغها بعض الكتّاب عن قصد إثارة للتساؤل، على أنها غير متقنة البناء. ويُعدّ التأثير العاطفي للنص امتدادا طبيعيا لتطوّر الشخصيات، وعنصرا تفاعليا يُولّد الحركية الاتصالية بين المؤلف والقارئ. فالنص الأدبي لا ينقل المعنى فحسب، بل يُثير مشاعر مثل التعاطف، الحزن، الفرح، أو الغضب، ما يجعله يُلامس المتلقي على مستوى وجداني عميق. ومع ذلك، تختلف الاستجابات العاطفية باختلاف البشر، وقد يتباين تأثير النص بين حكم وآخر تبعا لذائقته وخبراته. كما أن اختلاف الخلفيات الثقافية قد يُفضي إلى قراءات متباينة للنصوص، بل حتى إلى سوء فهم للأعمال التي تنبع من سياقات غير مألوفة. وفضلا عن ذلك، قد يعجز بعض الحكّام عن التقاط الانفعالات الخفية أو المكبوتة. وهنا تبرز إمكانات أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تتجاوز تحليل اللغة الظاهرة لتكتشف بدقة وموضوعية مواضع الكبت العاطفي أو التخفّي الشعوري، ما يمنحها قدرة إضافية على قراءة العمق العاطفي للنصوص بشكل أكثر اتزانا.
نظام شفاف قائم على النقاط
ومن المعايير التي يصعب تحديدها بدقة الموهبة الفريدة، وهي تلك السمة التي تمنح العمل طابعا استثنائيا، وقد أشارت إليها إيلين ماتسون بقولها: «لكن العالم مليء بالكتاب المتميزين، ويحتاج المرء إلى شيء أكثر للفوز بالجائزة. من الصعب جدا شرح ماهية ذلك. أعتقد أنه شيء يولد به الكاتب. قد يسميه الرومانسيون شرارة إلهية. وبالنسبة لي، صوت أسمعه في الكتابة، أجده في عمل هذا الكاتب تحديدا دون غيره». تُضاف إلى هذه المعايير مقاييس أخرى مثل الإيقاع والتسلسل، حيث يُقيّم توازن تطوّر الأحداث وسرعة السرد بما يتناسب مع طبيعة النص. كما تُؤخذ أحيانا إمكانات السوق بعين الاعتبار، خصوصا في المسابقات التي توازن بين القيمة الأدبية وجاذبية النشر. وانطلاقا من هذه القدرات، يُستحسن إسناد مهمة التحكيم إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات، واكتشاف الأنماط الدقيقة، وتحقيق قدر عالٍ من الحياد والاتساق. فعلى عكس البشر، لا يتعب الذكاء الاصطناعي، ولا تشغله عن مهامه مكالمة هاتفية، أو كتابة رواية، أو مقالة، أو فضول فيما يُنشر في السوشيال ميديا، ولا يتأثر بالتحيزات أو الانطباعات الذاتية، مما يجعله مركزا ومثاليا للتقييم العادل والمنهجي.
ولضمان الشفافية والموضوعية، يمكن اعتماد نظام تحكيم قائم على النقاط، كما فعلت تقنية آيريس كوانتيفيكشن في مسابقة جائزة مايبولتزير التي حظيت فيها روايتي الإنكليزية الأولى غير المنشورة بالوصول إلى القائمة القصيرة. ويُحدّد الفائز بناء على مجموع النقاط المحصّلة، لا على المشاورات بين أعضاء لجان التحكيم التي قد تتأثر بالانطباعات الشخصية والأحكام الذاتية.
تحسين معايير التقييم
يمنح نظام النقاط الجديد الكُتّاب المرشحين فرصة مشاهدة تقارير مفصّلة تُطلعهم على أداء أعمالهم في المسابقة. ويُضفي على المنافسة شفافية حيث يُمكِّن المؤلفين من مقارنة نتائجهم والأعمال الفائزة، وربما حتى إمكانية الطعن مستقبلا، وهي من النقاط التي يوصى بالنظر فيها.
من المعايير التي نوصي بإزالتها معيار «احتمال المبيعات» أو بعبارة أخرى ما يمكن أن يحققه الكتاب من أرباح. يخدم هذا المقاس بشكل أكبر الأسماء المعروفة التي لها شعبية، وقد يدفع الأصوات الجديدة إلى محاكاة الأساليب الشائعة، بدلا من التميز والإبداع، وهو ما يتعارض أساسا مع مطلب الأصالة والابتكار. ومن المقاييس التي يُقترح حذفها أيضا «تحديد الصنف الأدبي» حيث يُطالب المُؤلف بتحديده مسبقا. فالأنواع الأدبية غالبا ما تتداخل. فعلى سبيل المثال، قد تمتزج في سرد ما عناصر من المذكرات والرواية التاريخية. بدلا من معاقبة المؤلف لعدم تأكده من الصنف الأدبي، يُمكن للمسابقات تحديد ذلك خلال ثوان باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويُقترح أيضا الحذر عند تقييم الوتيرة في مسار السرد؛ فإن حافظ المُؤلف على وتيرة ثابتة، ينبغي عدم اعتبار ذلك خللا، فقد تعكس تلك الوتيرة نية فنية متعمّدة، وهو ما نلمسه في رواية «الكآبة I–II» لجون فوس، التي تتسم بإيقاع بطيء يخدم طبيعة الاستبطان وتأمل الحالات الشعورية.
وأخيرا، يُقترح التركيز بشكل أكبر على الأفكار والثيمات والعمق الفلسفي والتأثير العاطفي وتقنيات السرد المبتكرة ودعم القيم المشتركة للبشرية بدلا من مراعاة أعمال سابقة ناجحة أو التركيز على القيمة التجارية.
كاتب جزائري