تغوص رواية «بعض الحب إثم..» للأردني مطر الطوالبة في أعماق النفس البشرية، كاشفة هشاشتها، حين تُداس برغبات الآخرين، وتُسجن داخل تجارب مؤلمة. تقدم الرواية بانوراما سردية معقدة لأبطال مشروخين بين الحب والفقد، الانتقام والخذلان، والانتماء والتشظي. وتتناول الرواية موضوعات كثيرة منها: الحب ليس بوصفه ملاذًا، بل لعنة تستنزف الأرواح، والخيانة التي تظهر في مستويات وأشكال متعددة، واللقطاء ومجهولي النسب، والانتقام الذي كان محركًا مركزيًا للحبكة، وبيع الأعضاء البشرية واستغلال حاجة البعض للمال، والزواج القسري، وغيرها من الموضوعات.
سجون بلا قضبان
لا يقتصر السجن على أماكن بعينها؛ زنازين وعنابر، تحت حراسة مشددة، محاطة بأسوار عالية، وزيارات مقننة، وحرية مسلوبة؛ فالسجن أوسع وأعم من ذلك؛ فأقسى السجون ما نبنيه نحن، ونحبس فيه أنفسنا، من عادات وتقاليد، وسلوكيات قاهرة، ورغبات مسيطرة، وأوهام متحكمة، وظروف صعبة، وغيرها. وكان واضحا للمتأمل في الرواية أن السجن بمعناه الواسع، قدر عدد من الشخصيات، وخاصة حسان وشادي وعصام الشكيك، فكل منهم سجين بشكل ما؛ فعصام سجين ذاكرته ونقمة لم تُشفَ، بالإضافة إلى سجنه الحقيقي، وحسان سجين حبه لامرأة اختارت غيره وبقي متشبثا بها، وشادي سجين الفراغ الوجودي وفقدان الجذور.
سُجن عصام الشكيك وحُكم عليه بالإعدام بتهمة قتل لم يرتكبها، ولكنه قبل ذلك كان سجين رغبة عارمة بالانتقام من أجله ومن أجل أمه وأبيه وأخته الذين ماتوا ظلما، فبدأ ينتقم ويقتل دون رحمة، ومارس النصب والاحتيال. وعلى الرغم من أنه اعترف بجرائمه كلها وأنكر التهمة التي أُلقي القبض عليه من أجلها، لكن لم يصدقه أحد، أو لم يرد أحد أن يصدقه، لما يترتب على تصديقه من تبعات وإعادة فتح ملفات، وما يتبع ذلك من شكوك ومساءلات واتهامات. عصام الشكيك كان في سجنه مرفها كأنه يعيش في قصر منيف، لا ينقصه شيء، كلمته مُطاعة من الجميع؛ سجناء وسجانين، فأمواله كانت البلسم، ومفتاح كل عقدة، كان عصام في سجنه الفيزيائي حرا، وفي حريته المزعومة سجينا وأسيرا.
أما حسان فقد زجَّ بنفسه في سجن حبه لفتاة قلبت له ظهر المجن بعد سنوات من الحب المتبادل، وقبلت الزواج من شاب من الوزن الثقيل ماليا، وبعد أن فشلت خطوبتها، قبلت بشاب آخر، ومع ذلك بقي حسان وفيا لحبها، يحاول بكل السبل التواصل معها والتقرب إليها دون جدوى، ونذر نفسه للاعتكاف قرب بيتها، يعاني ويكابد وحيدا حسراته وآلامه ولوعاته، واستمر على هذه الحال عدة سنوات وهو نزيل سجن حب كان هو السجين والسجان، ولم يجد رحمة، أو رأفة أو حتى لفتة إنسانية وفاء لما قد سلف.
دخل حسان السجن عدة أيام، وكونه أديبا، فقد استولت على اهتمامه الحكايات المتناقلة والمتناسلة عن عصام الشكيك، ومن هنا بدأت حكايته مع عصام، الذي طلب منه أن يدون قصته. واللافت أن السجن كما كان لعصام استراحة وهدنة مع الناس والحياة، فقد كان لحسان فرصة ذهبية للكتابة، واستراحة محارب من صراعه من أجل حب بلا أمل، وهذا يؤكد مقولة «في كل خير شر، وفي كل شر خير».
وكان لافتا في الرواية أن الكاتب عنون الفصول المتعلقة بحسان بعنوان (بعض الحب)، والفصول المتعلقة بعصام بعنوان (إثم)، ومن هذين يتركب عنوان الرواية (بعض الحب إثم..)، وتبع العنوان نقطتان في إيحاء للنهاية المفتوحة ليكملها القارئ كما يشتهي، وربما هي رسالة للقارئ أن يكمل العنوان بما يشاء.
وكانت أكبر مفاجآت الرواية أن شادي، صديق حسان الوحيد، الشاب المثقف اللطيف، والمُنَظِّر الظريف، وصاحب الجولات والخبرات، كان مجهول النسب ولذا؛ كان يعاني سجن الاغتراب الاجتماعي والنفسي، ويتجنب الاختلاط والصداقات؛ حتى لا يضطر للكشف عن حقيقته، ومما يترتب على ذلك من تجنبه ونبذه ورفضه، فكان سجين وحدته وظروفه وغموضه وصمته، ولما حاول أن يهدم جدران سجنه، تعرض للاعتقال والتعذيب، ثم اختار الانتحار حرقا؛ ليتخلص دفعة واحدة من سجن لا طاقة له به. تجسّد شخصية شادي مأساة من وُلدوا في الظلّ، الذين يفتقدون الحنان ومشاعر البنوة والروابط الاجتماعية، يكبرون ويكبر معهم ألف سؤال وسؤال لا إجابات لها، ومما يزيد وجعهم أن المجتمع ينظر إليهم بدونية واحتقار واتهام لا يقبل الشك، فيما هم ضحايا لا ذنب لهم، ولذا؛ فهم ينظرون إلى المجتمع على أنه مجرم بحقهم، لا يشعر بهم وبمعاناتهم، ويدينهم بجريمة لا يد لهم فيها، يقول شادي: «هذا المجتمع متآمرٌ وشريك في الجريمة، يخاف من نتائج التحقيق عندما يُكشف المستور، ورُبَّما يُفضح كثيرون، أما الضحايا فليذهبوا إلى الجحيم».
الحبكة واللغة
حبكة الرواية متقنة، تتداخل فيها مسارات ثلاث شخصيات رئيسية؛ عصام، حسان، شادي. يحمل كلٌّ منها ماضيًا معقدا، يتقاطع مع الآخر بطريقة تدريجية مدروسة. ويُستخدم الاسترجاع (الفلاش باك) بمهارة لعرض الخلفيات النفسية والتاريخية، دون الإخلال بالسرد. هذا التشظي الزمني يمنح الرواية ثراءً وتشويقا. فيما الحبكة مشدودة، تحافظ على توترها، وتُبقي القارئ في حالة ترقّب دائم، ومواصلة القراءة بشغف دون ملل أو تشتت. وفي نهاية الرواية تتكشف مفاجأة درامية صادمة ذات بعد إنساني عميق.
تتميز لغة الرواية بالشاعريّة، وتميل إلى التأمل والوجدانية، لغة فاتنة حزينة، ذات إيقاع داخلي هادئ، مع حضور واضح للصورة الشعرية والانزياحات البلاغية البارعة، ويعتمد الكاتب على تراكيب موجزة، لكنها موحية، مثل: «أنا من الداخل هزيل، مُعلَّق من قلبي، مشنوق أتدلى بحبل فوق جرح سحيق». «جهنم غيابك تحرقني». «الأجواء ملبدة بالإغراء». «أنتِ وجعي المغروز في حلق الحقيقة إلى يوم الدِّين! أنتِ وطنٌ شردَني ضيَّعني قهرني، وأنا محض عراء، انكفاء، اهتراء، أنا وجع أزليٌّ يَئنُّ كلَّ يوم، وأنتِ الشفاء».
وكثير من الجمل تحمل نَفَسا تأمليا فلسفيا، مثل: «أحيانا، تكون الحكمة الحقيقية ليست بما تقوله، بل بما تصمت عنه». «النسيان خيانة للوجع». «هل تعرفين لِمَ يلجأ بعضهم للكتابة بصمت؟ لأنَّهم عجزوا عن إشعال حرب علنيَة أو حتى تغيير صغير على هامش القدر، بمعنى آخر الكتابة ضغط على زناد القلم بعد فوات الأوان، لأشخاص عجزوا عن أن يضغطوا على زناد الحدث في الوقت المناسب؛ فالكتابة ثورة ناعمة على الزمان والظروف، هي طريقة أخرى لوضع النقاط على الحروف؟!». «اللَوعات تعلَّم، مَنْ لا يتألّم لا يتعلَّم». «إنَّ الوطن ليس مكان ولاداتنا، إنَّه المكان الذي نحلم فيه دون خوف، أي أرضٍ لا تتيح لك رسمَ أحلامك كما تريد لا تستحقُّ أن تبيت بها ليلة».
كما تظهر اللغة قدرة مميزة على التعبير عن الألم الداخلي، بلغة تمزج بين الشعر والسرد، كأن السارد يكتب جراحه لا فصولًا من رواية، بل كان القسم الخاص بحسان عبارة عن مونولوج طويل، بوح ذاتي، يكشف دواخله ويعبر عن مشاعره وآلامه ومعاناته وخيباته. أما القسم الخاص بعصام فهو أقرب إلى الاعترافات ومواجهة الذات عندما دنت نهايته.
شاعرية اللغة كانت نقطة قوة للرواية، على خلاف ما يقوله البعض أن الشاعرية لا تناسب الرواية؛ فالأمر ليس قاعدة أو قانونا، بل حسب التوظيف ومتى وكيف؟ وهذه الرواية التي طغى عليها البوح الذاتي، ووصف المشاعر الملتهبة، والمعاناة المريرة لا تصلح بغير لغة شاعرية شفيفة، تغوص في أعماق الشخصيات، وتحلّق بالقارئ إلى أعالي اللغة وبراعة التعبير والتصوير.
وبعد؛ فإن «بعض الحب إثم..»، الصادرة في عمّان عن دار فضاءات عام 2023، رواية عن الحب، لكنها في الوقت ذاته صرخة في وجه القسوة والخذلان، ومرآة تعكس السجون التي يسكنها الإنسان في مجتمعات منغلقة، تتوارث الألم وتدفنه في القلوب. إنها رواية تحاكم بنية المجتمع، وتصرخ بوجع السجين، واليتيم، والعاشق، والفقير، والمظلوم. إنها شهادة على الظلم الذي يتوارثه الأفراد كقدرٍ حتمي. إنها رواية مؤلمة، لكنها صادقة، وجريئة في طرقها لمناطق الظل.
كاتب أردني