باسم الله… نحن الشعب!

حجم الخط
5

المقطع الذي قرر فيه دريد لحام الاتصال بوالده المتوفى، ليحدثه عن حال الأمة العربية في مسرحية «كاسك يا وطن» الشهيرة قبل ثلاثة عقود، لم يشكل سوى محطة فكاهية للبعض، خاصة أن الكثيرين اعتبروا دريد لحام موغلا في التشاؤم والسلبية.
لكن الجميع تفاعل بكثرة مع كل ما قاله حول غياب الديمقراطية وسواد الفقر والضياع وسطوة المؤسسات الأمنية على حياة المواطن العربي.
سلبية غوار الطوشة آنذاك باتت حقيقة المشهد العربي اليوم، خاصة في ساحات الكر والفر التي سكنت شوارعنا وعواصمنا العربية. فحرب الطوائف والملل والمليشيات والعصابات والجيوش النظامية أو بقاياها، باتت سيدة المشهد وبلا منازع. ولو أنا منحنا كل مجموعة أو فصيل أو مليشيا دقيقة من وقتنا لنسمع ما تقول، لوجدنا أنها معظمها يتصرف وكأنه استلم قرارا إلهيا في حروبه وأوكل لنفسه حقا معززا بتمثيل الشعب. فتسمع خطابا ناريا يقدم رؤية الشعب ورغبة الشعب وإرادة الشعب وخيار الشعب ومستقبل الشعب وحرية الشعب.
فالبعض الكثير يمثل الشعب، وينطق بلسان الشعب ويفتي باسم الشعب ويحارب باسم الشعب ويقتل باسم الشعب وينحر باسم الشعب وينهب ويسرق ويبطش ويغتصب ويعربد ويحرق باسم الشعب! مسكين هذا الشعب العربي ومسكينة هي العروبة، ومسكينة هي الأديان ومساكين هم الرسل. فالشعب هو الغائب المشترك الأكبر، والجغرافيا تتفتت وتتباعد وتتقطع، والناس تتناحر وتتصارع في مشهد سريالي كبير يطرح سؤالا مهما: ما هو حال العالم العربي بعد ثلاثة عقود أخرى؟
هل سيبقى للعروبة مكان؟ وهل سيخرج من يوحد ربه؟ ويسلم على الأنبياء؟
ويؤمن بالديمقراطية والحرية والعدالة والعلم والمعرفة؟ هل سيبقى في عالمنا العربي من ينطق بالضاد؟ أم أن حرب الطوائف وصراع المليشيات سيقود إلى تغيير العبارة الموجودة على مدخل كنيست الاحتلال، لتصبح دولة إسرائيل من المحيط إلى الخليج.
وطن يودع دوله وعواصمه ومجتمعاته ونسيجه الاجتماعي ووحدة حاله وتعايش طوائفه، في حرب الجنون المزعومة التي تمولها عواصم ومؤسسات ومجتمعات وأشباح، أجهزت على وحدة الدولة المجزأة، بينما تنتظر عواصم أخرى دورها من الجنون. هذا الحديث المؤلم يعيد للذاكرة طوابير الصباح اليومية التي وقفنا فيها خلال طفولتنا لنهتف للوطن العربي الأكبر وللوحدة وللحرية ولتحرير فلسطين، حتى وصلنا اليوم إلى التمني بتحرير أنفسنا من شوائب الزمن وعثرات السنين القليلة الغابرة.
لقد تبخرت تلك الهتافات وغارت العنتريات والخطب الرنانة، لتستبدل بعنــــتريات جديدة وأحلام ضيقة بالغلبة والسيطرة والجهــــاد باسم الشعب. الشعب المغلوب على همه والمكسور على جرحه والمكلوم على وطنــــه، الشعب الذي ملأ الخطب واستأهل الوعود البراقة، فلم يفز إلا بحبر ما تبقى من قصاصات الكذب والتدجيل.
أصبحنا نستفيق كل صباح داعين المولى الذي حاول الكثيرون الزج به في غزواتهم ونزواتهم، ليجعل مما نرى ونشاهد كابوسا عابرا وليلا تائها سيجد طريقه للانجلاء.. بتنا نستفيق ونقول لهذا الزمن: يا ليتنا ما كنا على قيد الحياة لنراك!

٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية