■ تمتاز المنافسة الانتخابية في تركيا في الغالب حول القضايا الداخلية أكثر من الخارجية، وبالشؤون السياسية أكثر من القضايا الأخرى الاقتصادية أو غيرها، ويمكن القول بأن القضايا الدينية والعقدية لا تدخل في التنافس السياسي إطلاقاً، بحكم منع الخلط بين المسائل الدينية والسياسية في النظام السياسي التركي وقوانين عمل الأحزاب السياسية في تركيا، ولكن رئيس حزب ديمقراطية الشعوب (اليساري الكردي) صلاح الدين ديمرطاش غامر بإدخال قضية دينية عقدية مقدسة في الصراع السياسي والتنافس الانتخابي في تركيا.
فقد عبر ديمرطاش في عدة تصريحات ما يعتبر إقحاماً للشؤون الدينية في التنافسات السياسية قبل الانتخابات البرلمانية في السابع من الشهر القادم، ولا يشك أحد بان ديمرطاش كان غافلاً عن ذلك، وأنه لم يكن يقصد مهاجمة مواقف حزب «العدالة والتنمية «في هذه القضايا الدينية، وقبل الانتخابات تحديداً، ومنها قوله: «إذا كانت مكة عاصمة المسلمين الدينية والقدس عاصمة اليهود الدينية فإن تقسيم هو عاصمتنا التي لا نتنازل عنها»، وهو يقصد ميدان تقسيم في مدينة إسطنبول عندما منعت الحكومة التركية اجراء احتفالات عيد العمال في ميدان تقسيم لصغره أولاً، وتأثيره على الحياة اليومية ثانياً، وتوفير ميادين أكبر منه ولا تؤثر على مسار الحياة اليومية للمواطنين ثالثاً، هذا التصريح لديمرطاش جاء غريباً وصادماً للشعب التركي بكل قومياته وتياراته الدينية، الاسلامية والمسيحية، السنية والعلوية والكردية وغيرها، لأن في التصريح إقرار من قبل رئيس حزب سياسي تركي بأن القدس عاصمة لليهود، وهذا موقف خطير أن يصدر عن زعيم سياسي تركي مسلم حتى لو كان يسارياً أو علمانياً متطرفاً، فهو في دائرة العمل السياسي العام، الذي ينبغي أن يحترم عقيدة الشعب التركي ومواقفه الدينية من قضية المسلمين الكبرى وهي قضية القدس الشريف، فماذا أراد ديمرطاش بهذا التصريح الصادم للشعب التركي.
بعض المحللين يرون ان هذه التصريحات جاءت قبل زيارة رئيس رئاسة الشؤون الدينية في تركيا الدكتور محمد قورماز للقدس وعدد من المدن الفلسطينية منها الخليل وغزة ويافا وبيت لحم، وقد كان لزيارة قورماز أثر كبير على الفلسطينيين وسكان بيت المقدس والمرابطين والمرابطات فيه، الذين رحبوا بالشيخ محمد قورماز وابتهجوا به وطلبوا منه وأصروا عليه أن يخطب بهم صلاة الجمعة، علما بأن هذا التصرف وهو خطبة الجمعة من غير الفلسطينيين لم يفعله احد قبله منذ عقود طويلة، ولكن الشيخ قورماز لبى الدعوة واستجاب لهذه المطالب للمصلين فخطب في المسجد الأقصى يوم الجمعة 15/5/2015، وقد كانت خطبته مؤثرة واعتبرها أهل بيت المقدس خطبة تاريخية ودينية، أكدت على أهمية الأقصى والقدس في العقائد الإسلامية، وقال: إن الانتماء للإسلام والأمة الإسلامية لا يتم الا بالتمسك بالأقصى مسجدا إسلامياً وبالقدس مدينة إسلامية خالصة، وأنها عقيدة دينية، وهي من حقوق المسلمين كافة وليست قضية فلسطينية وطنية ولا قومية عربية فقط، فلا يملك التنازل عن شبر منها ملك ولا رئيس ولا وزير مهما كانت جنسيته أو دولته، فهي قضية الأمة الإسلامية كلها.
والسؤال هل كان ديمرطاش يقصد استباق هذه الزيارة، فأصدر هذا الموقف السياسي الشاذ، مما أضطر رئيس الوزراء التركي أحمد داود أغلو ان يصدر تصريحا يعبر فيه عن حقيقة الموقف التركي من القدس، حكومة وشعباً، لا على طريقة التنافس السياسي في الانتخابات القادمة في السابع من الشهر القادم، وإنما للتعبير عن الموقف التركي الذي يعبر عن الشعب التركي لا يساوم على قضية القدس، ولا يجعلها مسألة انتخابية إطلاقاً فقال رئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو: «المسجد الأقصى لنا إلى الأبد، وليشهد الله والتاريخ على ذلك، سيبقى ملكنا للأبد».
وهذا التصريح هو بالدرجة الأولى انتقاد لتصريح صلاح الدين دميرطاش زعيم حزب ديمقراطية الشعوب، وكذلك ردا على تصريح سابق لكمال كلجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، والتي انتقد فيها سوء العلاقات مع إسرائيل، وقال أوغلــــو ردا عليهما: «لــن نكون أصدقاء لمن دنسوا الأقصى ببياداتهم، فليذهبوا هم وليكونوا معهم صداقات كيفما شاؤوا».
هذه المواقف للمعارضة التركية وبالأخص لزعيم حزب ديمقراطية الشعوب صلاح الدين ديمرطاش بإقحام قضية القدس في عملية الانتخابات لا تفسير له إلا ان ديمرطاش فقد ثقته بالناخب التركي داخلياً، وأنه لا يعول على تأييده له، وبالتالي فإن حملته الانتخابية تسعى لإرضاء اعداء تركيا في الخارج، وفي مقدمتهم الدولة الإسرائيلية وأمريكا والدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل.
إن إقحام ديمرطاش لقضية القدس في تصريحات مناقضة لمواقف الشعب التركي ومعارضة لعقائد المسلمين في الأرض هو دليل على انه أخطأ طريق الصواب في المنافسات الانتخابية، وأخطأ طريق الانتصار في الانتخابات، وهذا ما اضطر أنصاره إلى تهديد كل من لا يصوت لحزبه في الانتخابات القادمة بالقتل، أي أنه لا يراهن على صوت الناخبين وإنما على تهديدهم بالقتل وارضاء اعداء تركيا، وهكذا زعامة تعزف على قواعد انتخابية تجاوزها الشعب التركي منذ عقود، فالشعب التركي اليوم ينتخب من يقتنع به وليس من يهدده، ومن يحترم قيمه وحضارته، لا من يغازل اعداء تركيا في الخارج والداخل.
٭ كاتب تركي
محمد زاهد جوال