دمشق ـ «القدس العربي»: رفضت رئاسة الجمهورية العربية السورية، أمس الأحد، «أي محاولات لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة تحت مسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية» في إشارة إلى نتائج «مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي» الذي احتضنته السبت، مدينة القامشلي أقصى شمال شرق البلاد، وتبنّى المشاركون فيه رؤية سياسية لبناء دولة «ديمقراطية لامركزية» في سوريا، يضمن دستورها حقوق الأكراد ومشاركة المرأة سياسيا وعسكريا، داعين إلى اعتمادها «كأساس للحوار الوطني» مع السلطة الجديدة في دمشق.
تغيير ديمغرافي
وعبرت الرئاسة عن القلق بعد ظهور «توجهات خطيرة نحو تغيير ديمغرافي في بعض المناطق» طالبة من «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد» «الالتزام بالاتفاق المبرم» الذي كان قد وقعه رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي في العاشر من آذار/ مارس الماضي.
وبمشاركة أكثر من 400 مدعو من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني الكردية السورية، وبحضور ممثلين عن رئاسة إقليم كردستان العراق، والتحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وحزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» الآتي من تركيا، أنهى «مؤتمر وحدة الموقف والصف الكردي» مساء أول من أمس السبت أعماله، بعد أن «تمت صياغة رؤية سياسية كردية مشتركة تعبر عن إرادة جماعية ومشروعاً واقعياً لحل عادل للقضية الكردية في سوريا كدولة ديمقراطية لامركزية».
وحسب الموقع الرسمي لـ«مجلس سوريا الديمقراطية ـ مسد» فإن «المشاركين أقروا الرؤية الكردية المشتركة التي قدمت الى المؤتمر، باعتبارها وثيقة تأسيسية تعبّر عن إرادة جماعية، وتقدّم مقاربة واقعية لحلّ عادل وشامل للقضية الكردية في إطار سوريا موحّدة، بهويتها المتعددة القوميات والأديان والثقافات، ويضمن دستورها الحقوق القومية للشعب الكردي، ويلتزم بالمواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ويصون حرية المرأة وحقوقها ويمكنها من المشاركة الفاعلة في كافة المؤسسات».
وذكر الموقع أن المؤتمر «دعا إلى اعتماد الرؤية الكردية المشتركة أساساً للحوار الوطني، سواء بين القوى السياسية الكردية ذاتها، أو بينها وبين الإدارة الجديدة في دمشق وسائر القوى الوطنية السورية، على أن تساهم في بناء سوريا جديدة، تتّسع لجميع أبنائها، دون اقصاء أو تهميش لأي مكون من مكوناتها، بعيدا عن الذهنية الأحادية تفكيرا وممارسة وتصون كرامتهم وحقوقهم دستوريا دون أي شكل من أشكال التمييز، وأن تحترم سوريا علاقاتها الإقليمية والدولية وتكون عامل استقرار وأمان في المنطقة»
الخبر الذي تم تداوله في مواقع أخرى على أنه البيان الختامي ذكر أن «المؤتمر دعا إلى تشكيل وفد كردي مشترك في أقرب وقت للعمل على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع سياسي، والتواصل والحوار مع الأطراف الوطنية والدولية المعنية لتحقيق مضامينها».
وتجاهلت دمشق الاجتماع الكردي الموسع الذي استضافته مدينة القامشلي في محافظة الحسكة، يوم السبت، ولم يحضر أي مسؤول منها الاجتماع، بل إن الاعلام الرسمي لم يأتِ على ذكر هذا الاجتماع وتجاهله كليا، وكان أول ما نشره عنه، أمس الأحد، بيان صادر عن رئاسة الجمهورية السورية حول مستجدات الاتفاق مع قيادة «قسد» من دون أي إشارة أو ذكر بالاسم الصريح للاجتماع.
وبعد أن ذكّر بيان الرئاسة بالاتفاق الذي كان قد وقعه الرئيس الشرع مع مظلوم عبدي معتبرا أنه «شكل خطوة إيجابية نحو التهدئة والانفتاح على حل وطني شامل» اعتبر البيان أن «التحركات والتصريحات الصادرة مؤخراً عن قيادة «قسد» التي تدعو إلى الفيدرالية وتكرس واقعا منفصلاً على الأرض، أنها تتعارض بشكل صريح مع مضمون الاتفاق وتهدد وحدة البلاد وسلامة ترابها».
اتفاق الشرع ـ عبدي
وأكد البيان أن «الاتفاق (الشرع ـ عبدي) كان خطوة بناءة إذا ما نفذ بروح وطنية جامعة، بعيداً عن المشاريع الخاصة أو الإقصائية» وقال: «نرفض بشكل واضح أي محاولات لفرض واقع تقسيمي أو إنشاء كيانات منفصلة تحت مسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية دون توافق وطني شامل» مشدداً على أن «وحدة سوريا أرضاً وشعباً خط أحمر، وأي تجاوز لذلك يعد خروجاً عن الصف الوطني ومساساً بهوية سوريا الجامعة».
وقال بيان الرئاسة: «نعبر عن بالغ قلقنا من الممارسات التي تشير إلى توجهات خطيرة نحو تغيير ديمغرافي في بعض المناطق، بما يهدد النسيج الاجتماعي السوري ويضعف فرص الحل الوطني الشامل، ونحذر من تعطيل عمل مؤسسات الدولة السورية في المناطق التي تسيطر عليها «قسد» وتقييد وصول المواطنين إلى خدماتها، واحتكار الموارد الوطنية وتسخيرها خارج إطار الدولة، بما يسهم في تعميق الانقسام وتهديد السيادة الوطنية».
وأكدت أنه «لا يمكن لقيادة «قسد» أن تستأثر بالقرار في منطقة شمال شرق سوريا، إذ تتعايش مكونات أصيلة كالعرب والكرد والمسيحيين وغيرهم، فمصادرة قرار أي مكون واحتكار تمثيله أمر مرفوض، فلا استقرار ولا مستقبل دون شراكة حقيقية وتمثيل عادل الجميع الأطراف».
بعد مطالبة القوى الكردية بدولة لامركزية
وتابعت: «نؤكد أن حقوق الإخوة الأكراد، كما جميع مكونات الشعب السوري مصونة ومحفوظة في إطار الدولة السورية الواحدة، على قاعدة المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون، دون الحاجة لأي تدخل خارجي أو وصاية أجنبية، كما ندعو شركاء الاتفاق، وعلى رأسهم «قسد» إلى الالتزام الصادق بالاتفاق المبرم وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أي حسابات ضيقة أو خارجية».
وختم بيان الرئاسة بالقول: «نجدد موقفنا الثابت بأن الحل في سوريا لا يكون إلا سوريا ووطنيا وشاملا يستند إلى إرادة الشعب، ويُحافظ على وحدة البلاد وسيادتها، ويرفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الهيمنة الخارجية».
وقضى اتفاق الشرع ـ عبدي الموقع في آذار/ مارس الماضي بدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية.
أعمال المؤتمر كانت انطلقت السبت، بحفل خطابي حضره إلى جانب القوى السياسية والاجتماعية الكردية من مختلف المناطق السورية، ممثلون عن الحزبين الكرديين الرئيسيين في كردستان العراق، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وألقيت فيه كلمات من بينها كلمة مسؤول الملف السوري في ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق حميد دربندي، وكلمة المتحدث باسم التحالف الدولي سكوت بولز، وكلمات لممثلي الاتحاد الوطني الكردستاني، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب القادم من تركيا.
وفي كلمتها أكدت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، أهمية هذه اللحظة التاريخية، مشددة على أن «عموم الشعب الكردي ينتظر تحقيق حقوقه المشروعة». وأشارت إلى الدعم الذي قدمته قوى كردية بارزة مثل عبد الله أوجلان، مسعود بارزاني، وبافل طالباني للشعب الكردي وعموم شمال وشرق سوريا.
وأضافت: «نسمع صوت مجتمعنا الذي يطالب بوحدة الصف، ومن هنا نسعى لإقرار وثيقة تحقق تطلعات الكرد».
ورحب مظلوم عبدي بالحضور، مؤكداً أن «هذا الكونفرانس يُعقد بعد جهود كبيرة واجتماعات مكثفة بمشاركة قوى كردستانية» وأوضح أن الهدف الرئيسي من الكونفرانس هو «ضمان حقوق الشعب الكردي وكافة مكونات سوريا الجديدة» مشدداً على أن «وحدة الصف الكردي تعني وحدة سوريا، والدستور السوري القادم يجب أن يضمن حقوق الجميع ويؤسس لسوريا ديمقراطية لا مركزية».
كما أشار إلى أن تجربة العيش المشترك التي استمرت 12 عاماً في شمال وشرق سوريا بين الكرد والعرب والسريان والأرمن شكلت نموذجاً عملياً للتعايش المشترك.
وذكرت وثيقة الرؤية الكردية المشتركة التي اطلعت عليها «القدس العربي» وتم إقرارها بعد إضافة بعض الملاحظات والتي ستقوم باعتمادها لجنة صياغة تم تكليفها بالأمر، أنه وفي «إطار الوحدة الوطنية السورية نسعى لتعزيز الدور والشراكة الوطنية على أساس العدالة المساواة، الديمقراطية وحرية المرأة، بناء على ذلك نقدم الورقة الكردية المشتركة لرؤية حل القضية الكردية في سوريا».
دولة متعددة القوميات
وطالبت الوثيقة بأن تكون «سوريا دولة متعددة القوميات والإثنيات والثقافات والأديان والطوائف ويضمن دستورها حقوق كافة المكونات السورية من عرب وكورد وسریان وآشوریین وشركس وتركمان وعلويين ودروز وإيزيديين ومسيحيين، وبمبادئ فوق دستورية» مشددة على أن «تلتزم الدولة السورية بالعهود والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان ومبدأ المواطنة المتساوية» وأن يكون «نظام الحكم برلمانيا بغرفتين ويعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وفصل السلطات، كما يعتمد مجالس للمناطق في إطار النظام اللامركزي» وأن تكون «سوريا لا مركزية تضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة بين المركز والأطراف».
وشددت الرؤية المشتركة على أن «يعبر اسم الدولة وعلمها ونشيدها الوطني عن التعدد القومي والثقافي للمجتمع السوري» وعلى «حيادية الدولة تجاه الأديان والمعتقدات، وحق ممارسة الشعائر الدينية والاعتراف بالديانة الإيزيدية ديانة رسمية في الدولة، وعلى ضمان المساواة الدستورية بين الرجل والمرأة وتمثيلها في كافة المؤسسات، وحماية حقوق الطفل المعلنة في الاتفاقية الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، ورعايتهم ومساعدتهم في تلبية احتياجاتهم الأساسية، وتوسيع الفرص المتاحة لتنمية طاقاتهم وقدراتهم مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجاتهم الخاصة التي تتناسب مع طبيعتهم وأعمارهم».
وطالبت الوثيقة بـ«إعادة النظر بالتقسيمات الإدارية الراهنة، بما يراعي الكثافة السكانية والمساحة الجغرافية، وإلغاء نتائج التغيير الديمغرافي وإيقافها في المناطق الكردية وكافة المناطق السورية، وتأمين عودة آمنة للنازحين واللاجئين والمهجرين قسرا الى ديارهم بمن فيهم أبناء مدن رأس العين، وتل أبيض وعفرين» وأن يتم «تشكيل جمعية تأسيسية برعاية دولية تضم ممثلي كافة المكونات السورية لصياغة دستور بمبادئ ديمقراطية، وتشكيل حكومة من كافة ألوان الطيف السوري ومكوناته بصلاحيات تنفيذية كاملة» وأن يكون «حق التعبير والتعليم باللغة الأم وممارسة الثقافة كحق لكل المكونات».
كما تضمنت الرؤية «توحيد المناطق الكردية كوحدة سياسية إدارية متكاملة في إطار سورية اتحادية، والإقرار بالوجود القومي للشعب الكردي في سوريا كشعب أصيل وضمان حقوقه القومية دستورياً وفق العهود والمواثيق الدولية بما فيها حقه في ممارسة حرة ومتساوية لحقوقه السياسية والثقافية والإدارية، والاعتراف الدستوري باللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في البلاد، وضمان التعليم والتعلم بها، مع إحداث مراكز وإدارات تهتم باللغة والتراث والتاريخ والثقافة الكردية، وفتح مراكز للإعلام من قنوات إذاعية وتلفزيونية باللغة الكردية، وإصدار الكتب والمجلات والمطبوعات، وفتح مراكز للدراسات والبحوث وإحداث معاهد وجامعات في المناطق الكردية».
وطالبت الرؤية بـ«ضمان تمثيل الكرد في مؤسسات الدولة التشريعية القضائية، التنفيذية والأمنية، وإلغاء كافة السياسات الإجراءات والقوانين الاستثنائية التي طبقت بحق الكرد مثل مشروع الحزام العربي وعمليات التعريب في المناطق الكردية، وتعويض المتضررين من تلك السياسات التمييزية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل صدورها وإلغاء الاتفاقيات السرية والعلنية التي تمس السيادة السورية والوجود الكردي، مع إعادة الجنسية السورية للمواطنين الكرد المجردين منها بموجب إحصاء 1962 الاستثنائي المتبقين منهم ومكتومي القيد» إضافة إلى «تطوير البنية التحتية للمناطق الكردية وتخصيص نسبة من عائدات ثرواتها في التنمية الإعمار بسبب تهميشها الممنهج وإهمالها المتعمد في المراحل السابقة».
وفي تصريح لـ«القدس العربي» قال المتحدث الرسمي باسم «المجلس الوطني الكردي» فيصل يوسف إن «الرؤية الكردية المشتركة التي تبناها الاجتماع تتضمن تصوراً شاملاً لشكل وهوية الدولة السورية، مع تركيز على الحقوق القومية الكردية ضمن إطارها الوطني» وقال: «تؤكد هذه الرؤية أهمية النضال السلمي الديمقراطي والحوار البنّاء مع الإدارة الجديدة في البلاد ومختلف المكونات الأخرى، بهدف تحقيق الشراكة الوطنية للكرد بوصفهم مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري».
وتابع: «نؤكد التزامنا باعتماد وثيقة الرؤية الكردية المشتركة كأساس للخطاب الكردي السوري، وسنعمل على طرحها على الجهات المعنية في البلاد، ونعتبر أن الوحدة الكردية التي تحققت تمثل إنجازاً ليس للكرد وحدهم، بل لكل السوريين، وتشكل إضافة قوية لوحدة وتماسك الشعب السوري، وخطوة مهمة نحو صياغة مستقبل سوريا على أسس ديمقراطية».
وبين أن «بداية المرحلة الجديدة ستشهد تركيزاً على العمل لتحقيق الاعتراف الدستوري بالكرد وحقوقهم في إطار سوريا اللامركزية، مع العمل على إلغاء السياسات التمييزية المطبقة ضدهم، أما بخصوص شكل مشاركة المجلس في «الإدارة الذاتية» فإن هذا الموضوع لم يُبحث بعد».
معجزة
من جهته ذكر المحامي والحقوقي السوري عارف الشعال أنه «يمكن وصف كونفرانس وحدة الصف الكردي المنعقد في القامشلي بالمعجزة الكردية التي جمعت على طاولة واحدة طيفا واسعا من المكونات السياسية والمدنية الكردية المتنافرة والتي كان من المتعذر جمعها في الماضي» موضحاً أنه «ولا شك أن هذه المعجزة تعكس إرادة إقليمية ودولية على حلّ المسألة السورية حلاً يضمن على الأقل وحدة أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة».
وقال الشعال لـ«الوطن» إنه «من السابق لأوانه معرفة شكل الدولة السورية المقبل وما هي سعة اللامركزية التي جرى الحديث عنها في هذا الكونفرانس، وما هي الصلاحيات التي يتمتع بها المركز وتلك التي تتمتع بها الأطراف (الوحدات المحلية) فهذا الأمر تحدده مفاوضات سياسية بين أبناء الشعب السوري كافة عند وضع الدستور الدائم، والذي نأمل أن يجري عبر جمعية تأسيسية منتخبة على غرار دستور 1950».
وتابع: «لا بد من التأكيد أن دولة يضمن دستورها لامركزية موسعة مدروسة بعناية، وبرلمان منتخب من مجلسين (شيوخ ونواب) وقضاء مستقل تماماً، ومحكمة دستورية مستقلة ذات صلاحيات حقيقية وآليات وصول مرنة، هي دولة تسير جدياً على طريق الديموقراطية ونبذ الاستبداد».
وقال: «من المنطقي لأي دستور دائم أن يضمن الحقوق الثقافية لكافة المكونات القومية في سوريا وخصوصا من حيث الحق باستخدام لغتهم كلغة رسمية في مناطق وجودهم بكثافة».