الحرف والتجريد… الأيقونة والإنسياب: قراءة في أعمال الفنانين رشيد باخوز وعبد الله الحريري

حجم الخط
0

يحدد علماء الأركيولوجيا والآثار أن ظهور الكتابة، كشكل للتعبير، عرفه الإنسان منذ 5000 سنة خلت، في أرض الرافدين (العراق) غير أنه كان عبارة عن رموز في بادئ الأمر وليس حروفا مجردة، ولا يشتمل على أي لمسة فنية وأن الحضارة الفرعونية كانت من الحضارات الأولى التي أسبغت على الكتابة طابعا كلغرافيا، مبنية على الأشكال الاستدلالية بالرموز الطبيعية المباشرة.
أما حضارتنا العربية فقد عرفت الكتابة في شكلها المتوسطي (الحرفي البدائي)، حيث يرجح أكثر من باحث أن الخط العربي الحالي منحدر من أصول سريانية (آرامية) عن طريق الأنباط، أي الخط النبطي. بينما يرى ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أن الخط العربي نشأ في اليمن ومنها انتقل إلى الحيرة، ومنها إلى قريش، أي أنه يعود إلى خط المسند الحميري، ويعتقد كثير من الباحثين أن الكتابة التي ظهرت في الجزيرة العربية كانت وليدة تفاعل طويل عبر رحلات التجار العرب بين الشمال والجنوب.
تاريخ الكلغرافيا، كشكل فني كوني، كما عرفه الإنسان ارتبط بالكتابة، وبقدر أن هويتنا مرتبطة باللغة، فالكتابة مرتبطة بالكلغرافيا، كفن خام وهندسة حيوية لها.
فالخط لم يكن تزيينا أو محصورا فيه فقط، بل هو تشكيل لما ننطق به، وهو تمثيلٌ لهويتنا. فإن يكن عبراني، ياباني، عربي، صيني، لاتيني، فارسي، أو روماني، فالكلغرافيا ما هي إلا انعكاس للثقافة الناطقة بتلك اللغة. فعلى سبيل المثال؛ «فن الخط العربي» وُلِد ومجيء الإسلام. فكانت «مدرسة الكوفة» تشكّل طريقة كتابة القرآن، إلى حد مجيء الخط العثماني، ما كان يجعل من الخط حاملا لطابع قدسي.
ولا ننسى أن الخطوط العربية سميت بأسماء المدن والمراكز الإسلامية، بعد الإسلام، التي نشأت فيها، مثل مكة والمدينة والكوفة والبصرة، والبحث في المراحل التاريخية لتطور تلك الحروف ليس أمراً هيناً، لندرة النقوش العربية قبل عصر النبوة، وعدم احتواء النقوش منها على جميع الحروف، ولكن يمكننا على ضوء دراسة النقوش العربية التي عثر عليها من تلك الفترة، أن نرجع الكتابات العربية إلى أصلين اثنين، هما التربيع والتدوير، وهما من أصول الكتابة العربية في جاهليتها وإسلامها. فلكلّ حضارة شكل كتابتها الخاص بها النابع من ثقافتها الخالصة ورؤيتها للعالم، وطريقة فهمها له وتعبيرها عنه. أما في الفن التشكيلي، فقد عرف هذا الفن، الخط كشكل استيتيقي، عند العرب في أواسط الستينيات وأوائل السبعينيات.

عبد الله الحريري: الخط.. تجريد وهوية

أعمال عبد الله الحريري الممتدّة عبر عدّة عقود، يقول الناقد بنيونس عميروش، تمثِّل مسار التجربة «الكلغرافيا» منذ انتشارها بالتوالي في البلاد العربية على مدار ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وهي التجربة الخاصة التي عمل الحريري على تهذيبها وتطويرها لاستكناه خبايا الحرف العربي، والدفع به لترجمة الكثافة والتشتُّت والانفجار، وتحويله إلى علامة لا تُحيل إلّا إلى حركيَّتها ورَقْصِها الوَلود، إلى أن أضحى الحرف من العناصر الثانوية التي تتفاعل داخل أريحية التلوين والبناء الهندسي، الذي لا يخلو من تلقائية تعبيرية ذات مَيْل تجريدي.
إن الخط العربي في حدّ ذاته هو فن تشكيلي خالص، إنه تجريدي أولا من الطابع التصويري، الذي لازال مرتبطا بالكتابة عند اليابانيين مثالا، وله مقوماته الخاصة، حيث يمكن أن تتم اللوحة كتابة وتكويناً (شكلا ومضموناً) باستخدام الألوان المتعددة، أو اللون الواحد بدرجاته، أو اللونين (أبيض وأسود أو غيرهما)، كما يمكن أن تكون الكتابة جزءاً من اللوحة التشكيلية، أو أن تكون الحروف في لوحة ما عناصر لا تتعلق بالمضمون، أي أن الحروف، هنا، تكون أشكالاً وهياكل متمّمة للوحة فقط. وهذا الشكل الأخير يعد نوعا من أرقى أشكال التشكيل المرتبط بالخط، وهذا ظاهر عند عبد الله الحريري، الذي يهرب بالحرف إلى أقصى التجريد، ليجعل منه أيقونة منفصلة عن اللوحة وجزءًا منها في آن. فاللوحة بقدر امتلائها باللون، فالحرف يأتي مشكلا عمقا وبعدا زمنيا رابعا داخلها، ينقل المتلقي مباشرة إلى طرح سؤال الهوية، فالغرض من الفنان كما الفيلسوف هو طرح الأسئلة وليس الإجابة عنها، وهذه هي اللوحة عند عبد الله الحريري.
ليس الحريري خطاطا، بل هو فنان تشكيلي يحترف الخط. إنها لعبته داخل اللوحة. فهو الذي بدأ توظيف الحرف داخل المنجز لديه مند أواخر الستينيات، أي مباشرة بعد حدث 1967، وما سمي بالنكسة. فوجد الفنانون العرب أنفسهم أمام سؤال الهوية، فكان أن انكبوا على استعمال الحرف العربي في لوحاتهم، محاولة منهم للعودة أو بناء هوية عربية. عن سؤال تشبثه بالخط أسلوبا وأيقونة داخل العمل لديه قال ذات حوار: «لقد بَقِيت وفيا للحرف العربي بالنظر إلى كوني كنت مغرما بهذا الحرف».

أسلوب الخط داخل اللوحة أو صبغة القداسة

داخل العمل التشكيلي هناك طريقتان للاستفادة من الحرف العربي، الأولى يكون الحرف فيها عنصراً تشكيلياً أساسياً في اللوحة، والثانية لا علاقة للحرف بمضمون اللوحة، إنما يكون الحرف فيها عنصراً تشكيليا فحسب. ففي المجال الأول نجد ميلاً لدى كثير من الفنانين إلى استخدام الكتابة العربية شكلاً ومضموناً، بحيث تتكون اللوحة من جملة أو كلمة تكتب بالطريقة التقليدية للخط العربي، أو بطريقة فنية لا تلتزم بقواعد الخط العربي، بل أن بعضهم استخدم الكلمات للتعبير عن مضمون اللوحة بأشكال فنية، غير ملتزمين بقوانين وقواعد الخط العربي. وفي المجال الثاني وهنا نستحضر الحريري، يكون الحرف لوحة منفصلة عن المنجز وجزءا منه من حيث الإطار، فهو مستقل بذاته، فهو أيقونة أو لنقل جسدا في شكله التجريدي. وهذا واضح المعالم داخل أعمال هذا الفنان، الذي يختار حرف الحاء كحرف شبه دائم رسما داخل اللوحة لديه. هذا الحرف الذي يمتلك طابعا قدسيا خاصا، فهو أول حرف كلمتي «الحلال والحرام»، كما يشكل عند المتصوفة حرف الستر والسر فهو أول «الحجاب والحجب»، أما عند الحريري فهو أول حرف النسب لديه. وأما الخط العربي فقد ارتبط مند فجر الإسلام بذلك الطابع القدسي، لارتباطه الوثيق بتوثيق القرآن وحفظه.
فإذن ما يعطي اللوحة عند عبد الله الحريري قيمتها، أشياء عديدة وجوهرية، قيمتها الصباغية (الفنية)، واستعمال الفنان للحرف، كشكل أيقوني، وليس كنوع من التخطيط والكتابة، فهو لا يدعي نقل نصٍ ولا كلمة، بل الحرف عنده لوحده رسالة. وثالث الأمور هو ذلك الطابع القدسي التصوفي الذي تنطبع به اللوحة لديه، ولا يعدّ الحرف عنده اختيارا عشوائيا، ولا طرق كتابته كما اتفق، بل بقدر ما هو أيقونة فهو جمالي لا يندرج داخل مدرسة الخط العربي بعينها.

رشيد باخوز: انسياب الحرف داخل اللوحة

يعدّ رشيد باخوز من فناني الألفية الثالثة (أواخر تسعينيات القرن المنصرم إلى يومنا هذا)، أو ما نسميه بـ»الحساسية الجديدة»، الذين يشتغلون بحس رهيف وبحث مستمر داخل المنجز التشكيلي، حيث تعدّ تجربة هذا الفنان من التجارب المغربية التي اتخذت من الحرف (الخط) منطلقا لرسمها/صباغتها، عبر اشتغال على اللوحة التشكيلية المفعمة بفيض من المسحة التجريدية، غير أن هذا الفنان لا يدعي تأثره بأي مدرسة بعينها، بل الاشتغال عنده على الخط ناتج عن بحث في تاريخ هذا الأخير، وتوظيفاته الهندسية في المعمار العالمي الحديث، لهذا لا نجد عنده الخط واضح الرسم، أو متخذا الطبقة العلوية من اللوحة، بل هو سند ثان (بعد القماش) للصباغات. وما يعطي اللوحة عنده رونقها الخاص، كون أن المنجز ككل لا يمكن فصله عن بعضه بعضا. كأنه ركبَ تركيبا تجْزيئيا متواليا عبر هندسة خاصة، يلعب فيها كل جزء دور التكامل لباقي الأجزاء الأخرى.
لا يتوقف الاشتغال عند رشيد باخوز (1976)، خريج المدرسة العليا للفنون الجميلة في الدار البيضاء، داخل اللوحة لديه على ألوان بعينها، بل هو اشتغال حسب الضرورة والجمالية، ليتسنى لكل منجز أن ينفرد باستقلاليته الدائمة، ولو أن اللون الأسود حاضر باستمرار داخل جل أعماله، مما يضفي عليها بعدا عميقا. اللون الأسود إحالة إلى «الفراغ»، ولا يعني أبدا الفراغ «اللاشيء»، بل هو حيز مكاني خالٍ، أي هو مكان. الفراغ بعد رابع داخل اللوحة، فيصير له أن يعطي تلك اللمحة عن البعد الزمني الذي يظل غائبا عن ذهن المتلقي، وهو يتفاعل مع المنجز.
إن كان الخط يجعل من اللوحة تعجّ بالحركية اللونية، فالحرف كشكل متقن الرسم داخلها، يجعلها تفيض بأحلام وتتراقص داخل تفكير المتلقي، أو ما يمكن تسميته بالقارئ الثاني (الفنان القارئ الأول)، لأنه يهرب به إلى أبعاد غير متوقعة وغير مألوفة من اللون عينه، عبر تلك التموجات للحروف العربية، وقابليتها للانحناء في المكان، كأنها بعد زمني آخر والفراغ المحيط بها، مما يدخل المتلقي في تجاذب معها، كأننا أمام تلك النظرية الفيزيائية القائلة بأن «الجاذبية» ما هي إلى انحناء المكان.
الخط العربي هو الفن الإبداعي الذي توج الحضارة العربية والحضارات الإسلامية الأخرى، وهو مختلف عن الخطوط الأخرى، ويمتاز عنها، في تجاوزه لمهمته الأولى وهي نقل المعنى، إلى مهمة جمالية أصبحت غاية بذاتها، وهكذا أصبح الخط العربي فناء مستقلاً، ولقد أجمع الكتّاب والمؤلفون في الشرق والغرب على أن الخط العربي فن إبداعي لم ينل عند أمة من الأمم، أو حضارة من الحضارات ما ناله عند العرب والمسلمين من العناية به والتفنن فيه، فاتخذوه أولاً وسيلة للمعرفة ونقل الأفكار، ثم ألبسوه لباساً قدسياً عندما جعلوه مجوداً جميلاً بكتابة آيات القرآن.
أعمال رشيد باخوز هي امتداد للمدرستين، المغربية والعراقية، من حيث توظيف الخط كشكل فني داخل المنجز، غير أنه ينفصل عنها عبر طرق اشتغاله الخاصة، من حيث جعله من الحرف منسابا داخل اللوحة ومبهما داخلها، ومتكاملا مع الصباغة التجريدية. يقول إخوان الصفا في رسائلهم: «إن أجود الخطوط وأصح الكتابات، وأحسن المؤلفات ما كان مقادير حروفها لبعضها من بعض على النسبة الأفضل». وهذا ما يميّز التوظيف الحروفي عند هذا الفنان، الذي لا يمكن اعتباره خطاطا، لأن اللوحة عنده منجز تشكيلي بامتياز، تتمتع بكل التوظيفات الجمالية للوحة التشكيلية الحديثة والمعاصرة، الذي كان له عبر إبداعاته أن يحوز جوائز عربية كبرى في هذا الفن النبيل، ومن بينها حيازته الجائزة الثانية في «بينالي الثقافة والفنون الدولي المستقل» في دورته الثالثة (2014).
ولأن الخط ملكة إبداعية، فلقد تنوعت أشكاله حسب اجتهادات وابتكارات كبار الفنانين الخطاطين، مثل المحرر وابن مقلة وابن البواب وغيرهم من الخطاطين المبدعين، الذين رسخوا الخط بأنواعه وأشكاله وجعلوا له قيمة جمالية مستقلة وتعمقوا بأسرارها وفلسفتها، فكانت قواعد منشورة ورسائل مكتوبة لكبار الخطاطين، وقد تضمنت هذه الرسائل آراء ومفردات كثيرة خاصة بفن الخط.
تتعدد الأسماء المغربية التي اشتغلت على الحرف والخط كشكل فني داخل منجزها، غير أن أسماء قليلة التي تَوَفَقَت في هذا الاشتغال الفني، الحريري أحدها، الذي اتخذ من الحرف منطلقا للبحث في الهوية العربية. ورشيد باخوز من أسماء الحساسية الجديدة الذين يستندون إلى الحرف كمطلق لرسمه، متأثرا بالمدرسة الهندسية في بعدها الحديث والمعاصر، حيث عنده الحرف سند ثان، ينساب تحت اللون ويتماها معه.

ناقد تشكيلي مغربي

عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية