بين براعة الحِرَف وتفرّد المعمار: تنوع تراثي وثقافي في محافظة بني ملال خنيفرة المغربية

ماجدة أيت لكتاوي
حجم الخط
4

الرباط ـ «القدس العربي»: ما بين الحدائِق الغَنّاء وعين مائها المُترقرقة، يستقر متحف «عين أسردون» في مدينة بني ملال (وسط المغرب)، ليشكل نافذة مفتوحة على تاريخ وتراث وفنون المنطقة الغنية ثقافيا وحضاريا، ويكون جسرا يربط بين الماضي والحاضر.
المتحف الذي تم افتتاحه قبل أشهر قليلة، يُدمج التكنولوجيا الحديثة والمعدات المتطورة لتقديم عرض مفصل وإبراز جمال الآثار والمعمار والهندسة التقليدية والحرف اليدوية مثل، فن نسيج الزرابي وحياكة الملابس التقليدية وزخرفة النوافذ والأبواب.
وتسمح هذه التقنيات الحديثة بإثراء التجربة الثقافية والسياحية لزوار المنطقة والمتحف، وتسليط الضوء بطريقة أكثر وضوحا ودقة على الإرث الحضاري وعلى الثروات الثقافية والتاريخية والأركيولوجية الفريدة للمنطقة. عبر تسخير خرائط رقمية وأشرطة سمعية وبصرية ومجسمات مصغرة أو بالحجم الحقيقي.
«القدس العربي» زارت المتحف وتنقل جزءا من التراث الحضاري والمعماري والإبداع الفني للمنطقة:

المعمار… أبواب ونوافذ

في الثقافة المغربية، للباب ومدخل المنزل حُرمة وشروط للوقوف أمامه وآداب استئذان لمباشرة طرقه والدخول منه. ويعتبر الباب أكبر من كونه مجرد قطعة عادية، إنما هو وحدة ومكان للعبور نحو التغيير، وهو أكبر من مجرد قطعة تفصل بين مكانين. فالأبواب مثيرة للاهتمام بجميع أحجامها وألوانها وقوتها.
وتتميز الأبواب في منطقة بني ملال – خنيفرة بأشكالها وحجمها الخاص، فيوجد بكل منزل باب رئيسي بعرض يسمح بحركة الماشية والدواب المحملة بالأحمال، ويتكون الباب من عدد من العناصر كالعتبة الخشبية والإطار الخشبي والباب المكون من ألواح خشبية مجمعة بشكل عمودي على عوارض خشبية باستخدام مسامير حديدية كبيرة.
وتحمل هذه الأبواب أحيانا، بعض الرموز البارزة، والمنقوشة أو المصبوغة المزينة بالمسامير، وأحيانا يحمل بعض الرموز الهندسية المحفورة في الخشب أو على شكل قطع مثبتة، تكون غالبا على أشكال هندسية مسننة أو متعرجة.
أما بالنسبة للنوافذ، فكانت قسوة المناخ وانعدام الأمن من العوامل التي تحدد أبعاد النوافذ وموضعها، وكانت نادرة وتقتصر على الفجوات التي تنتج عن تقنية تشكيل الطوب. أما في الوقت الحاضر، فزادت نسبة الفتح، وتم استبدال الثغرات والفتحات بنوافذ ذات أبعاد أكبر تتميز بتصميمها الهندسي البسيط والمكرر، مع هيمنة الأشكال المستطيلة والعمودية، حيث تتخذ زخارف الشبابيك الحديدية المثبتة على النوافذ أشكالا متنوعة ومبنية بالأساس على تقاطع مجموعة من الخطوط المستقيمة، مشكلة بذلك الهيكل الأولي للشبكة وتمكن من توفير الإضاءة مع الحفاظ على خصوصية السكن وتستلهم زخارفها من الأشكال النباتية فتأتي على نمط زهور وأوراق نباتات ومن الأشكال المعمارية كالأقواس والسواري، إضافة إلى بعض الأشكال الهندسية المحضة.

إغرمان.. المخازن الجماعية

«إغرمان» وهي جمع لكلمة «إغرم» بالأمازيغية، أو المخزن الجماعي، الذي يعتبر أحد الخصائص المميزة للمعمار الأمازيغي في المناطق القروية في المغرب، وهي مبانٍ محصنة شيدت لتخزين المحاصيل الزراعية من زيوت وسمن وصوف وحبوب بمختلف أصنافها، إلى جانب حفظ بعض الأغراض كالمحاريث والوثائق والعقود والأشياء ذات القيمة المميزة بالنسبة للقبيلة أو الأسرة.
وتتكون المخازن الجماعية من غرف خاصة بالتخزين في ملك عائلات مختلفة من القبيلة يتم توارثها من جيل لآخر، ومن مرافق جماعية مشتركة تدبر وفق أعراف تحفظ حقوق وواجبات الأفراد والجماعات وتنظم طريقة التسيير والحراسة والصيانة. وتم تحديد عدة أشكال من المخازن في جهة بني ملال خنيفرة، كالمخازن المعلقة بالأجراف مثل، «تيحونان أوجكال» و «والوس»، والمخازن الجماعية المشيدة على المرتفعات مثل «إغرم سيدي موسى» بآيت بوكماز و»إغرم أسامر» بآيت بو ولي، والمخازن الجماعية المجاورة للقرى بالمنبسطات مثل، «إغرم إباقليون» و»إرم دوار الرباط» بآيت بوكماز وغيرها، وبالإضافة إلى الدور الاقتصادي والأمني، فقد لعبت هذه المباني أدوارا اجتماعية وسياسية مهمة، حيث كانت مقرا لاجتماع الأعيان أو الجماعة، لمناقشة التشريع وتنظيم شؤون الحياة العامة والخاصة بالقرى والقبائل. كما تشكل هذه البنايات المحصنة والمنيعة مكانا آمنا يلج إليه السكان وماشيتهم أوقات انعدام الأمن واندلاع النزاعات إذ تصبح بفضل أبراجها وكُوّات إطلاق النار المعدة على مدار أسوارها الخارجية الأمكنة الأوفر حظا للدفاع عن النفس والممتلكات. ويتكون «إغرم» عادة من عدة طوابق مقسمة إلى غرف مفتوحة على بهو أو ممر، توزع وحدات التخزين على الأسر المستفيدة، وتتألف كل وحدة من باب يفضي إلى غرفة ضيقة يراعى فيها انعدام الرطوبة.

فن نسيج الزرابي

اشتهرت جهة بني ملال – خنيفرة، بنسيج الزرابي والحنابل على صعيد المغرب، حيث تعتبر هذه المنسوجات شاهدا على الثراء الثقافي والحضاري والإبداع الفني، ولا تزال النساء يحافظن على حرفة نسيج الزرابي المتميزة بألوان الطبيعة ورسوماتها التراثية الأصيلة، ويحرصن على تعليمها للفتيات حفاظا على هذا الموروث الثقافي من الاندثار، ولطالما كانت للزربية مكانة خاصة واستعمالات متعددة في المنطقة، فهي تستعمل كأداة فعالة للوقاية من البرد. كما تستخدم للتزيين والتأثيث وتعتبر أيضا وسيلة لكسب المال وإعالة الأسرة. تتميز أشكال زخارف الزربية بكونها هندسة بحتة، مثل المعينات والمثلثات والمربعات والخطوط المتكسرة والمستقيمة. كما يسجل حضور حروف الكتابة الأمازيغية كذلك. أما الاقتباس من الأشكال الحيونات والنباتات فيُعدّ قليلا، ويشار إليها برموز مجردة بحيث تكاد تكون الزربية عبارة عن لوحة تجريدية كاملة، وتتميز زرابي المنطقة بالخشونة لأن «السّدى»/ الخيوط المكون لهيكل الزربية مكون من خيوط سميكة ومتينة. كما تكون اللحمة دقيقة وهو الأمر الذي يكسبها القوة والصلابة.
وتتنوع أشكال الزربية في منطقة بني ملال حنيفرة، ويتم إنتاجها بطرق تقليدية وتراثية مميزة وفي أجواء احتفالية خاصة، وتتطلب صناعتها توفر شروط ووسائل ومواد أساسية معينة والمرور بمجموعة من المراحل الدقيقة كجز الصوف وغسله وصباغته ثم غزله وتحويله إلى خيوط وصباغته، ثم مرحلة التكبيب على شكل كبة أو كرات، ونسج الزربية على منسج أفقي واقف، ثم مرحلة «التكراج» أو الانتهاء وهي المرحلة التي تتم وسط طقوس احتفالية خاصة، تتم خلالها دعوة الجيران والعائلة لتقاسم فرحة إتمام نسج الزربية، وخلالها يتم قطع خيوط بطرقة متساوية لتصبح الزربية جاهزة.

اللباس التقليدي


تعتبر جهة بني ملال خنيفرة من مناطق المغرب الزاخرة والغنية بالتراث المادي وغير المادي، فبالإضافة إلى نسج الزرابي والحنبل المتنوع والجلباب البزيوي، تعرف المنطقة تنوعا كبيرا للباس التقليدي، يتميز بمراعاته للظروف المناخية المحلية الصّعبة، ولمتطلبات المظهر الجميل والحلي النفيسة. كما أن الغنى الثقافي والاجتماعي للسكان والمتكونة من القبائل الأمازيغية والعرب لعب دورا في تطور نمط العيش ونوعية اللباس، وبالإضافة إلى غطاء الرأس في زي المرأة الأمازيغية المكونة من «سبنية» وهي طرحة أطلسية مزخرفة تكون باللون الأصفر والأحمر وتصنع من الحرير الناعم، حيث يتم وضع حلي الرأس الفضية فوقها، يتميز اللباس النسائي والرجالي بتنوعه الكبير، حسب المناطق والقبائل والمستوى الاجتماعي، ومن أبرز مكوناته لدى النساء «تحنديرت»، وهو نوع مميز من أنواع السلهام الأطلسي الشتوي المصنوع من الصوف، و»القفطان» الذي يتميز بنسيجه الرفيع من الحرير وكثافة التطريز والزخرفة، و»الحزام» وهو حزام حريري للخصر. وعند الرجال نجد «أتفاي» أو «التشامير» وهو عبارة عن قميص طويل أبيض اللون، مفتوح من الجانب الأيمن بشكل مستقيم، و»أسروال» وهو عبارة عن سروال يلبسه الرجل ويصنع من الكتان أو القطن والحرير، ويلبس تحت «الجلابة» أو الجلباب وهو لباس لم يكن شائعا إلا في المغرب ومنه انتقل إلى الأندلس، و»السلهام» والذي يعد من الألبسة القديمة في المغرب وهو عبارة عن لباس مفتوح ينسج من قطعة واحدة مع غطاء للرأس، يبتدئ متسعا وينتهي ضيقا، وعرف بعدة أسماء أكثرها شهرة لفظ «البُرنُس».

التبوريدة

تعتبر «التبوريدة» أو فلكلور اللعب بالخيل، تراثا ثقافيا غير مادي للبشرية مدرجا على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي في 2021، والبحث في التراث المغربي، خاصة منطقة الأطلس المتوسط والنواحي، يكشف أصول فن التبوريدة الضاربة في القدم، ويمكن اعتبار عروض الفروسية نوعا من استعادة أمجاد الفرسان المغاربة، ومحاكاة لبعض طرق الحرب التي خاضوها، بما فيها تقنية ركوب الخيل وأسلوب حملات الخيل الخاطفة، والطريقة المعروفة بالكر والفر المتجذرة في التاريخ. وتعد التبوريدة من أشهر الأنشطة التي تميز المنطقة على الصعيدين الوطني والدولي. والفروسية مسرح لحرب متخيلة تخوضها سربة/ فرقة ضد هدف وهمي، وهي استعادة لما كان معروفا بالكر والفر، أي مباغتة العدو ومهاجمته بسرعة كبيرة ثم الارتداد إلى الخلف ومعاودة الهجوم، يقود الفرقة فارس مُحنك يسمى «العلام» أو «المقدم»، ويتوسط السربة وهو الذي يعطي إشارة الانطلاق، وتكون آذان الفرسان متتبعة لأي أمر منه. وعادة ما يوضع الفرسان الصغار الذين يفتقدون للتجربة في أطراف السربة كي لا يفسدوا أداءها، ويتمثل رهان السربة في إطلاق البارود على العدو الوهمي في الوقت نفسه، وما يطمح له الجميع هو أن يسمع المتفرجون ما يسمى بالخلية كأنها طلقة واحدة. ويسمى من يشكل نشازا في طلقته «القربال» وعادة ما يحكم عليه بغرامة متفق عليها.

لغة الصفير «أسينسك»

للوهلة الأولى يبدو الصوت مجرد صفير عادي، ولكنه في الواقع طريقة تواصلية باستعمال لغة يتم تحويلها لصفير قوي يمكن سماعه على بعد كبير، وهذه التقنية السائدة بجبال الأطلس تسمى محليا باللغة الأمازيغية بـ»أسينسك»، والتواصل بالصفير تقنية صوتية توارثها أبناء المنطقة جيلا عن آخر. ولغة الصفير وسيلة للتواصل بين رعاة الماشية وقاطني المناطق الجبلية، وتعتمد للتواصل عن بعد نسبي، والصفير ينقسم إلى قسمين، صفير خاص بالحيوانات وهو عبارة عن إشارات، وآخر خاص بالبشر وهو عبارة عن لغة مترجمة لصفير معين.

ولعل أول من اهتم بهذا العنصر الثقافي غير المادي، كان الباحث الفرنسي «جيرارد بيشو»، سنة 2013 حين حط الرحال بالقرب من مدينة تنغير في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث وجد لأول مرة مصفرين بوجهته، وهم موجودون منذ قرون خلت، إلا أن هذا العنصر التراثي لم يثر من قبل اهتمام الباحثين.
في رأي الباحثة فاطمة الزهراء صالح، يبقى الصفير لغة تواصل معروفة وشائعة بين مستعمليها في بعض المناطق في جبال الأطلس. وأكدت أنها اشتغلت مع العائلات المستعملة للغة الصفير بشكل يومي، مع أناس أميين وكذلك مع شباب مثقف من إقليم أزيلال وطلبة من بني ملال، وقاموا بتمارين سهلة كي تكون الدراسة أكثر بيداغوجية، حيث قامت بتفكيك بنية تصفير الجُمل كي يتم فهمها، وتمكن الجميع من تحويل الجمل والأبيات الشعرية وحتى جمل بلغات أجنبية إلى صفير، ومن هنا استنتجت صالح أنه إذا تم إتقان لغة الصفير، يمكن أن تصفر أي كلام منطوق بأي لغة كانت، سواء اللغة التي يتواصل بها مع العائلة والجيران أو حتى لغات أجنبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية