استقالة توني بلير… خبر طال انتظاره

حجم الخط
22

استقال أمس رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير من مهمته كمبعوث للجنة الرباعية لعملية السلام بالشرق الأوسط، بعد سبع سنوات عجاف من الفشل واستغلال المنصب في تحقيق مصالح شخصية.
انه خبر طال انتظاره. بل ولقد كان حريا ان يترك المنصب مجبرا، وليس بإرادته بعد ان صار جليا انه يستخدم منصبه للتغطية على جرائم الاحتلال الاسرائيلي، على هامش دوره الحقيقي كرجل أعمال. وليس واضحا لماذا سكتت السلطة الفلسطينية عن بقائه طوال السنوات الماضية.
لقد تمكن بلير من مضاعفة ثروته عشرات المرات خلال السنوات الاخيرة، بفضل تعزيز علاقاته مع بعض الدول الخليجية بحجة «العمل من اجل تحقيق السلام»، وهو ما ادى الى تعرضه الى «انتقادات بشأن تعارض عمله كرجل أعمال مع مهام منصبه الدبلوماسي كمبعوث للجنة الرباعية الدولية»، حسب تعبير صحيفة «التليغراف» البريطانية أمس.
وقالت الصحيفة إن «المصالح التجارية لبلير أصبحت مثار جدل متزايد، ومن ذلك النصائح التي يقدمها للحكومات والشركات الكبرى والمليارديرات بخصوص الاستثمارات والاستراتيجيات».
اما «اللجنة الرباعية لعملية السلام في الشرق الأوسط» التي تأسست في مدريد عام 2002، فكانت اختفت عمليا قبل سنوات مع فشل عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية التي يفترض انها كانت ترعاها، وهو ما يثير اسئلة حول اسباب تأخر بلير كل هذه السنوات في تقديم استقالته.
وكما ان أحدا لم يفتقد تلك اللجنة التي ولدت ميتة اصلا، فان أحدا لن يفتقد بلير، بل ان كثيرين في العالم العربي سيعتبرون استقالته اول تطور ايجابي في الملف الفلسطيني منذ وقت طويل.
لقد كان الهدف من ان تضم اللجنة الرباعية في عضويتها الامم المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي الى جانب الولايات المتحدة، احداث نوع من التوازن الدولي لضمان مقاربة منصفة في مواجهة التعنت الاسرائيلي المستقوي بالدعم الامريكي.
إلا ان تعيين بلير المنحاز الى اسرائيل تسبب عمليا في تقويض مهمة اللجنة، ما حولها الى مجرد «ديكور» أسهم في تمرير الجرائم الاسرائيلية بدلا من مواجهتها.
وكان تعيين بلير رئيسا للجنة بمثابة «تعويض امريكي» له عن خسارته منصبه كرئيس للوزراء في بريطانيا، بعد ان اجبره حزب العمال على تقديم استقالته، ليفسح المجال امام خصمه السياسي غوردن براون لخوض الانتخابات كخليفة له.
وكأن السيد بلير قرر ألا يكتفي بدوره الذي يعتبره كثيرون مجرم حرب لدوره في الغزو الامريكي البريطاني المشترك للعراق في العام 2003، فإذا به يصر على ان يبقى في المنطقة ليقبض «الثمن» عربيا بتحقيق مصالح شخصية مثل تقديم الاستشارات السياسية والاستثمارية والتوسط في الصفقات التجارية تحت غطاء العمل الدبلوماسي كـ»مبعوث دولي».
وبالطبع فقد نجح بلير في توظيف تاريخه في الخداع والتدليس في الملف الفلسطيني خاصة في الحفاظ على منصبه الدولي مع تحقيق مصالحه دون إحراز اي تقدم دبلوماسي طوال السنوات الماضية.
ولعل البعض يذكر المؤتمر الصحافي الذي عقده بلير في مكتبه عشية بدء الهجوم العسكري في العراق في آذار/ مارس 2003، والذي حرص على دعوة وسائل الاعلام العربية لحضوره، ليؤكد لهم انه «اتصل لتوه بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واتفق معه على خطوات محددة للتوصل الى تسوية سلمية عادلة للصراع مع اسرائيل»، وهو ما اتضح لاحقا انه كان مجرد «قنبلة دخان» لتجميد الأوضاع على الساحة الفلسطينية بهدف تمرير الغزو الاجرامي للعراق، وهو ما حصل فعلا. انه تاريخ طويل من الكذب والتضليل بشأن القضايا العربية، بدأ من مزاعمه حول وجود «ادلة مخابراتية تؤكد امتلاك العراق اسلحة دمار شامل، لا يحتاج بعضها الى أكثر من خمس واربعين ثانية لاستخدامها» لتبرير الغزو، ليتضح لاحقا ان تلك الادلة ليست سوى مزاعم بلا اساس تمت سرقتها من بحث لطالب جامعي فاشل، وربما لم ينته مع استقالته أمس من الرباعية الدولية، بالنظر الى العلاقات الحميمة التي تجمعه ببعض الزعماء العرب. اما الثمن الذي تكبده العراق بسبب اكاذيب بلير، فدمار هائل وانهيار للدولة، وتفشي الطائفية، وسقوط نحو مليون قتيل اغلبهم من المدنيين الابرياء، ناهيك عن ادخال الجماعات الارهابية الى المنطقة، وهي جريمة مستمرة آثارها الكارثية الى اليوم، وسيعاني العالم من عواقبها لسنوات طويلة قادمة.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية