من صور إلى غزة: الثقافة تقاوم الحرب وتكتب ملاحم النضال

فايزة هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة -«القدس العربي»: في قلب الجنوب اللبناني، وعلى أنقاض مدينة ما زالت تحمل جراح العدوان، أقيم معرض الكتاب العربي في نسخته العاشرة في مدينة صور، ليؤكد أن الثقافة هي سلاح آخر في وجه الدمار، وأن الكلمة يمكن أن تكون أكثر نفاذًا من الرصاص.
المعرض، الذي تنظمه الجمعية اللبنانية للفنون «رسالات» بالتعاون مع عدد من الجهات الثقافية، جاء تحت شعار عميق الدلالة: «من جنوب لبنان تحية إلى غزة.. وحدة الدم والمصير». هذا الشعار لا يحمل فقط بعدًا شعبيًا تضامنيًا، بل يؤسس لموقف ثقافي مقاوم يعيد التأكيد على وحدة المعركة بين الجبهات العربية، ويواجه بالحرف محاولات تقسيم الشعوب أو دفعها نحو النسيان.ولم تكن إقامة المعرض في صور صدفة؛ فالمدينة التي قاومت الاحتلال الإسرائيلي لسنوات طويلة، ودفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها، عرفت دائمًا كيف تحوّل الجراح إلى حكايات، والدم إلى حبر. ومن قلب الجامعة الإسلامية في صور، تحول المعرض إلى حدث استثنائي يحمل رسالة مفادها أن المقاومة ليست فقط فعلًا عسكريًا، بل وعيًا ثقافيًا متجددًا.
توافدت إلى المعرض دور نشر لبنانية وعربية عديدة، حملت في صناديقها مئات العناوين التي تراوحت بين الأدب، والفكر، والتاريخ، والدين، وكتب الأطفال، مع حضور لافت للكتب التي تتناول فلسطين، والمقاومة، والهوية، والحق. وكأن المعرض يقول إن القراءة، في مثل هذا التوقيت، فعل نضالي بامتياز، وإن كل كتاب يُفتح هو طلقة في وجه العدوان. وإلى جانب الكتب، شكّلت الصور والملصقات والمواد البصرية جزءًا أساسيًا من الفعالية. فالجناح الفلسطيني داخل المعرض لم يكتف بعرض مؤلفات، بل قدّم لوحات فوتوغرافية أرشيفية تؤرخ للحياة في فلسطين قبل النكبة وبعدها، وتعرض الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال، ما حوّل المعرض إلى شهادة حيّة ضد الإبادة، وأرشيف مصور لمأساة مستمرة.
رغم صعوبة الظروف الأمنية، والتوتر الذي يخيم على الجنوب اللبناني، شهد المعرض منذ لحظاته الأولى حضورًا شعبيًا واسعًا، عكس توق اللبنانيين، لا سيما الجنوبيين، إلى التمسك بالثقافة كطريق للمقاومة. فالناس الذين عاشوا تحت القصف لا يكتفون بالنجاة، بل يسعون إلى إنتاج الوعي ومشاركة الذاكرة، ويصرّون على تحويل كل ساحة إلى منبر، وكل ركام إلى منصة إبداع. المعرض لم يكن مجرد حدث ثقافي دوري، بل تحوّل إلى مساحة مقاومة فكرية وروحية، يتلاقى فيها المثقفون، والناشرون، والقراء، للتأكيد على أن الحرف لا يُهزم، وأن المعرفة لا تُقصف، وأن الكلمة تظل عصية على الحصار.
ولم يغب عن المشهد الحضور الشبابي المميز، حيث شارك عدد من الكتّاب والرسامين والفنانين الناشئين، مقدمين أعمالًا تعبّر عن رؤيتهم لما يحدث في فلسطين ولبنان وسائر المنطقة. وكانت مشاركتهم بمثابة رد جماعي على محاولات إحباط الجيل الجديد أو فصله عن قضاياه المركزية.
في الجنوب الذي لا يزال يعيش على وقع تهديدات العدو واعتداءاته، أقيم المعرض ليقول بصوت عالٍ: إن الثقافة تبني ما يهدمه الاحتلال، وإن الأمة التي تقرأ لا تموت، بل تنهض من بين الركام أقوى، أصدق، وأقدر على الحلم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية