إلى أين ستنتهي الأزمة بين الدولة والإسلاميين في الأردن؟!

محمد أبو رمان
حجم الخط
0

ما تزال قضية العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين الأصلية-المحظورة تشغل الأحاديث والنقاشات النخبوية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أسابيع، وتأخذ هذه السجالات في العديد من الأحيان، تصريحاً أو تلميحاً اتجاهات خطيرة تؤثر على التماسك الداخلي؛ سواء من خصوم الإخوان وبعضهم يحاول أن يعمّم النقاش من الإخوان نحو الهوية الوطنية والوحدة الوطنية، أو من قبل مؤيدي الإخوان الذين قاموا بدورهم بحملة دعائية قاسية وشديدة ضد الدولة ربطت قرار حظر الجماعة بأجندة أمريكية وصهيونية وتمّ تخوين الدولة بصورة أو بأخرى من قبل هذه المجموعات المؤثرة في مواقع التواصل الاجتماعي! لم يقتصر السجال على المشهد الأردني، بل انتقل إلى الإعلام العربي، بصيغته القديمة والجديدة، فالإخوان الذين يملكون حضوراً واسعاً في أوساط هذه المواقع، وتشترك معهم مجموعات واسعة ومؤيدة عربياً للإخوان المسلمين، في مقابل وسائل إعلام عربية معادية للإخوان المسلمين حاولت توسيع دلالة القرارات لتبدو وكأنّها إنهاء وإقصاء تيار «الإسلام السياسي» بصورة كاملة من المشهد الوطني الأردني، واستنساخ نماذج عربية أخرى، قامت على وسم الجماعة بالإرهاب ومحاربة أفرادها والزج بهم في السجون والاعتقالات.
بدوره التيار المحافظ الأردني شارك مبكراً في السجال؛ وحاول أن يستثمر في قضية الأسلحة والخلايا وأن يوسع دلالة الحدث للمطالبة بحل مجلس النواب وحل حزب جبهة العمل الإسلامي الذي يمتلك 31 مقعداً في المجلس والتراجع عن مشروع التحديث برمّته، وهو موقف تمسّك به التيار المحافظ عموماً منذ اللحظات الأولى لتشكيل لجنة تحديث المنظومة السياسية 2020، عندما شنّ حملة شعواء وشرسة عليها، واعتبر أنّ الانتقال نحو الديمقراطية الحزبية مضرّ بالهوية الوطنية الأردنية.
هذا السجال مربكّ حقّاً وقد انعكس على الحالة الداخلية الشعبية الأردنية وأثار قدراً أكبر من القلق، حتى في أوساط شعبية ومجتمعية ليست معنية كثيراً بالشأن السياسي، لكن خروج الجدال إلى الحديث عن الوطنية والمواطنة والدولة كان كفيلاً بأن يتجاوز النقاش الحدود السياسية إلى المجتمعية والشعبية بصورة عامة.
أمام ذلك كلّه من الضروري أن نقف عند أسئلة رئيسية؛ السؤال الأول يتعلّق بقضية الأسلحة والخلايا نفسها؛ ما هي حقيقة الموقف؛ وإلى أيّ مدى كانت تمثّل حقاً خطراً على الأمن القومي الأردني، أم كانت هناك مبالغة سياسية من قبل الدولة ومحاولة لاستثمار هذه القصة لتحجيم حضور الإخوان وإضعافهم؟ ثم السؤال الثاني يتعلّق بالأسباب الكامنة في العلاقة المأزومة بين الدولة والجماعة، ولماذا وصلت إلى هذه المرحلة؟ والسؤال الثالث والأخير، والأكثر أهمية، إلى أين ستنتهي فصول هذه القضية؛ هل سنكون أمام إقصاء كامل للإسلام السياسي، بما في ذلك حزب جبهة العمل الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، كما يأمل خصوم الجماعة في الداخل والخارج؟ أم هي زوبعة في فنجان وسرعان ما تنتهي هذه الموجة المتشددة ضد الجماعة وتعود إلى العمل بصورة ضمنية وهادئة كما يأمل قادة التيار المحافظ داخل الجماعة والحزب؟

قضية الخلايا؛ منظور الدولة والجماعة!

أعلنت دائرة المخابرات العامة عن إحالة 16 شخصاً ضمن خلايا متهمة بتصنيع السلاح والإخلال بالأمن القومي، لاحقاً حكمت محكمة أمن الدولة على أربعة من هؤلاء في جلستها يوم الأربعاء الماضي بالأشغال الشاقة لمدة 20 عاماً، وما تزال القضايا الأخرى في القضاء العسكري.
ليست المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف أسلحة ولا تهريبها ولا حتى محاولات لأفراد من الإسلاميين وغير الإسلاميين التسلل غرب النهر للقيام بعمليات عسكرية ضد الإسرائيليين، وهو أمر تعاملت معه السلطات الأردنية على مدار العقود، وليس فقط السنوات الماضية، بالحدّ الأدنى من الاهتمام السياسي والإعلامي Low Profile؛ لماذا إذن هذه المرة أخذ الملف هذا البعد السياسي وتمّ تجميع عدد من الخلايا أو المجموعات المستقلة وربطها ببعض ثم ربطهم بجماعة الإخوان المسلمين؟!
ثمة اعتبارات عدة تقف وراء ذلك؛ الاعتبار الأول ويرتبط بالعلاقات العابرة للحدود؛ فهذه المجموعات ليست محلية، بل لها امتداد إقليمي، وقد تدرب بعض الأفراد على يد قيادات في الخارج، منهم قيادات في حركة حماس، وقد أشير في التحقيقات لشخص اسمه «أبو أحمد» (والمقصود هنا عزام الأقرع، الذي اغتالته إسرائيل مع صالح العاروري في بيروت في بداية العام 2024)، ووفقاً للرواية الرسمية فإنّ التخطيط لهذه المجموعات والعمليات والتهريب لم يحدث بعد طوفان الأقصى بل قبل ذلك، وبداية من العام 2021 عندما كان هناك قرار داخل حركة حماس بتفعيل الساحات الإقليمية (بالتعاون مع محور الممانعة حينها)، فمثل هذا الامتداد يمثل بالنسبة لمراكز القرار في عمان تطورا خطيرا وغير مسبوق داخل جماعة الإخوان وفي أوساطها.
أما المعيار الثاني فيتمثّل بتصنيع الأسلحة والصواريخ والتخطيط للمسيرات، وهذه قفزة كبيرة في نمط تفكير مجموعات أو شباب مرتبطين بالإخوان المسلمين، ويمثل ذلك خروجاً كاملاً على مسارات المعادلة بين الطرفين وتحدياً جديداً في التعامل مع الجماعة وأوساطها التنظيمية، ووفقاً لمسؤولين أردنيين يكشف حجم التحول الفكري والأيديولوجي في أوساط واسعة في الجماعة وقاعدتها الاجتماعية، نحو خطاب معادٍ للدولة وأقرب إلى الجانب الثوري أو الراديكالي.
ويرتبط المعيار الثالث بنظرية في أوساط القرار السياسي الأردني تتمثّل بالخشية من أنّ حركة حماس ستفكر بصورة أكبر بتنشيط دورها ووجودها في الشارع الأردني، بعد الحرب على غزة، للشعبية الكبيرة التي تتمتع بها حماس في أوساط اجتماعية واسعة، خاصة في جماعة الإخوان والأوساط القريبة منها، ما قد يعني أنّ التساهل والتهاون مع هذه المجموعات اليوم، سيؤدي إلى ما هو أكبر من ذلك غداً.
بالضرورة لا يمكن أن ننفي أنّ هناك اعتباراً متعلقاً بالأزمة المستدامة بين الجماعة والدولة منذ فترة طويلة، وانعدام الثقة بين الطرفين، والشقوق الكبيرة في العلاقة بينهما، من هنا فإنّ مثل هذه القضايا تمثّل أيضاً مناسبة لإعادة تحديد العلاقة مع الحركة الإسلامية، بخاصة بعد ما اعتبرته الدولة استفزازات خطيرة من قبل الحركة في الشارع، وعمليات التعبئة والتحريض والحشد التي قام بها أنصار الحركة خلال عملية طوفان الأقصى.
من منظور الإسلاميين، فإنّ هناك إقراراً من قبل محامي المتهمين وأهاليهم والعديد من قيادات الإخوان المسلمين بأنّ هذه القضايا صحيحة، لكن رواية الجماعة أو أنصارها عموماً تذهب إلى ربطها بالعواطف والمشاعر الفردية، وقبل ذلك كانت الجماعة قد احتفلت بشابين من أبناء الجماعة قاما بقطع الحدود والدخول في مواجهة مسلحة مع جيش الاحتلال قبل أن يقتلا، لكن في هذه المرّة لاذت الجماعة بالصمت والحذر، وأعلنت أنّ المسألة ليست تنظيمية بل هي فردية، وقام حزب جبهة العمل الإسلامي بتجميد عضوية أعضائه الثلاثة المتهمين ضمن هذه الخلايا والمجموعات. في المقابل تعرّض نواب الحزب وقادة جماعته إلى حملة إعلامية شرسة التزموا في مواجهتها جانب الحذر وخفض التصعيد، وتجنبوا الدخول في معارك سياسية وإعلامية، لكنّهم ـ في المقابل- تجنبوا الإدانة الواضحة لهذه الخلايا واكتفوا بعبارات مثل أنها أعمال فردية وأنهم يدينون استخدام السلاح أو امتلاكه ويؤمنون بحصرية امتلاك الدولة لحق استخدام السلاح، وتجنبوا غضباً أكبر من قواعد الجماعة، وأنصار حماس في الداخل والخارج.
المفاجأة تمثّلت بصدور بيانين مختلفين عن بيانات جبهة العمل الإسلامي وجماعة الإخوان؛ الأول من قبل حركة حماس، وكان داعماً للشباب وهجومياً على الحكومة الأردنية، والثاني من قبل ما يسمى تيار التغيير في التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، ودعا فيه إلى انخراط الشباب في عمل ثوري في الأردن وخارجه ضد الحكومات العربية، بينما كان خطاب جبهة العمل الإسلامي والإخوان أكثر هدوءاً من هذه الخطابات وتجنب الإسلاميون الأردنيون التعليق عليها.
بمجرد الإعلان عن القضايا قام وزير الداخلية بعقد مؤتمر صحافي واعتبر أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي محظورة أصلاً بموجب القضاء، منذ العام 2020، وأعلن عن تطبيق قرارات تمنع الجماعة من ممارسة أي أنشطة أو فعاليات أو أن تعلن عن وجودها، وتعتبر هذه مرحلة متقدمة من الأزمة بين الطرفين، فبالرغم من أنّ هذه القرارات هي تطبيق لقرار قضائي سابق بحق الجماعة اعتبرها جماعة غير مرخصة، وأيد قيام الحكومة بمصادرة ممتلكاتها، لكن الجماعة لم تلتزم بالقرار حينها، وبقيت مستمرة في الأنشطة والعمل بدرجة سريةّ، ومن دون مقرّات رسمية، الأمر الذي انتهى مع قرار وزير الداخلية بصورة كاملة، قانونياً وعملياً.
هذا المنعرج كان متوقعاً، وربما تأجل، مقارنة بالخط البياني التصاعدي للأزمة بين الطرفين، ويمكن الإشارة هنا بخطوط عريضة إلى المحطات الفاصلة في ذلك؛ وإذا كانت الأزمة قد تدحرجت وتطورت منذ أكثر من 30 عاماً، فإنّ الربيع العربي شكّل مرحلة حاسمة في تجذير أزمة الثقة بين أعلى مؤسسات الدولة وبين الجماعة، عندما شعرت الدولة أنّها استقوت بالخارج وبالظروف بتلك المرحلة على الدولة، ثم في مرحلة لاحقة انخرطت الجماعة في صراع مع الحكومة على خلفية قضية نقابة المعلمين وإضرابهم في العام 2019، ثم في مرحلة الطوفان على الأقصى وحرب الإبادة الإسرائيلية وصلت الأمور إلى مرحلة متقدمة جداً من الأزمة مع خطاب تعبوي في الشارع، من قبل قيادات الجماعة، وعدم الاعتراف بالدور الدبلوماسي الأردني في الحرب على غزة، وشعور الدولة بأنّ الاعتبارات الخارجية وعلاقة الجماعة بحركة حماس ومحور الممانعة تتغلب على الاعتبارات الوطنية والداخلية ومصالح الدولة العليا، وفي المحصلة جاءت نتائج الحركة الكبيرة، غير المسبوقة، في الانتخابات النيابية 2024، لتعزز الأزمة بين الطرفين؛ مؤسسات الدولة من جهة والجماعة التي تمثّل المعارضة السياسية الأكثر قوة ونفوذاً، ضمن لعبة سياسية لا يمكن وصفها أكثر من أنّها لعبة صفرية بين الطرفين Zero-Sum Game.

المرحلة المقبلة؛ الاحتمالات والخيارات المتبادلة بين الطرفين

أمام مؤسسات الدولة ثلاثة احتمالات رئيسية؛ الاحتمال الأول التوقف عند هذا الحدّ والاكتفاء بالتأكيد على تنفيذ القوانين فيما يتعلّق بحظر الجماعة قانونياً وعملياً، وعدم الانتقال إلى حظر حزب جبهة العمل الإسلامي، والعمل ضمن الأطر القانونية والسياسية التقليدية على بناء قواعد جديدة من اللعبة السياسية مع الحزب، بوصفه التمثيل الوحيد للإسلاميين، وهو الاحتمال الراجح ضمن المنطق العقلاني والواقعي الذي يحكم طريقة صنع القرار السياسي في الأردن تاريخياً.
الاحتمال الثاني أن يتم حظر حزب جبهة العمل الإسلامي، وإقصاء التيار الإسلامي بالكلية من اللعبة السياسية، وإخراج هذا التيار من اللعبة القانونية والسياسية، كما حدث في العديد من الدول الأخرى، لكن مثل هذا القرار يفتح الباب أمام أسئلة كبيرة تواجه مؤسسات القرار؛ السؤال الأول عن مصير التحديث السياسي في ظل شغور مقعد معارضة فاعلة ومعترف بها قانونياً وسياسياً؟ سؤال الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي في ظل ثقل الإسلاميين في أوساط اجتماعية عريضة وواسعة، وفي ظل أزمة اقتصادية سياسية وخانقة تدفع بجيل الشباب المعارض نحو الشارع بدلاً من العمل السياسي المنظم والقانوني؟ سؤال التحديث السياسي برمّته الذي يمثّل مشروعاً استراتيجياً مستقبلياً لدى الدولة لتطوير المنظومة السياسية؛ بما يضع علامات استفهام حول المصداقية السياسية؟ وسؤال الخشية من تحول نسبة كبيرة من الشباب الذين كانوا تحت مظلة هذه القوى السياسية والاجتماعية الكبرى لوسائل وأدوات وأفكار أكثر راديكالية في منظورهم للعمل السياسي، خاصة في ظل تداعيات الحرب على غزة والمشروع الإسرائيلي- الصهيوني اليميني الراهن.
الاحتمال الثالث وهو العودة إلى المرحلة السابقة من السماح لحزب جبهة العمل الإسلامي بالعمل والبقاء، والتراخي لاحقاً عن ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين والقبضة المشددة ضد أنشطتها.
أمّا من زاوية جماعة الإخوان المسلمين وجبهة العمل الإسلامي فإنّهما أمام خيارات رئيسية؛ يتمثّل الأول بالقبول بالالتزام بالسياسات الجديدة والانتقال إلى العمل السياسي الحزبي المنظم، وتسجيل أعداد كبيرة من شباب الجماعة في الحزب والتخلي عن جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم ومظلة عريضة، وهذا تحدٍ كبير، إذ طُرح هذا السيناريو سابقاً وعارضه التيار المتشدد داخل التنظيم، وهناك نسبة كبيرة من أبناء الجماعة ليسوا أعضاءً في الحزب؛ فإلى أي مدى بعد هذه التطورات والأزمات يمكن إقناعهم بالتوجه نحو عمل سياسي حزبي مدني، خاصة بعد الحرب على غزة والحالة العاطفية والشعورية لنسبة كبيرة منهم بالإحباط وخيبة الأمل من النشاط السياسي الحزبي، فمثل هذا السيناريو وإن كان يمثّل الخيار العقلاني والواقعي في أروقة الحزب والجماعة، إلاّ أنّه يحتاج إلى جهود وطاقة وبيئة سياسية وفكرية مناسبة ليست متوافرة بالدرجة المطلوبة بالنسبة له.
الخيار الثاني أن تنحني الجماعة حالياً للعاصفة، كما يراهن بعض قيادات تنظيمية في التيار المتشدد، وأن تستمر في عملها بالسرّ وبصورة شبيهة بما كانت عليه الحال سابقاً، أي تبقي الإطار التنظيمي لكن بقدر أكبر من السريّة، لكن مثل هذا السيناريو غير مرحب به عند التيارات الواقعية والعقلانية، خاصة أنّ للحزب تمثيلاً كبيراً في مجلس النواب سيكون عرضة للمساءلة والمواجهة المستمرة مع الدولة.
أمّا إذا تمّ حل حزب جبهة العمل الإسلامي، فإنّ نسبة من أفراده ستحاول تأسيس حزب جديد، لكن الغالبية ستأخذ مسارات وخيارات أخرى؛ إما الاستنكاف الكامل عن العمل السياسي والعام، وهذا ما قد يفضي لاحقاً لتحولات فكرية وأيديولوجية في أوساط نسبة كبيرة من الشباب الذين يؤمنون بهذا الاتجاه الفكري والأيديولوجي.
في المحصلة؛ فإنّ الحوار الاستراتيجي بين حزب جبهة العمل الإسلامي ومؤسسات القرار مسألة في غاية الأهمية لمواجهة هذه الأزمة والتحولات، وترسيم قواعد اللعبة السياسية في المرحلة المقبلة..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية