نابلس ـ «القدس العربي»:منذ أكثر من 19 شهرا لم يستخدم الفلسطينيون مفرق «حاجز حوارة العسكري» الذي يربط بين مدينتي نابلس ورام الله. لقد أغُلق الحاجز نهائيا مع السابع من أكتوبر عام 2023، واستبدل بمكانين قريبين نسبيا يمكن للفلسطيني المرور من خلالهما، وهما حاجز «عورتا» شرق بلدة حوارة، وحاجز يسمى «المربعة» جنوب مدينة نابلس.
وعلى مدار أشهر كثيرة تدبر الفلسطينيون أمر تنقلهم عبر الحاجزين بشق الأنفس، وبمقدار كبير من العذاب اليومي الذي تم التكيف معه.
وقبل أيام تداول فلسطينيون على الشبكات الاجتماعية صورة حديثة لمفرق «حاجز حوارة العسكري» الذي يفصل بلدة حوارة وما بعدها من بلدات وصولا إلى رام الله جنوبا ومدينة نابلس شمالا. كانت صورة علوية تظهر عملية قلب شبه كاملة للمكان، المكان الذي ارتبط في مخيلة الفلسطيني بصفته حاجزا احتلاليا يتلوه دوار متوسط الحجم بني عليه ما يشبه منزلا تراثيا بحجارة منازل فلسطينية مسروقة، ومنه تمتد طرق فرعية تصعد على مهل وصولا إلى مستوطنات على قمم الجبال تنمو باضطراد في المنطقة.
غير أن الصورة الجديدة بدت ملفتة ومستفزة للفلسطينيين، لقد تحول «المكان الكابوسي» (الحاجز التقليدي) لبنية تحتية حديثة، أصبح عبارة عن جزء من شبكة من الشوارع والإشارات المرورية جيدة التخطيط.
وقبل أشهر قليلة افتتح الاحتلال طريقا التفافيا يجنب المستوطنين في المنطقة المرور من بلدة حوارة حيث تزداد احتمالات وقوع عمليات للمقاومة الفلسطينية في ظل الزحام الشديد داخل البلدة التي كانت فيما مضى نشطة تجاريا.
الطريق الجديد الممتد من حاجز زعترة (دوار زعترة) وصولا إلى مدخل حوارة ومن ثم يلتف حولها وصولا إلى طريق رابط بمستوطنة ايتمار المتطرفة، هذا الطريق الاستيطاني قلب المنطقة رأسا على عقب.
لقد تحولت حوارة التجارية إلى بلدة أشباح، كما أن الطريق الجديدة التي نهبت أراضي المواطنين أصبح يوفر سرعة عالية في التنقل لكنه في المقابل غير خريطة تنقل الفلسطينيين وكذلك جغرافيا المنطقة.
علق مواطنون على الصورة الخاصة بالحاجز الجديد على الشبكات الاجتماعية بطرق كثيرة، البعض ذكر نتائج مماثلة في مناطق جنوب الضفة الغربية وتحديدا في منطقة دوار عصيون القريب من مدينة الخليل، لقد ألغت التحولات الجديدة في شبكة المواصلات الدوار القديم الضخم على شارع 60، ومن ثم تحول إلى شارع ممتد يجنب المستوطنين المرور على مخيم فلسطيني وبلدات فلسطينية.
أحد الفلسطينيين علق قائلا: «الصورة الجديدة للحاجز تعكس المعنى الحرفي لقلب الجغرافيا الفلسطينية وتغيير معالم المكان وإعادة هندستها وفق التصور الاحتلالي..»، فيما علق آخر على أن ما يجري في الضفة وما يعكسه الدوار الجديد هو: «ترجمة حرفية لصفقة القرن على الأرض، ولكن هناك من يتصرف وكأنه لا يعلم عن الأمر شيئا..».
فيما التفت إعلامي فلسطيني إلى نقطة جديدة في قراءة تحولات شبكات المواصلات إلى أن «الدوارات التقليدية تمثل نقطة ضعف أمنية من وجهة نظر الاحتلال… بإمكان منفذ أي عملية للمقاومة ما أن يُطلق النار على تجمع للمستوطنين أن يدور حول الدوار وينطلق في أي اتجاه بهدف الهرب السريع. لكن الإشارات المرورية تعرقل ذلك، ولا توفّر انسيابية السير في كل اتجاه».
تنفيذ شعار سموتريتش
المحلل السياسي الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة حاول أن يلخص ما تجود به الصورة الجديدة للمكان حيث قال: «إن صح النشر على شبكات التواصل، فالصورة من منطقة حاجز حوارة بعد أن تم إلغاء الدوار الموجود على مفترق على يمين الخارج من نابلس معسكر لجيش الاحتلال وعلى يساره مدخل مستوطنة، والطريق موصول لرام الله في الأصل وقبل إغلاقه مع بداية الحرب، المشهد شبيه بما تم على منطقة حاجز زعترة بعد أن تم افتتاح الطريق الالتفافي الجديد في منطقة حوارة».
ورأي دراغمة أن التحسينات على الطرقات في الضفة الغربية جزء من سياسة وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الحرب سموتريتش الهادفة إلى تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمستوطنين خاصة في مجال خدمات البنية التحتية من أجل تشجيع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وأضاف: «شعار سموتريتش في موضوع الخدمات للمستوطنين، أن ما يقدم للمستوطنين من خدمات على مختلف الصعد، وفي كل المجالات يجب أن يكون بمستوى الخدمات المقدمة للإسرائيليين داخل منطقة الخط الأخضر».
وبالتزامن مع تأهيل الشوارع في الضفة الغربية لخدمة المستوطنين، تعمل وزارة الاتصالات الإسرائيلية على تحسين خدمات ومستوى التغطية لشركات الاتصالات الخلوية في الضفة الغربية لدواع أمنية وسياسية.
وشدد دراغمة أنه مقابل كل ما يحدث في الضفة يجري في الكنيست الإسرائيلي ما يمكن تسميته بالثورة التشريعية لفرض حقائق جديدة على الأرض في الضفة الغربية، كل ذلك من خلال دائرة الاستيطان التي أقامها سموتريتش في وزارة الحرب وتخضع له مباشرة.
ويخلص إلى أن كل ما يجري في الضفة من أجل فرض حقائق على الأرض تمنع في المستقبل خيار إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وفق تصريحات سموتريتش ذاته.
مخاوف مستحقة
الباحثة نور بدر ترى إن جوهرة فكرة شبكة الطرق في النظام الاستعماري، والذي يدخل من ضمنها «نظام الابارتهايد» تقوم على فكرة الفصل بين المستعمر والمستعمر، حيث يكون الهدف أن يكون للمحتلين طرق مختلفة، وهي عادة ما تكون شبكات مواصلات مشرفة على طرق المستعمرين، شبكة طرق تكون أعلى من طرق الواقع عليهم فعل الاحتلال، وغالبا ما تكون في مناطق جبلية، وأقرب مسافة.
وترى بدر وهي باحثة مهتمة ببحث الاستعمار في تجسده اليومي- في سيوسيولوجيا هيمنة الحكم العسكري على الأجساد الفلسطينية وفي مقاومته، أن حاجز حوارة مثلا يعكس نموذجا لشبكة طرق لا تعتبر قائمة على الفصل كما هو الحال في بلدة حوارة، بمعنى يمكن للفلسطيني استخدامها مع الإسرائيلي في نفس الوقت. وهي شبكة تشبه شبكات تتشكل في مناطق ثانية وهي عادة بين المدن الرئيسية. وهي لا تفصل كل مدينة عن مدينة إنما تفصل ثلاثة تجمعات فلسطينية بين الشمال والوسط والجنوب عن بعضها البعض.
وتتابع في حديث خاص لـ«القدس العربي»: «فكرة هذه الشبكة التي يستخدمها الفلسطينيون والمستوطنون تخرجنا عن الفهم التقليدي للاحتلال ونظام الفصل، وكأننا أمام نظام احتلالي مختلف».
وتشرح بدر فكرتها حول هذا الشكل من البنى التحتية قائلة: «ما أفكر فيه هنا في هذا الموضوع الذي يستحق التفكير والتحديق به مطولا، هو التفكير في طرق الفلسطينيين الفرعية والتقليدية وغير الحديثة، إنها شبكة تقليدية نستخدمها نحن عندما تغلق الشبكات المشتركة مثل حاجز حوارة، وبتقديري أنه مع الأيام سيغلق الاحتلال شبكة الطرق التقليدية التي نستخدمها ببنية تحتية ضعيفة. هنا نصبح كفلسطينيين محتم علينا ان نسير معهم في ذات المسارات وهذا يطرح سؤال: ماذا يعني ذلك؟ وماذا بعد؟ ولماذا يرغب الاحتلال بذلك؟».
تكمل حديثها مشيرة إلى أن إغلاق طرق الفلسطينيين التقليدية يعني أننا نتعلق بالطرق المتطورة والحديثة التي يدشنها الاحتلال، وبالتالي في أي لحظة قرر الاحتلال الفصل بين الشمال والوسط والجنوب، فإنه يغلق هذه الشبكات ويمنعنا من استخدامها، وهو ما يعني البقاء حيث نتواجد كل في منطقته شمالا ووسطا وجنوبا.
وترى بدر أن الاحتلال يريد أن يعتاد الفلسطيني على الشبكات الإسرائيلية، «إنها توفر لنا تنقلا سهلا ومريحا مقارنة بشبكاتنا، وفي لحظة إغلاق الشبكات الفلسطينية وهو متوقع في الفترة القادمة فالفلسطيني لن يعود لاستخدام شبكاته التقليدية، سينظر إلى أي طرق على أنها وعرة وغير مناسبة لسيارات حديثة، فالتنقل بين المدن الفلسطينية مصمم كليا بالسيارات الحديثة وسط غياب أي طريقة نقل تقليدية أيضا، سنبقى رهائن سيارتنا الحديثة وشوارع المستوطنين المغلقة من دون طرق ثانية.. هذه مخاوف مستحقة».
وتختم نور: «هذا الشكل الحديث من الشبكات الاحتلالية التي يسلكها الفلسطيني وتشعره بالراحة ويتم التنقل عليها بفترات زمنية أقل سيعتاد الفلسطيني عليها، ومن دونها سيستشعر الفلسطيني المعاناة، فالاحتلال يعيد تشكيل زمن ووقت الفلسطيني، وهذا يؤثر على موقف الفلسطيني ذاته من الفعل المقاوم. إنه واقع جديد يدفع إلى خلق حالة جديدة من علاقة الفلسطيني مع الفاعلين في النشاط المقاوم وهذه المرة من باب شبكات الطرق».
تسهيل التحكم بالفلسطيني
الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة يختلف قليلا مع المواطنين المندهشين من صورة الحاجز حيث يقول إنه المكان (الحاجز) «في شكله السابق لم يكن يشعرني بإن الحاجز ينتمي للمكان، هو لا يعبر عني، ولم يكن تحت سيطرتي.. ولا يعكس هويتي… إنه أمر يشبه ما يحدث على حاجز قلنديا وأكثر من منطقة في الضفة الغربية».
ويكمل ربايعة في حديث لـ«القدس العربي»: «الأمر مرتبط بسياسة الجسور والأنفاق في الجنوب والوسط، إنها جزء من مشروع كبير يرتبط بالبنية التحتية، نحن أمام مشروع إسرائيلي بلغت قيمته 8 مليار شيقل لبنية تحتية رديفة، وكان الهدف منها تسهيل التحكم بالفلسطيني وليس فصل الفلسطيني عن الإسرائيلي».
ويشدد على أن تحويل القنوات والشبكات التي تربط الفلسطينيين ببعضهم يجعلها جزءا من بنية تحتية معاقبة ويمكن تفعيلها وتشغيلها متى يريد الاحتلال ذلك.
ويتابع أن اليوم أصبح من الصعب إغلاق طريق نابلس-رام الله، لوجود فلسطينيين يتشاركون مع الإسرائيليين الطريق، وهذه مسألة أصبحت مزعجة بفعل التداخل بين المستوطنين والفلسطينيين. وهو ما يعزز لديهم فكرة فصل البنية التحتية لتحويل الفلسطيني إلى شخص معزول.
ويؤكد ربايعة أن العزل اليوم مختلف عما كان سابقا، «فكرة الطرق الالتفافية التي تم التفكير فيها سابقا ونفذت في مشاريع ضخمة كانت تهدف إلى أن يكون المستوطن بعيدا عن عين الفلسطيني وعن نشاطه المقاوم، أما الطرق اليوم فهي مختلفة عن ذلك في ظل أننا نتشاركها معهم».
ويخلص إلى أن مجمل السياسات الاستيطانية وتحديدا طرق المواصلات تعمل «تراكميا على تغيير هوية الضفة الغربية كلها. المشهد الحاضر في الضفة كلها هو مشهد المستوطنة على حساب المشهد الفلسطيني الباهت، النفق الذي تم الحديث عنه في صفقة القرن والخريطة التي وزعت في حينه تدفع بإن يستخدم الفلسطيني الانفاق، وهي تعكس معنى رمزيا مهما وهو أن الفلسطيني لا يبدو على سطح الأرض، فالمشهد مهم بالنسبة للاحتلال، هنا من الواضح أن هوية الضفة الغربية لمن يعتليها، وهم يريدون ذلك بشكل عام».